الحمد لله الذي جعل العلم ضياء و القران نورا، و رفع الذين أوتوا العلم درجات علية، و كان ذلك في الكتاب مسطورا ، و جعل العلماء ورثة الأنبياء ،و كفى بربك هاديا و نصيرا، نحمده تعالى حمدا كثيرا ، و نشكره عز و جل ، وهو القائل: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (الإنسان:3) و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، كما(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران:18) و أشهد أن سيدنا محمدا عبده و رسوله المرشد الحكيم، و المعلم العظيم ، بشر به المسيح و الكليم، و أستجيبت به دعوة إبراهيم: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (البقرة:129) اللهم صل و سلم على سيدنا محمد المبعوث رحمة و منة، بخير كتاب و أفضل سنة، و القائل: ( من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة)) صلى الله و سلم عليه و على اله و صحبه القائمين بالحق و الدعاة إليه بالألسنة و الأسنة ،و على التابعين لهم بإحسان في التعلم و التعليم، أما بعد:
فهذا كتاب: (( العبر في بعض قصار السور)) ، تناولت فيه بعضا من سور الجزء الثلاثين ،تناولا أدبيا موافقا لما عليه المفسرون من أهل السنة و الجماعة ، مجليا فيه عن بعض معاني هذا الكتاب الخالد، الذي شرفت الأمة بحمله ، و لن تفلح يوما بدونه، سائلا الرب تعالى أن يقبله مني قبولا حسنا ، و أن يعفو عن خطئي و تقصيري ، وهو سبحانه أكرم مسؤول و أجل مأمول، و صلى الله و سلم و بارك على سيدنا محمد و على اله و أصحابه أجمعين، و الحمد لله رب العالمين
hgufv td fuq rwhv hgs,v ( hgado uhzq hgrvkd )







رد مع اقتباس
أعطيتك) لان المقام مقام عطاء، و بذل و جود و كرم، فهو مقام عظيم، و موقف شريف مهيب، يستحق التعظيم و التبجيل، و لان العطية هائلة مباركة عامرة دائمة، تستحق الاحتفاء و الاهتمام، و لفت النظر و جلب الانتباه. ( أَعْطَيْنَاكَ) و لم يقل ( أتيناك) ، و العطاء شئ و الإيتاء شئ آخر، و قد ورد (ْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي )(الحجر:من الآية87) وورد: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ)(الاسراء: من الآية2) وورد: (وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً) (النساء:67) و غيرها من الايات، و لكن( أعطى) اعظم اثرا، و اوقع خبرا، لان العطاء يشمل المعاني و المحسوسات، عطاء الدنيا و الآخرة، البذل العاجل و الآجل، ما يصلح الروح ة الجسد، فصارت كلمة( أَعْطَيْنَاكَ) تملا المكان حضورا، و تفعم القلب نداوة، و تروق في الفم عذوبة، ثم أن العطاء من الله ، و ليس من البشر، فلذلك قصره بالضمير، (إِنَّا) و الفعل (أَعْطَيْنَاكَ ) فهذا العطاء من الله لا من البشر، من السماء لا من الأرض، من الجود و الغنى و السعة، لا من البخل و الفقر و الضيق. عطاء يباركه معطيه، و بتعاهده مسديه، و بثمره مبديه، عطاء ليس فيه منة البشر، و أذى المخلوق، و تبعة النفس اللوامة، جشع القلب الشحيح. و قال: ( أَعْطَيْنَاكَ ) و لم يقل: ( أعطيناكم) فالعطاء لمحمد صلى الله عليه و سلم تشريفا و تعريفا، فهو أمة في رجل، و تاريخ في إنسان، وهو أهل لان يعطى هذا العطاء بلا حدود، لانه عبد شكور، اختير بعناية، و اصطفى برعاية، و بعث برسالة، و نبىء بملة. فإذا أعطى وصلت بركة هذه العطية إلى أمته علما و حكمة، صلاحا و تقوى، شريعة و منهاجا، نصرا و فتحا. و لم يذكر العطية بالجمع فلم يقل: ( أعطيناكم) بل قال: ( أَعْطَيْنَاكَ ) ليحصل التفرد و التشريف، و الاختصاص، فالتفرد تفرد الله عز و جل بهذه العطية وحده، و التشريف له صلى الله عليه و سلم لان الله كرمه و اصطفاه، و الاختصاص، لان الله خصه بهذا من بين الناس. و للرسول صلى الله عليه و سلم أن يفرح بهذا العطاء المبارك من الله، و يعتز به عن كل مفقود، و يغنيه عن كل موجود إلا الواحد المعبود. هذا العطاء يسليه إذا ذهب أعداؤه بالحطام، و توزعوا الأموال كالأكوام، هذا العطاء يبرد غليله، و يشفي عليله، فإذا أعطى الناس الملك فعنده عطاء اعظم و اجل، و إذا كنزوا الكنوز، و عبؤوا القناطير المقنطرة فعنده هذا العطاء الدائم المبارك، و لذلك نجده صلى الله عليه و سلم اشرح الناس صدرا، وهو لا يملك من الدنيا درهما و لا دينارا، لان عنده عطاء آخر من عند مولاه، وهبة أخرى من عند ربه، جل في علاه، يقسم صلى الله عليه و سلم الأموال، و الإبل و البقر و الغنم، و الثياب و الطعام، على الناس فلا يأخذ منها درهما ، و لا ناقة و لا بقرة و لا شاة ، و لا ثوبا، و لا حبة و لا تمر، ثم هو سعيد مغتبط قرير العين، ساكن الفؤاد مطمئن النفس. و هذا العطاء من الله هو: الكوثر ، وهو نهر في الجنة، له صلى الله عليه و سلم،أو هو الخير الكثير الذي أعطيه، عليه الصلاة و السلام، و من هذا الخير الطيب المبارك، نهر الكوثر، و هنا يلحظ المؤمن بيعن بصيرته تفاهة الدنيا و حقارتها، و خستها و لؤمها، فهي ليست أهلا لان تكون عطية لمحمد صلى الله عليه و سلم، فقدره اشرف، و مكانته اطهر و اعظم، و منزلته أسمى و أنبل. و لم يقل: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ ملكاَ) ، لان ملك الدنيا عطاء يزول، و حال يحول، و ظل منتقل، و مجد منقطع، و لكن)إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) لانه عطاء دائم مبارك متصل خالد سرمدي.ولو قال: (l أنا أعطيناك الملك) لم يتغير شئ، و لم تحصل مفاجأة، فها هم الملوك ملؤوا الأرض عربا و عجما، بيضا و سودا، و مسلمين و كافرين، و لو قال: ( أنا أعطيناك ملكا) لكان محمدا صلى الله عليه و سلم ضمن تلك القائمة الطويلة من ملوك اليمنو الجزيرة و العراق و فارس و الروم و الحبشة، فما هو الغريب إذا؟ و العجيب حقا، و الملفت للنظر صدقا، انه هذا العطاء من الله الذي اختص به محمدا صلى الله عليه و سلم و لم يشركه مع أحد من الناس في هذا العطاء، فهو التفرد من المعطي سبحانه الذي لا يشابهه في عطائه أحد، كما انه لا يشابهه في أفعاله و أسمائه و صفاته و ذاته أحد(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى: من الآية11) وهو التفرد للمعطى، وهو محمد صلى الله عليه و سلم الذي هو افضل من ملوك الأرض، بل لا يقارن به الملوك أبدا، فهو اجل و اعظم و اشرف.
المفضلات