ويُلاحَظ أن العنصر الذي يشير إليه دعاة النموذج التوليدي هو عادةً عنصر يتجاوز العالم المادي الحسي المباشر ولكنهم مع هذا يرون أنه ليس له وجود خارج العالم الطبيعي، فهو عنصر كامن في عقل الإنسان مفطور فيه (عقل الإنسان وليس دماغه) إذ لا يمكن العثور على خلايا مادية داخل هذا الدماغ يمكن أن نشير إليها بشكل تجريبي ونقول: "هذا هو العضو التشريحي الذي تُولَد منه اللغة والأبنية" (أي أن الغدة الصنوبرية التي كان ديكارت يحاول التوصل إليها ليس لها وجود). ويمكن القول بأن مدرسة فرانكفورت التي تؤسس نظريتها النقدية على أساس وجود إمكانية إنسانية كامنة دائمة لا يمكن استيعابها في الوضع القائم هي التي تجعل الإنسان قادراً على التجاوز والنقد، هذه المدرسة تتبنى رؤية توليدية للعقل الإنساني. وغني عن القول أن من يتبنى رؤية مركبة (مادية وروحية) للإنسان، لابد أن يَتبنَّى النماذج التوليدية ويتخلى عن النماذج التراكمية.

ونحن نستخدم في هذه الموسوعة نموذجاً توليدياً. فنحن نؤمن بوجود ما نسميه «الإنسانية المشتركة» (لا الإنسانية الواحدة أو الطبيعة البشرية الثابتة)، وهي مقدرة كامنة في كل البشر تتحقق بدرجات متفاوتة تتحدَّد باختلاف البشر وظروفهم ومقدرتهم على التجاوز. ولكن مهما بلغت درجة تحقُّقها فإن هذه المقدرة الكامنة لا يمكن أن تُردَّ في كليتها إلى العالم المادي. ومن ثم، فنحن نفترض أن ثمة تماثلاً بين البشر وأن من الممكن أن تسلك مجموعة من الأشخاص نفس السلوك بطريقة متشابهة دون أن يكونوا قد أثروا أو تأثروا ببعضهم البعض (بشكل مادي مباشر). فالذي يوجه سلوكهم ويولد أفكارهم هو هذه المقدرة الإنسانية المشتركة. ولكن، ورغم هذا التماثل، إلا أن الواحدية لا يمكن أن تسود، إذ أن كل إنسان وكل مجموعة بشرية تنتج حضارتها التي تحقق إنسانيتها الكامنة من خلال عناصر محدَّدة في الزمان والمكان تعطي هذه الحضارة خصوصية وتفرداً لا تعزلها عن بقية البشر وإنما تبيِّن انتماءهم الإنساني الذي لا يقبل إلا التنوع والتعدد. وإن طبقنا هذا على أعضاء الجماعات اليهودية فيمكننا القول بأن كل جماعة يهودية لها خصوصيتها وتفرُّدها (الذي تستمده من المجتمع الذي يعيش أعضاء الجماعة اليهودية بين ظهرانيه)، ولكنهم مع هذا بشر، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، يشعرون بما نشعر به، ويحبون ويكرهون، وينتصرون وينكسرون، ويتفاعلون مع البيئة التي حولهم فيشكلونها ويتشكلون بها وتتنازعهم النزعات الجنينية والربانية، شأنهم في هذا شأن البشر كافة. وسـلوكهم من ثم ليـس نتيجـة مجموعة أفكار يقرأونها هنا أو هناك وإنما هو نتيجة هذه المقدرة الكامنة فيهم (للخير والشر). ولذا، إذا انخرط أعضاء الجماعات اليهودية في المحافل الماسونية بأعداد ملحوظة (على سبيل المثال)، فهذا ليس بسبب اكتشافهم الأفكار الماسونية وإنما هو تعبير عن النزوع الجنيني الكامن في الإنسان نحو الحلولية، هذا النزوع قد تَشكَّل من خلال البيئة الفكرية والاجتماعية في أوربا في القرن الثامن عشر وتَصاعُد معدلات العلمنة التي عبَّرت عن نفسها في المراحل الأولى من خلال الفكر الماسوني.