البنيـــة
«البنية» شبكة العلاقات القائمة في الواقع التي قد يعقلها الإنسان ويجردها بعد ملاحظته للواقع في كل علاقاته المتشابكة، ويرى أنها تربط بين عناصر الكـل الواقعـي أو تجْمع أجزاءه، وأنها القانون الذي يضبط هذه العلاقات ولكنه قد لا يدركها على الإطلاق. ومن ثم فالبنية، كما تتبدَّى في عقل الإنسان، ليست ذاتية ولا موضوعية تماماً. هذا لا يعني أن البنية مجرد "إدراك" لشبكة العلاقات ونموذج عقلي يجرده الإنسان، وإنما هي كل من "الإدراك" (الذاتي) و"الشبكة" (الموضوعية)، أي أن البنية، إلى جانب وجودها الذاتي في العقل، لها وجود موضوعي في الواقع، قد يدرك الإنسان معظم أو بعض جوانبه، وقد لا يدرك أياً منها.
وقد يكون من المفيد التمييز بين «البنية السطحية» و«البنية العميقة»، فالبنية السطحية هي هيكل الشيء ووحدته المادية الظاهرة، أما البنية العميقة فهي كامنة في صميم الشيء وهي التي تمنح الظاهرة هويتها وتُضفي عليها خصوصيتها. وعادةً ما يعي كثير من الدارسين البنية السطحية المادية المباشرة، فإدراكها أمر متيّسر ويتم بالحواس الخمسة، أما إدراك البنية الكامنة فهو أمر أكثر صعوبة، يتطلب استخدام الحواس وإعمال العقل والخيال والحدس. وكثيراً ما يعيش البشر داخل بنى اجتماعية وتاريخية واقتصادية يستبطنونها فتؤثر في سلوكهم وتشكِّل رؤيتهم للكون وتُحدِّد خطابهم الحضاري دون وعي منهم. ومن ثم، فإن ثمة فارقاً بين «البنية» من جهة، و«النية» و«النموذج» الذي يحرك المرء ويحدد سلوكه من جهة، فقد تَخلُص النية ولكنـها تتعارض مع قوانين البنـية، ولذا قد يجد المرء نفسـه يسلك سلوكاً يختلف تماماً عما نواه.
وحينما نقول في هذه الموسوعة "إن هذا الشيء لصيق ببنية المجتمع" فإننا نعني أنه جزء جوهري وليس عرضياً منه، حتى لو لم يدرك أعضاء المجتمع هذه الحقيقة. وترد عبارات مثل «معاداة اليهود البنيوية»، بمعنى أن بنية العلاقات في المجتمع، كما تشكلت، تؤدي إلى العداء لليهود، بغض النظر عن نوايا أعضاء المجتمع والقائمين عليه والنماذج المعرفية التي يحملونها. كما أن عبارة «اليهودية كتركيب جيولوجي تراكمي» تعني أن «بنية اليهودية» ليست كلاً عضوياً متكاملاً متجانساً، وإنما مجموعة من الطبقات الجيولوجية المتراكمة المتجاورة غير المتفاعلة، وأن هذا التركيب لا علاقة له بإرادة اليهود أو نيتهم أو ادعاءاتهم أو الديباجات التي يستخدمونها. وعبارة «إحلالية المجتمع الصهيوني» تعني أنه تجمُّع إحلالي بحكم تكوينه وبنيته، وأنه كي تكون إسرائيل فلابد أن يُنفى كل الفلسطينيين أو على الأقل عدد كبير منهم. وثمة فارق بين بنية الشيء وتاريخه ووظيفته. فتاريخ الشيء هو سببه (أصوله ـ عوامل تكوينه ـ مضمونه) أما وظيفته فهي النتيجة (دوره في المجتمع ـ احتكاكه بعناصر الواقع)، أما البنية فهي تركيب الشـيء في لحظـة محدَّدة. والفـارق بين «النمـوذج» و«البنية» قد يكون طفيفاً أحياناً، وقد يتطابق الاثنان تمام التطابق، ولكنهما قد يفترقان تماماً بل يتصارعان.




رد مع اقتباس
المفضلات