المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر



عزتي بديني
2008-06-23, 03:43 AM
قال الحسن البصري:علمت أن رزقي لن يأخذه غيري فطمأن قلبي وحدي وعلمت ان عملي لا يقوم به غيري فاشتغلت به وعلمت ان الله مطلع علي فاستحيت ان يراني على معصية ربي وعلمت فوق ذلك ان الموت ينتظرني فاعددت الزاد للقاء بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلامضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله r .
أما بعد:
فإن للإيمان بالقدر في دين الإسلام مكانة عليا، وأهمية كبرى، فالإيمان به قطب رحى التوحيد ونظامه، ومبدأ الدين القويم وختامه ، فهو أحد أركان الإيمان وقاعدة أساس الإحسان ([1]).
والقدر هو قدرة الله ، فالمؤمن به مؤمن بقدرة الله ، والمكذب به ، مكذب بقدرة الله عزوجل.
والإيمان بالقدر أمر فطري ، والعرب في جاهليتها وإسلامها لم تكن تنكر القدر ، كما صرح بذلك أحد أئمة اللغة وهو أحمد بن يحيى ثعلب بقوله:"مافي العرب إلا مثبت القدر خيره وشره ، أهل الجاهلية وأهل الإسلام "([2]).
ومما يدل على أهميته كثرة وروده في نصوص الشرع ، التي بينت حقيقته ، وجلت أمره ، وأوجبت الإيمان به ومايترتب على ذلك من عظيم الثمرات في الدنيا والعقبى ، على الأفراد والمجتمعات ، ومايترتب على الكفر به والضلال في فهمه من الشقاء والعذاب في الآخرة والأولى.
ومن هذه النصوص ماورد في الكتاب الكريم من آيات منها قوله تعالى : { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} ([3]).
ومن السنة ما جاء عن النبي r أنه قال : " لايؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وأن ما أخطاه لم يكن ليصيبه " ([4]).
فالإعتقاد بالقضاء والقدر تبعا لما أمر به الدين الإسلامي الحنيف وما نزع الشرع به ليس هو مبعث انحطاط وتخلف ، كما زعم المغفلون الحاقدون ، بل على العكس إنما هو مبعث قوة وجرأة وإقدام وبه تنطلق قوى الإنسان ومداركه وطاقاته في سبيل البناء والتقدم للإعمار ولتشييد حضارة إنسانية تنفع الناس عامة ، دون خوف أو تخاذل طالما أن الإنسان المسلم بالقضاء والقدر يعلم أن قوى البشر عامة في هذا الوجود ، وأن جميع مافيه من عوالم ومن طاقات وقوى وقوانين بيد مدبر الكائنات ومنظمها ومصرف حوادثها ، فهو يسير وفق حكمة عليا قضاها الله وقدرها لذلك فإن سلوك الإنسان في حياته واستقامته، وأعماله وتصرفاته من خير أو شر ماهي إلا مظهرا من مظاهر عقيدته وإيمانه ، فإن صحت العقيدة والإيمان صح السلوك ، وصح العمل ، واستقام السعي ، وتحققت المثل والأهداف التي ترمي إليها هذه العقيدة التي بها تنطبع سلوكية الإنسان وشخصيته .
فعقيدة التوحيد والإيمان بقضاء الله وقدره تهذب الحياة وتحقق المدنية فتسود المثل العليا ، وتثمر الفضائل ويعم الخير وينتشر الرخاء، ويتحقق العدل ويسعد الفرد والجماعة.
ولما كان للإيمان بالقضاء والقدر أهمية عظمى، وثمرات جمّا كتبت هذا البحث في ثمراته والذي اشتمل على مبحثين :
المبحث الأول : تعريف القضاء والقدر والفرق بينهما.
المبحث الثاني: ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر.
المبحث الأول:تعريف القضاء والقدر والفرق بينهما([5]).:
القضاء في اللغة:
هو بالمد ، ويقصر ، أصله قضاي ؛لإنه من قضيت إلا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت.
يقول ابن فارس:"القاف والضاد والحرف المعتل ، أصل صحيح يدل على إحكام أمر واتقانه وانفاذه".
ويطلق القضاء على معان عدة منها:
الأمر والأداء والحكم ، والفراغ والإعلام والموت.
والقدر في اللغة:
مصدر قدر يقدر قدراً.
يقول ابن فارس:" القاف والدال والراء أصل صحيح يدل على مبلغ الشئ ، وكنهه ونهايته".
ويطلق القدر على معان عدة منها:
الحكم والقضاء والطاقة، والتضييق والتقدير.

والمراد بالقضاء والقدر في الشرع:
علم الله بالأشياء قبل كونها وكتابته لها في اللوح المحفوظ ، ومشيئته سبحانه لوقوعها ، وخلقه عزوجل لها على ماسبق به علمه ، وكتابته ومشيئته.
الفرق بين القضاء والقدر([6]). :
ولهذا نقول: إن القضاء والقدرمتباينان إن اجتمعا ومترادفان إن تفرقا على حد قول العلماء:
هما كلمتان إن اجتمعا افترقا ، وإن افترقتا اجتمعتا ، فإذا قيل : هذا قدر الله فهو شامل للقضاء ، أما إذا ذكرا جميعا فلكل واحد منهما معنى.
فالتقدير: هو ماقدره الله تعالى في الأزل أن يكون في خلقه.
أو تغيير وعلى هذا يكون التقدير سابقا.
والإيمان بالقدر معترك عظيم من زمن الصحابة إلى زماننا هذا ،
وله مراتب أربعة وهي :
1/ العلم
2/الكتابة
3/ والمشيئة
4/الخلق .
المبحث الثاني: ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر :

1/أنه من تمام الإيمان ولايتم الإيمان إلا بذلك ([7]).
2/أنه من تمام الإيمان بالربوبية لأنه قدر الله من أفعاله ([8])..
3/ رد الإنسان أموره إلى ربه لأنه إذا علم أن كل شئ بقضائه وقدره فإنه سيرجع إلى الله في دفع الضراء ورفعها ويضيف السراء إلى الله ويعرف أنها من فضل الله عليه([9])..
4/إضافة النعم إلى مسديها ، لأنك إذا لم تؤمن بالقدر، أضفت النعم إلى من باشر الإنعام ، وهذا يوجد كثيراً في الذين يتزلقون إلى الملوك والأمراء والوزراء، فإذا أصابوا منهم ما يريدون ، جعلوا الفضل إليهم، ونسوا فضل الخالق سبحانه([10]).
5/ أداء عبادة الله –عزوجل-:([11]).
فالقدر مما تعبدنا الله سبحانه وتعالى به.
6/ الإيمان بالقدر طريق الخلاص من الشرك: ([12]).
فالمجوس زعموا :أن النور خالق الخير ،والظلمة خالقة الشر ، والقدرية قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد ، فهم أثبتوا خالقين مع الله وهذا شرك، والإيمان بالقدر على الوجه الصحيح توحيد لله.
7/ الشجاعة والإقدام: ([13]).
فالذي يؤمن بالقدر يعلم أنه لن يموت إلا إذا جاء أجله، وأنه لن يناله إلا ماكتب له، فيقدم غير هياب ولامبال بما يناله من الأذى والمصائب في سبيل الله ، لأنه يستمد قوته من الله العلي القدير الذي يؤمن به ويتوكل عليه، ويعتقد أنه معه حيثما كان ، والتوكل على الله معنى حافز وشحنة نفسية موجهه تغمر المؤمن بقوة المقاومة وتملؤه بروح الإصرار والتحدي وتقوي من عزيمته .
8/قوة الإيمان: ([14]).
فالذي يؤمن بالقدر يقوى إيمانه، فلايتخلى عنه ولايتزعزع أو يتضعضع مهما ناله في ذلك السبيل.
9/الصبر والإحتساب ومواجهة الأخطار والصعاب: ([15]).
فالذي لايؤمنون بالقدر ربما يؤدي الجزع ببعضهم بالله وبعضهم يجن ، وبضهم يصبح موسوساً.
10/ الهداية: ([16]).
كما في قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ([17]).
وقال علقمه: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من قبل الله فيسلم ويرضى .
11/ الكرم: ([18]).
الذي يؤمن بالقدر وأن الفقر والغنى بيد الله وأنه لايفتقر إلا إذا قدر الله له ذلك ، فإنه ينفق ولايبالي.
12/التوكل واليقين والاستسلام لله ، والاعتماد عليه: ([19]).
كما في قوله تعالى : { قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}([20]).
13/الإخلاص: ([21]).
فالذي يؤمن بالقدر لايعمل لأجل الناس ، لعلمه أنهم لن ينفعوه إلا بما كتبه الله له.
14/إحسان الظن بالله وقوة الرجاء: ([22]).
فالمؤمن بالقدر حسنُ الظن بالله ، قوي الرجاء به في كل أحواله .
15/ الخوف من الله والحذر من سوء الخاتمة: ([23]).
فالمؤمن بالقدر دائماً على خوف من الله، وحذر من سوء الخاتمة ، إذ لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ، فلا يغتر بعمله مهما كثر، فإن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها حيث يشاء، والخواتيم علمها عند الله.
16/ الإيمان بالقدر يقضي على كثير من الأمراض التي تفتك بالمجتمعات، وتزرع الأحقاد بينها ، وذلك مثل رذيلة الحسد فالمؤمن لايحسد الناس على ما آتاهم الله من فضه ، لإيمانه بأن الله هو الذي رزقهم وقدر لهم ذلك ، فأعطى من شاء ، ومنع من شاء ابتلاءً وامتحاناً منه ، وإنه حين يحسد غيره إنما يعترض على القدر ([24])..
17/تحرير العقل من الخرافات والأباطيل: ([25]).
فمن بديهات الإيمان بالقدر ، الإيمان بأن ماجرى ومايجري وماسيجري في هذا الكون إنما هو بقدر الله، وأن قدر الله سر مكتوم، لايعلمه إلا هو، ولا يطلع عليه أحد إلا من ارتضى من رسول.
ومن هذا المنطلق تجد أن المؤمن بالقدر حقيقة لايعتمد على الدجالين والمشعوذين ، ولايذهب إلى الكهان والمنجمين والعرافين، فلا يصدق أقوالهم ، ويعيش سالما من زيف هذه الأقاويل ، متحرراً من جميع تلك الخرافات والأباطيل.
18/التواضع: ([26]).
فالمؤمن بالقدر إذا رزقه الله مالاً، أو جاهاً أو علماً أو غير ذلك تواضع لله، علمه أن هذا من الله وبقدر الله ، ولو شاء لانتزعه منه، إنه على كل شئ قدير.
19/ السلامة من الإعتراض على أحكام الله الشرعية وأقداره الكونية ، والتسليم له في ذلك كله. ([27]).
20/ الجد والحزم في الأمور والحرص على كل خير ديني أو دنيوي ([28]):
فإن الإيمان بالقضاء والقدر يوفر الإنتاج والثراء؛ لأن المؤمن إذا علم أن الناس لا يضرونه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، ولا ينفعونه إلا بشيء قد كتبه الله له؛ فإنه لن يتواكل، ولا يهاب المخلوقين، ولا يعتمد عليهم، وإنما يتوكل على الله، ويمضي في طريق الكسب، وإذا أصيب بنكسة، ولم يتوفر له مطلوبه؛ فإن ذلك لا يثنيه عن مواصلة الجهود، ولا يقطع منه باب الأمل، ولا يقول: لو أنني فعلت كذا؛ كان كذا وكذا! ولكنه يقول: قدر الله وما شاء فعل. ويمضي في طريقه متوكلا على الله، مع تصحيح خطئه، ومحاسبته لنفسه، وبهذا يقوم كيان المجتمع، وتنتظم مصالحه، وصدق الله حيث يقول: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} ([29]).
21/ الشكر: ([30]).
فالمؤمن بالقدر يعلم أن مابه من نعمة فمن الله وحده، وأن الله هو الدافع لكل مكروه ونقمه، فينبعث بسبب ذلك إلى الشكر لله ، إذ هو المنعم المتفضل الذي قدر له ذلك، وهو المستحق للشكر، وهذا لايعني ألا يشكر الناس.
قال عكرمة –رحمه الله- "ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ، ولكن اجعلوا الفرح شكراً ، والحزن صبراً".
22/ الرضا: ([31]).
فيرضى بالله ربا مدبرا مشرعا، فتمتلئ نفسه بالرضا عن ربه ، فإذا رضي بالله أرضاه الله .
23/الفرح: ([32])
فيفرح المؤمن بالقدر بذلك الإيمان الذي حرم منه أمم كثيرة ، كما في قوله تعالى : قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون. ، وكما أنه آمن بالقدر فلا سبيل لمشاعر القلق والتوتر لكي تتسرب إلى نفسه وتصبحه هاجسه الملازم، ذلك أنه على يقين بأن الله سوف يختار له ماهو في صالحه ، حتى وإن كان يبدو على النقيض تماما مما كان يأمله ويرجوه ، واضعا نصب عينيه قوله سبحانه وتعالى: { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } ([33]).
قال ابن القيم رحمه الله في تفسير هذه الآية :"في هذه الآيه عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد ـ، فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب والمحبوب قد يأتي بلمكروه ، لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة ، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة ، لعدع علمه بالعواقب ، فإن الله يعلم منها مالا يعلمه العبد ، وا أنفع للعبد من الامتثال لأوامر الله ، وإن شق عليه ذلك في الإبتداء ، لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات، وكذلك لاشئ أضر عليه من ارتكاب النهي وإن هوته نفسه ومالت إليه ، لأن عواقبه كلها آلام وأحزان وشرور ومصاب "([34])..
ومن أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور ، والرضا بما يختاره له ويقضيه له لما يرجو فيه من حسن العاقبة ، إنه لايقترح على ربه ولايختار عليه ، ولايسأله ماليس له به علم ، فلعل مضرته وهلاكه فيه ، وهو لايعلم فلا يختار على ربه شئ بل و يسأله حسن الإختيار له وأن يرضيه بما يختاره فلا شئ أنفع له من ذلك .
24/ الإستقامة على منهج سواء في السراء والضراء: ([35]).
فالعباد فيهم قصور وضعف ونقص لايستقيمون على منهج سواء إلا من آمن بالقدر ، فإن النعمة لاتبطره ، والمصيبة لاتقنطه .
25/عدم اليأس من انتصار الحق:فالمؤمن بالقدر يعلم علم اليقين أن العاقبة للمتقين ، وأن قدر الله في ذلك نافذ لامحالة، فلا يدب اليأس إلى روعه ، ولايعرف إليه طريقا مهما احلولكت ظلمة الباطل([36]).
26/ علو الهمة وكبر النفس: ([37]).
فالمؤمن بالقدر عالي الهمة كبير النفس لايرضى بالدون، ولابالواقع المر الأليم، ولايستسلم له محتجاً بالقدر، إذ أن هذا ليس مجال الاحتجاج بالقدر ، لأنه من المعائب ، والاحتجاج بالقدر إنما يسوغ عند المصائب دون المعائب، بل إن إيمانه بالقدر يحتم عليه أن يسعى سعياً حثيثاً لتغير هذا الواقع حسب قدرته واستطاعته وذلك وفق الضوابط الشرعية.
27/ الإيمان بالقدر على وجه الحقيقة يكشف للإنسان حكمة الله فيما يقدره من خير أو شر : ([38]).
فيعرف الإنسان بذلك أن وراء تفكيره ، وتخيلاته من هو أعظم وأعلم ، ولهذا كثيراً مايقع الشئ فنكرهه وهو خير لنا ، فكم من الناس من يتبرم ويضيق صدره لفوات محبوب أو نزول مكروب ، وما أن ينكشف الأمر ويستبين سر القدر إلا وتجده جذلاً مسروراً ؛ لأن العاقبة كانت حميدة بالنسبة له ،وصدق تعالى إذ يقول: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ([39]).
28/ عزة النفس والقناعة والتحرر من رق المخلوقين: ([40]).
فالمؤمن بالقدر يعلم أن رزقه مكتوب ، وأنه لن يموت حتى يستوفي رزقه، ويدرك كذلك ان الله حسبه وكافيه ورازقه ، وأن العباد مهما حاولوا إيصال الرزق له، أو منعه عنه فلن يستطيعوا إلا بشئ قد كتبه الله، فينبعث بذلك إلى القناعة وعزة النفس، والإجمال في اطلب، وترك التكالب على الدنيا، والتحرر من رق المخلوقين،وقطع الطمع مما في أيديهم، والتوجه بالقلب إلى رب العالمين ، وهذا أساس فلاحه ورأس نجاحه.
29/سكون القلب وطمأنينة النفس وراحة البال: ([41]).
فلايدرك هذه الأمور ، ولايجد حلاوتها ولايعلم ثمراتها إلا من آمن بالله وقضائه وقدره، كما أنه وسيلة لمواجهة القلق النفسي فالمؤمن الحق إذا أصابته مصيبة مقدرة فعليه ألا يتحسر ، بل عليه أن يقول : قدر الله وماشاء فعل ، ولاعليه أن يتمنى حدوث عكس ماوقع ، لأن ذلك يورث حسرة وحزنا لايفيد، والتسليم للقدر هو الذي يشيع الأمن والإطمئنان ويقضي على مشاعر القلق والتوتر ، وكما قال بعضهم الأمر أمران :
- أمر فيه حيلة فلا تعجز عنه.
- أمر لاحيلة فيه فلا تجزع منه .
وأن كل مايعترض المؤمن من مشاق لايقابلها بغير الرضا والتسليم ، وذلك من منطلق قوله عليه الصلاة والسلام "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ، أحرص على ماينفعك ، واستعن بالله ولاتعجز ، وإن أصابك شئ فلا تقل : لو أني فعلت كذا لكان كذا ولكن قل قدر الله وماشاء فعل ، فإن لو تفتح عمل الشيطان" ([42]).
والمؤمن يعلم إن ابتلاء الله له إنما هو دليل على حبه له ، وامتحانه لإيمانه وصبره ، فمن رضي بهذا الإمتحان وصبر فله الرضا من الله ، ومن سخط من هذا الإبتلاء وجزع واستسلم للقلق واليأس فله السخط من الله ، ومصداق ذلك من كلام الرسول r "إن عظم الجزاء من عظم البلاء ،وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط " ([43]).
ولقد أدهش جانب الرضا بالقضاء والقدر من حيث أثره البالغ في نفس المسلم واستقباله لصعوبات الحياة بعزيمة قوية وإرادة لاتجزع ، أدهش هذا الركن من أركان الإيمان الكثير من غير المسلمين ، وقد كتبوا في هذا الشأن معبرين عن دهشتهم ومن هؤلاء ر.ن . س بودلي الذي قال عن تجربته " لقد تعلمت من عرب الصحراء التغلب على القلق فهم-بوصفهم- يؤمنون بالقضاء والقدر وقد ساعدهم هذا الإيمان على العيش في أمان وأخذ الحياة مأخذا سهلا هينا ،فهم لايلقون أنفسهم بين براثن الهم والقلق على أمر ، إنهم يؤمنون بأن ماقدر يكون، وأنه لايصيب الفرد منهم إلا ماكتب الله له ، وليس معنى ذلك أنهم يتواكلون أو يقفون في وجه الكارثة ، مكتوفي الأيدي......." وبعد أن استعرض (بودلي ) تجربته مع عرب الصحراء علق بقوله :" وخلاصة القول إنني بعد إنقضاء سبعة عشر عاما على مغادرتي الصحراء ، مازلت اتخذ موقف العرب حيال قضاء الله ، فأقابل الحوادث التي لاحيلة لي فيها بالهدوء ، والامتثال ، والسكينة ، ولقد أفلحت هذه الطباع التي اكتسبتها من العرب في تهدئة أعصابي أكثر مما تفلح آلاف المسكنات والعقاقير".([44])
وما أحسن ما قاله الحربي –رحمه الله- " من لم يؤمن بالقدر لم يتهن بعيشه"([45]).
وهذا صحيح فما تعاظمت المصائب في القلوب ، وضاقت بها الأنفس وحرجت بها الصدور إلا من ضعف الإيمان .
30/ القدر من أكبر الدواعي التي تدعو إلى العمل والنشاط والسعي بما يرضي الله في هذه الحياة، والإيمان بالقدر من أقوى الحوافز للمؤمن لكي يعمل ويقدم على عظائم الأمور بثبات وعزم ويقين . ([46]).
31/ومن ثمراته أن الداعي إلى الله يصدع بدعوته ، ويجهر بها أمام الكافرين والظالمين، لايخاف في الله لومة لائم ، يبين للناس حقيقة الإيمان ويوضح لهم مقتضياته، وواجباتهم تجاه ربهم كما يبين لهم حقائق الكفر الشرك والنفاق ويحذرهم منها، ويكشف الباطل وزيفه، ودعاته وحماته، ويقول كلمة الحق أمام الظالمين ، ويفضح ماهم فيه من كفر وظلم، وما يقومن به من إفساد وتضليل، يفعل المؤمن كل ذلك وهو راسخ الإيمان واثق بالله، متوكل عليه، صابر على كل مايحصل له في سبيله([47]).
32/ تحويل المحن إلى منح، والمصائب إلى أجر؛ كما قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ([48]).
ومعنى الآية الكريمة: من أصابته مصيبة، فعلم أنها من قدر الله، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله؛ هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدًى في قلبه ويقينا صادقا، وقد يخلف الله عليه ما كان أخذ منه أو خيرا منه، وهذا في نزول المصائب التي هي من قضاء الله وقدره، لا دخل للعبد في إيجادها إلا من ناحية أنه تسبب في نزولها به، حيث قصر في حق الله عليه بفعل أمره وترك نهيه؛ فعليه أن يؤمن بقضاء الله وقدره، ويصحح خطأه الذي أصيب بسببه.
وبعض الناس يخطئون خطأ فاحشا عندما يحتجون بالقضاء والقدر على فعلهم للمعاصي وتركهم للواجبات، ويقولون: هذا مقدر علينا! ولا يتوبون من ذنوبهم؛ كما قال المشركون: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ}([49]). وهذا فهم سيئ للقضاء والقدر؛ لأنه لا يحتج بهما على فعل المعاصي والمصائب، وإنما يحتج بهما على نزول المصائب؛ فالاحتجاج بهما على فعل المعاصي قبيح؛ لأنه ترك للتوبة وترك للعمل الصالح المأمور بهما، والاحتجاج بهما على المصائب حسن؛ لأنه يحمل على الصبر والاحتساب([50]).
الخـاتمــــة
· أن الإيمان بالقدر هو سر الله في خلقه.
· الإيمان بالقضاء والقدر يورث في النفس الرضا والطمأنينة.
· لأهمية الإيمان بالقضاء والقدر فقد لُفت نظر المسلم إليه من خلال نصوص الشرع.
· الإيمان بالقدر فيه دافعية للجد والعمل دون النظر للنتائج.
· إن إنكار القدر لم يكن معروفا عند العرب لافي جاهليتها ولافي إسلامها ، وإنما أتاهم ذلك من الأمم الأخرى.
· الإيمان بالقضاء والقدر له ثمرات جليلة ينتفع بها الفرد والمجتمع في الدارين.
والحمد لله أولا وأخرا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فهـرس المراجـع

1/ الإيمان بالقضاء والقدر -محمد إبراهيم الحمد-دار الوطن-الرياض-ط2(1416).
2/ الإيمان بالقضاء والقدرلـ د عبدالسلام التونجي-جمعية الدعوة الاسلامية-ليبيا-ط2(1426).
3/الإيمان بالقضاء والقدر وأثره على القلق النفسي -طريفة الشويعر-دار البيان العربي-جدة.
4/آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية -محمد الشايع-دار المنهاج-الرياض-ط1(1427).
5/شرح العقيدة الواسطية للشيخ ابن عثيمين-ت سعد الصميل- ابن الجوزي –الدمام-ط4(1417).
6/ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي- ت أحمد بن حمدان-دار طيبة الرياض.
7/ شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل – لابن القيم الجوزية-ت الحساني حسن عبد الله-دار التراث القاهرة.
8/القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس فيه- د عبدالرحمن المحمود-دار الوطن الرياض-ط2(1418).
9/معجم التعريفات والضوابط والتقسيمات والفوائد في المصنفات الإعتقادية ..ابن عثيمين-جمع أبو الأشبال المصري-مكتبة ابن تيمية- الامارات-ط1(1427).
--------------------------------------------------------------------------------
([1])انظر شفاء العليل لابن القيم ص/3
([2])شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، ج/2، ص/704-705.
([3])سورة القمر ، أية 49-50.
([4])رواه الترمذي ، باب ماجاء أن الإيمان بالقدر خيره وشره (ح2144).
([5]) آراء ابن حجر الهيتمي الاعتقادية لمحمد الشايع ،ص 572.
([6]) معجم التعريفات والضوابط والتقسيمات والفوائد لابن عثيمين ص338-339
([7]) شرح العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام، شرح/ ابن عثيمين ، ص189.
([8]) المصدر السابق، ص189
([9])المصدر السابق، ص189
([10]) المصدر السابق، ص190 .
([11]) الإيمان بالقضاء والقدر لمحمد الحمد ، تقديم الشيخ ابن باز ، ص31.
([12]) المصدر السابق ، ص31.
([13]) المصدر السابق ، ص32.
([14]) المصدر السابق ، ص32.
([15]) المصدر السابق ، ص32.
([16]) المصدر السابق ، ص33.
([17])سورة التغابن ، آية 11.
([18]) المصدر السابق ، ص33.
([19]) المصدر السابق ، ص33.
([20])سورة التوبة ، آية 51.
([21]) المصدر السابق ، ص34.
([22]) المصدر السابق ، ص34.
([23]) المصدر السابق ، ص 34.
([24]) المصدرالسابق، ص 34.
([25]) المصدر السابق ، ص35
([26]) المصدر السابق ، ص 35
([27]) المصدر السابق ، ص 35.
([28])انظر المصدر السابق ص 36، و الموقع الرسمي للشيخ الدكتور صالح الفوزان.
([29]) سورة الطلاق ،آيه 3.
([30]) الإيمان بالقضاء والقدر لمحمد الحمد ، ص36.
([31]) المصدر السابق ، ص 36.
([32])انظر الإيمان بالقضاء والقدر لمحمد الحمد ، ص36 والإيمان بالقضاء والقدر لطريفة الشويعر،ص73.
([33]) سورة البقرة ،آيه 216.
([34]) الفوائد (136).
([35]) الإيمان بالقضاء والقدر لمحمد الحمد ، ص37.
([36]) المصدر السابق ، ص 37
([37]) المصدر السابق ، ص 37.
([38]) المصدر السابق ، ص37.
([39]) سورة البقرة ، آيه 216.
([40]) الإيمان بالقضاء والقدر لمحمد الحمد ، ص38.
([41]) انظر المصدر السابق ص 39، والإيمان بالقضاء والقدر لطريفة الشويعر ، ص 71.
([42]) أخرجه مسلم –كتاب القدر-باب اإيمان بالقدر والاذعان له(ح6774).
([43]) أخرجه الترمذي – أبواب الزهد- باب ماجاء في الصبر على البلاء(ح2396).
([44])انظر دع القلق وأبدأ الحياة لديل كارنجي مقالة بعنوان "عشت في جنة الله"نقلا عن –الايمان بالقضاء والقدر وأثره على القلق النفسي- طريفة الشويعر(74-75).
([45])هو إبراهيم بن اسحاق الحربي ، كان إماما زاهدا ولد سنة 198هـ وتوفي ببغداد سنة 285هـ
([46])انظر القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس فيه للدكتور عبدالرحمن المحمود ،ص 474
([47])انظر المصدر السابق ، ص457.
([48]) سورة التغابن ، آية 11.
([49])سورة الأنعام،آية (148).
([50])الموقع الرسمي للشيخ الدكتور صالح الفوزان .

ساجدة لله
2008-06-23, 08:33 AM
بارك الله فيكِ غاليتي عزتي بديني
أعزك الله بدينك وأعز الدين بكِ
ولكل مسلم هذه النصيحة للرضا بقضاء الله مع الإيمان....


http://www.albshara.com/
"احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك".
http://www.albshara.com/
إليكِ هذه الوردة
http://www.albshara.com/

أسد الدين
2008-06-23, 09:34 AM
بارك الله فيك أيتها الأخت الفاضلة ..
و جزاك الله خيراً




فالتقدير: هو ماقدره الله تعالى في الأزل أن يكون في خلقه.
أو تغيير وعلى هذا يكون التقدير سابقا.



لي تعقيب بسيط على هذه النقطة أنقله من مصدره ليتضح المعنى بشكل أكبر، و هو توضيح للخطأ في قول "اللهم إني لا أسألك رد القضاء"، و جزى الله خيراً أخي الحبيب خالد بن الوليد ....


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل المرسلين أما بعد :

اعلم – رحمني الله وإياك – أنه قد تضافرت الأدلة على أن الدعاء يدفع البلاء ، ويرد القدر ، فهو من القدر الذي لا شيء أنفع منه في دفع الضر ، أو جلب النفع؛
وقد شاع على ألسن كثير من الناس في هذا الزمان إمامهم ومأمومهم هذا الدعاء ! ولا شك أن هذا الدعاء خطأ محض ، واعتداء في الدعاء ، وكيف لا يكون كذلك ؟! ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : [ لا يرد القضاء إلا الدعاء].
رواه الترمذي وغيره وقال : حسن غريب وحسنه الألباني في صحيح الجامع.

ويقول عليه الصلاة والسلام : [ لا يغني حذر من قدر ، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة ]. رواه الحاكم وصححه ، وحسنه الألباني.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : [ لن ينفع حذر من قدر ، ولكن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء].
رواه أحمد وغيره والحديث حسن بشواهده وقد حسنه الألباني في صحيح الجامع.

قال الشوكاني – رحمه الله تعالى – تعليقا على حديث " لا يرد القضاء إلا الدعاء" :
[ فيه دليل على أنه سبحانه يدفع بالدعاء ما قد قضاه على العبد ... إلى أن قال : والحاصل أن الدعاء من قدر الله عز وجل ، فقد يقضي بشيء على عبده قضاء مقيدا بأن لا يدعوه ، فإذا دعاه اندفع عنه!].

وقال ابن القيم – رحمه الله تعالى- كما في " الجواب الكافي " :
[ والدعاء من أنفع الأدوية ، وهو عدو البلاء ، يدافعه ويعالجه ،ويمنع نزوله ، أو يخففه إذا نزل ، وهو سلاح المؤمن ، كما روى الحاكم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الدعاء سلاح المؤمن ، وعماد الدين ، ونور السماوات والأرض ".

وله مع البلاء ثلاثة مقامات:
أحدها : أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.
الثاني : أن يكون أضعف من البلاء ، فيقوى عليه البلاء ، فيصاب به العبد ، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفا.
الثالث : أن يتقاوما ، ويمنع كل منهما صاحبه].
انتهى كلامه – رحمه الله تعالى - .

وقد ذهب أقوام إلى أن الدعاء لا معنى له ، لأن الأقدار سابقة ، والأقضية متقدمة ، والدعاء لا يزيد فيها ، وتركه لا ينقص منها شيئا ، ولهذا فلا فائدة من الدعاء والمسألة !! ، واحتجوا بعموم أحاديث القدر ، ولكنهم محجوجون ، لأن الله تعالى أمر بالدعاء في عدة آيات وأحاديث :

قال تعالى : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ،
وقال تعالى : قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ،
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : [ الدعاء هو العبادة ].
رواه الترمذي وصححه الألباني.
وقال عليه الصلاة والسلام : [ من لم يسأل الله يغضب عليه ].
رواه البخاري في الأدب المفرد وحسنه الألباني.

وقد أورد الإمام الخطابي قول هؤلاء في " شأن الدعاء " ورده فقال :
[ فأما من ذهب إلى إبطال الدعاء فمذهبه فاسد ، وذلك أن الله سبحانه وتعالي أمر بالدعاء ، وحض عليه .... ومَن أبطل الدعاء ، فقد أنكر القرآن ورده ، ولا خفاء بفساد قوله ، وسقوط مذهبه ]. انتهى كلامه – رحمه الله تعالى-.
ولا شك أن هذه العبارة : "...لا أسألك رد القضاء..." ظاهرها مؤداه إلى هذا المذهب الردي.
وقد ورد سؤال إلى العز بن عبد السلام – رحمه الله تعالى – هذا نصه :
هل يعصي من يقول : لا حاجة بنا إلى الدعاء ، لأنه لا يرد ما قدر وقضي ، أم لا ؟
فأجاب:
[ من زعم أنا لا نحتاج إلى الدعاء فقد كذب وعصى ، ويلزم أن يقول : لا حاجة بنا إلى الطاعة والإيمان، لأن ما قضاه الله من الثواب والعقاب لابد منه ، وما يدري الأخرق الأحمق أن الله قد رتب مصالح الدنيا والآخرة على الأسباب .
وبناء على ما سبق به القضاء ، لا بغيره، لزمه أن لا يأكل إذا جاع ، ولا يشرب إذا عطش ، ولا يلبس إذا برد ، ولا يتداوى إذا مرض ، ويقول في ذلك كله : ما قضاه الله فإنه لا يُرد .. وهذا ما لا يقوله مسلم ولا عاقل!،
ولقد قال بعض مشايخ الضلال منهم : لا يجوز التداوي لأنه يشرك باعتماده على الأسباب !! ، فكان جوابه : لا يأكل! ، ولا يشرب! ، ولا يلبس! ، ولا يركب !، ولا يدفع عن نفسه من أراد قتله !، ولا عن أهله من قصدهم بالزنا والفواحش !، فبهت الذي فجر].
انتهى كلامه – رحمه الله تعالى - .

وقد سئل الشيخ العلامة ابن عثيمين – رحمه الله تعالى – عن هذه العبارة كما في " نور على الدرب " ش. [290 ].
السؤال:
كثير من الناس يقولون: [ اللهم إننا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه].
فما الحكم في ذلك جزاكم الله خيرا؟
الجواب :
[لا نرى الدعاء هذا ، بل نرى أنه محرم ، وأنه أعظم من قول الرسول عليه الصلاة والسلام:
( لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت) ، وذلك لأن الدعاء مما يرد الله به القضاء ، كما جاء في الحديث : ( لا يرد القضاء إلا الدعاء).

والله عز وجل يقضي الشيء ، ثم يجعل له موانع فيكون قاضيا بالشي ، وقاضيا بأن هذا الرجل يدعو فيرد القضاء، والذي يرد القضاء هو الله عز وجل، فمثلا الإنسان المريض، هل يقول اللهم إني لا أسألك الشفاء ولكني أسألك أن تهون المرض؟!! لا ، بل يقول: اللهم إنا نسألك الشفاء فيجزم بطلب المحبوب إليه دون أن يقول : يا رب أبق ما أكره لكن الطف بي فيه ، خطأ، هل الله عز وجل إلا أكرم الأكرمين وأجود الأجودين ، وهو القادر على أن يرد عنك ما كان أراده أوّلا بسبب دعائك، فلهذا نحن نرى أن هذه العبارة محرمة، وأن الواجب أن يقول : اللهم إني أسألك أن تعافيني ، أن تشفيني ، أن ترد علي غائبي وما أشبه ذلك ]. انتهى كلامه – رحمه الله تعالى - .

و قال أيضا - رحمه الله- في شرح الأربعين النووية :
[وفي هذا المقام يُنكَرُ على من يقولون: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) ، فهذا دعاء بدعي باطل ، فإذا قال: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه) ، معناه أنه مستغن ، أي افعل ما شئت ولكن خفف ، وهذا غلط ، فالإنسان يسأل الله عزّ وجل رفع البلاء نهائياً فيقول مثلاً : اللهم عافني ، اللهم ارزقني ، وما أشبه ذلك.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللَّهَمَّ اِغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ " .
فقولك: (لا أسألك رد القضاء،ولكن أسألك اللّطف فيه) أشد.
واعلم أن الدعاء قد يرد القضاء،كما جاء في الحديث: " لاً يَرُدُّ القَدَرَ إِلاَّ الدُّعَاءُ " .
وكم من إنسانٍ افتقر غاية الافتقار حتى كاد يهلك ، فإذا دعا أجاب الله دعاءه ، وكم من إنسان مرض حتى أيس من الحياة ، فيدعو فيستجيب الله دعاءه.
قال الله تعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (الأنبياء:83) .
فذكر حاله يريدُ أنّ اللهَ يكشفُ عنهُ الضُّرَّ ، قال الله : فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ (الأنبياء: الآية84]].
انتهى من شرح الأربعين النووية لــ ابن عُثيمين رحمه الله.
وقال شيخنا الشيخ مشهور بن حسن – حفظه الله تعالى -: في الفتاوى الشرعية [ أشرطة. شريط رقم 29]:
[ " اللهم لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه " هذا دعاء آثم خاطئ ، وهذا له علاقة بطفرة النظام ، بل يجوز الدعاء ، فهذا عمر - رضي الله عنه - يقول " اللهم إن كنت قد كنت كتبتني شقيا ، فامحني واكتبني سعيدا " أخرجه الإسماعيلي في مستخرجه بإسناد جيد كما ذكر ذلك ابن كثير في كتابه " مسند الفاروق" ].انتهى بتصرف.


وفي كتاب الإيمان بالقضاء والقدر للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد ص 147:
السؤال:
ما صحة هذا العبارة التي يدعو بها بعض الناس : "اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه "؟
[الحمد لله ، هذا الدعاء يجري كثيراً على الألسنة ، وهو دعاء لا ينبغي ، لأنه شُرع لنا أن نسأل الله رد القضاء إذا كان فيه سوء، ولهذا بوب الإمام البخاري رحمه الله باباً في صحيحه قال فيه : ( باب من تعوذ بالله من درك الشقاء ، وسوء القضاء ، وقوله تعالى : قل أعوذ برب الفلق ، من شر ما خلق الفلق/1-2

ثم ساق قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( تعوذوا بالله من جهد البلاء ، ودرك الشقاء وسوء القضاء ). البخاري 7/215 كتاب القدر]انتهى .


وأخيرا أسأل الله تعالى الكريم أن يفقهنا في ديننا ، وأن يعلمنا من ديننا ما ينفعنا ، وأن يوفقنا لاتباع سنته صلى الله عليه وسلم.
والحمد لله رب العالمين.
____________________________
____________________________


و أيضاً الحديث الذي رواه الترمذي بِلفظ : لا يرد القضاء إلا الدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر .
وقال الألباني : حسن .

وفي الحديث الآخر : الدعاء ينفع مما نزل ومما لم يَنْزل فعليكم عباد الله بالدعاء . رواه الحاكم وغيره ، وحسنه الألباني .

فالدعاء مما يُخفِّف البلاء .
والدعاء مما يَدفَع به البلاء .

ففي حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يُغني حذر من قدر ، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم يَنْزِل ، وإن البلاء ليَنْزِل فيتلقاه الدعاء ، فَيَعْتَلِجَان إلى يوم القيامة . رواه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . وحسنه الألباني في صحيح الجامع .

والذي قدّر الأقدار هو سبحانه وتعالى الذي أمر بالدعاء ، ولا تعارض بين الأمر والتقدير .

فالدعاء مُعالجة لأقدار الله بأقدار الله ، كما قال عمر رضي الله عنه .
والله تعالى أعلم .


ـــــــــــــــــــــ
الشيخ عبد الرحمن السحيم

الهزبر
2008-06-26, 11:58 AM
السلام عليكم


فعقيدة التوحيد والإيمان بقضاء الله وقدره تهذب الحياة وتحقق المدنية فتسود المثل العليا ، وتثمر الفضائل ويعم الخير وينتشر الرخاء، ويتحقق العدل ويسعد الفرد والجماعة.

http://www.albshara.com/

عزتي بديني
2008-06-29, 01:23 AM
بارك الله فيكِ غاليتي عزتي بديني
أعزك الله بدينك وأعز الدين بكِ
ولكل مسلم هذه النصيحة للرضا بقضاء الله مع الإيمان....


وبارك فيك غاليتي وجعلك نبراسا للخير

عزتي بديني
2008-06-29, 01:24 AM
بارك الله فيك أيتها الأخت الفاضلة ..
و جزاك الله خيراً



بارك الله فيكم وجزاكم كل خير

شكرا على الإضافة الرائعة

عزتي بديني
2008-06-29, 01:27 AM
شكرا على مرورك أخي الهزبر

http://www.albshara.com/