--------------------------------
1 سورة المائدة، الآية: 1.
2 سورة يونس، الآية: 84.

ص -80- فإنه إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية دون كل ما سواه؛ صح إخلاصه ومعاملته مع الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "وما رجا أحدُ مخلوقا ولا توكل عليه؛ إلا خاب ظنه فيه..." انتهى.
والتوكل على الله من أعظم منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}؛ فلا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة إلا بكمال التوكل على الله - سبحانه، قال الله تعالى:{رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً}1، والآيات في الأمر به كثيرة جدّا، و:{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِه}2.
قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - على قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}3:"فجعل التوكل على الله شرطا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه".
وكلما قوي إيمان العبد؛ كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان، ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفا؛ كان دليلاً على ضعف الإيمان ولا بد.
والله تعالى في مواضع من كتابه يجمع بين التوكل والعبادة، وبين التوكل والإيمان، وبين التوكل والتقوى، وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل والهداية؛ فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان لجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها كمنزلة الرأس من الجسد؛ فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن؛ فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل.
وقد جعل الله التوكل عليه من أبرز صفات المؤمنين؛ فقال - سبحانه و تعالى -: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}4، أي: يعتمدون عليه


--------------------------------
1 سورة المزمل، الآية: 9.
2 سورة الطلاق، الآية: 3.
3 سورة المائدة، الآية: 23.
4 سورة الأنفال، الآية: 2.
ص -81- بقلوبهم؛ فلا يرجون سواه، وفي الآية وصف المؤمنين حقا بثلاثة مقامات من مقامات الإحسان، وهي: الخوف، وزيادة الإيمان، والتوكل على الله وحده.
والتوكل على الله - سبحانه - لا ينافي السعي في الأسباب والأخذ بها؛ فإن الله - سبحانه تعالى - قدَّر مقدورات مربوطة بأسباب، وقد أمر الله تبارك تعالى بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل؛ فالأخذ بالأسباب طاعة لله؛ لأن الله أمر بذلك، وهو من عمل الجوارح، والتوكل من عمل
القلب، وهو إيمان بالله :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ}1، و:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}2:{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}3.
وقال بعض
العلماء: من طعن الحركة "يعني: في السعي والكسب والأخذ بالأسباب"؛ فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل؛ فقد طعن في الإيمان.
قال الإمام ابن رجب - رحمه الله -: "والأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام:
أحدها: الطاعات التي أمر الله بها عباده وجعلها سببا للنجاة من النار ودخول
الجنة؛ فهذا لا بد من فعله مع التوكل على الله فيه والاستعانة به عليه؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فمن قصر في شيء من ذلك؛ استحق في الدنيا والآخرة قدرًا وشرعا.
قال يوسف بن أسباط: "يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له".
والثاني: ما أجرى الله العادة به في
الدنيا وأمر عباده بتعاطيه؛ كالأكل عند الجوع، والشرب عند العطش، والاستظلال من الحر، والتدفئة من البرد...


--------------------------------
1 سورة النساء، الآية: 71.
2 سورة الأنفال، الآية: 60.
3 سورة الجمعة، الآية: 10.
ص -82- ونحو ذلك؛ فهذا - أيضا - واجب على العبد تعاطي أسبابه، ومن قصر فيه حتى تضرر بتركه مع القدرة على استعماله؛ فهو مفرط يستحق العقوبة، لكن الله - سبحانه و تعالى - يقوي بعض عباده من ذلك على ما لا يقوي عليه غيره، فإذا عمل بمقتضى قوته التي اختص بها عن غيره؛ فلا حرج عليه، ولهذا؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يواصل في صيامه، وينهى عن ذلك أصحابه، ويقول لهم: "إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى"، وقد كان من السلف لهم من القوة على ترك الطعام والشراب ما ليس لغيرهم، فمن كان له قوة، فعمل بمقتضى قوته، ولم يضعفه ذلك عن طاعة الله؛ فلا حرج عليه، من كلف نفسه حتى أضعفها عن بعض الواجبات؛ فإنه ينكر عليه ذلك.
القسم الثالث: ما أجرى الله العادة به في
الدنيا في الأعم الأغلب....".
إلى أن قال: "وقد روي عن ابن عباس؛ قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن متوكلون، فيحجون، فيأتون مكة ويسألون
الناس، فأنزل الله هذه الآية:{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}1.
وقد سئل أحمد - رحمه الله - عمن يقعد ولا يكتسب ويقول: توكلت على الله؟ فقال: ينبغي للناس كلهم يتوكلون على الله، ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب، قد كان
الأنبياء يُؤَجِّرونَ أنفسهم، وكان النبي "يؤجر نفسه، وأبو بكر، وعمر، ولم يقولوا: نقعد حتى يرزقنا الله.
وقال الله تعالى:{فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}2، وخرج الترمذي من حديث أنس؛ قال: "قال رجل: يا رسول الله! أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: أعقلها وتوكل"، وهذا كله إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب المباحة، بل قد يكون جمعها أفضل.


--------------------------------
1 سورة البقرة، الآية: 197.
2 سورة الجمعة، الآية: 10.

ص -83- وقد لقي عمر بن الخطاب من أهل اليمن، فقال: من أنتم؟ قالوا نحن المتوكلون. قال: "بل أنتم المتأكلون، إنما المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض ويتوكل على الله".
4- الشرك في الطاعة:
اعلموا وفقني الله وإياكم أن من الشرك طاعة
العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله: قال الله تعالى:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}1.
وفي الحديث الصحيح: "أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي، فقال: يا رسول الله! لسنا نعبدهم. قال: أليس يحلون لكم ما حرم الله؛ فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله؛ فتحرمونه؟. قال: بلى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فتلك عبادتهم". رواه الترمذي وغيره.
وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم فيه اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله بأنه ليس معناه الركوع والسجود لهم، وإنما معناه طاعتهم في تغير أحكام الله وتبديل شريعته؛ حيث نصبوا أنفسهم شركاء لله في التشريع، فمن أطاعهم في ذلك؛ فقد اتخذهم شركاء لله في التشريع والتحليل والتحريم، وهذا من الشرك الأكبر؛ لقوله تعالى في الآية:{وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}2.
ومثل هذه الآية قوله تعالى:{وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ