تهريب البضائع وأعضاء الجماعات اليهودية في الولايات المتحدة
Smuggling and the Jewish Communities in the U.S.A.
يوليسيس جرانت (1822 ـ 1885) هو قائد الجيش الأمريكي الشمالي ضد الجنوب خلال الحرب الأهلية الأمريكية، والرئيس الثامن عشر للولايات المتحدة الأمريكية في الفترة ما بين عامي 1869 و1877. أصدر عام 1862، خلال الحرب الأهلية، الأمر رقم 11 بشأن طرد أعضاء الجماعة اليهودية خلال أربع وعشرين ساعة من جميع المناطق الخاضعة لسلطاته العسكرية. ويُعتبَر هذا الأمر هو الوحيد من نوعه في التاريخ الأمريكي الذي شمل أعضاء الجماعة اليهودية على هذا النحو السلبي. وكان السبب الرئيسي وراء هذا الأمر هو تَورُّط بعض أعضاء الجماعة اليهودية في عمليات التهريب التي كانت جارية بشكل مكثف عبر الخطوط العسكرية بين قوات الشمال وقوات الجنوب. وقد كانت حكومتا الشمال والجنوب تتغاضيان إلى حدٍّ ما عن عمليات التهريب حيث كانتا تسدان من خلالها بعض احتياجاتهما، كما كان بعض ضباط الجيشين متورطين في هذه العمليات. إلا أن تزايد حجمها واتساع نطاقها أدَّى إلى إصدار هذا الأمر. ورغم أن كثيراً من الأدبيات اليهودية تفسر أمر جرانت هذا بأنه شكل من أشكال معاداة اليهود، وأنه أصدره استناداً إلى معلومات خاطئة زوَّده بها بعض التجار من غير اليهود الذين كانوا يقومون بعمليات تهريب (وكان متورطاً معهم فيها بعض ضباط الجيش)، إلا أن الدلائل تشير إلى أن أعضاء الجماعـة اليهودية كانوا بالفعل مُمثَّلين بشكل مـتزايد في عمليات التهريب، وربما كانوا يلعبون دوراً رئيسياً فيها. ويمكن فهم هذا الوضع في إطار إدراكنا لميراث الجماعة اليهودية كجماعة وظيفية وسيطة تتميَّز بخبراتها الواسعة في مجال التجارة ولا تتقيد بانتماءات أو ولاءات خارج إطار الجماعة نفسها. ومما يدل على هذا التورط المتزايد لأعضاء الجماعة اليهودية في التهريب ما عبَّر عنه بعض الحاخامات الأمريكيين في تلك الفترة من قلق وتخوف بالغ إزاء اشتراك أعضاء الجماعة في نشاط التهريب والذي اعتبروه (على حد قول الحاخام يعقوب بريز) تدنيساً لاسم الرب. وقد أشار هذا الحاخام في رسالة له لإسحق ليسر إلى أن أكثر من عشرين يهودياً كانوا في سجون مدينة ممفيس بتهمة التهريب. وقال إسحق ليسر نفسه في مقال له رداً على الأمر "إن جموع المغامرين الباحثين عن الربح والخسارة يحومون حول البلاد بطولها وعرضها، كما أن بعضهم من اليهود الذين يتظاهرون بأنهم يهود صالحون في حين أنهم ليسوا كذلك". كما قال ديفيد أينهورن: "إن على اليهود استئصال هذه الجرائم من بينهم لأنها لا تجلب سوى العار على الجماعة اليهودية بأكملها". كما يقول آرثر هرتزبرج في كتابه يهود أمريكا "ليس هناك مجال للشك في أن بعض الثروات اليهودية.. تعود جذورها إلى الأرباح التي تحققت عن طريق عمليات التهريب خلال الحرب الأهلية الأمريكية".

ومن ثم لا يمكن اتهام جرانت بمعاداة اليهود، وذلك باعتراف بعض اليهود أنفسهم حيث لم يبد جرانت، قبل هذا الحادث أو بعده، أي عداء تجاه أعضاء الجماعة اليهودية، بل عمل على تعيين يهود في مراكز مرموقة خلال فترة رئاسته. كما أن الجدل الذي أُثير داخل الكونجرس الأمريكي حول هذا الأمر، انتهى برفض مشروع قرار بإلغاء الأمر، وكان قوامه الخلافات الحزبية، وهو ما يعني أن الاعتبارات الرئيسية كانت اعتبارات سياسية واعتبارات تتصل بمصالح الشمال في حربه مع الجنوب.

وقد ألغى الرئيس لنكولن القرار، في نهاية الأمر، بعد الاحتجاجات الواسعة النطاق التي أثارها أعضاء الجماعة اليهودية ومن بينهم بعض المقرَّبين منه والمؤيدين له.



فضيحــة قنــاة بنـــما
Panama Canal Scandal
من أكبر الفضائح المالية والسياسية التي هزت المجتمع الفرنسي في أواخر القرن التاسع عشر. وهي فضيحة خاصة بانهيار شركة قناة بنما الفرنسية وما تكشَّف في أعقاب ذلك من تجاوزات وفساد مالي وسياسي. وقد تورط في هذه الفضيحة ثلاث شخصيات من أعضاء الجماعات اليهودية هم: البارون جاك دي رايناخ (مصرفي ومالي من أصل ألماني والوكيل المالي للشركة)، وكورنيليوس هرتز (طبيب أمريكي)، وليوبولد إميل أرتون (مغامر فرنسي).

وترجع بدايات الفضيحة إلى عام 1888، حينما واجهت شركة قناة بنما أزمة مالية حادة نتيجة جملة من العوامل الطبيعية والمشاكل الفنية وسوء الإدارة التي صاحبت عملية شق القناة. وكان المخرج الوحيد أمام الشركة هو طرح سندات يانصيب لجمع الأموال اللازمة. ولكن ذلك كان يستلزم الحصول على موافقة البرلمان الفرنسي في حين كانت بعض الدوائر تؤكد أن وضع الشركة والمشروع أصبح ميئوساً منه وأن طرح سندات اليانصيب لن يجدي فتيلاً.

ولذلك، لجأت الشركة إلى رشوة بعض أعضاء البرلمان الفرنسي الذين صوتوا بالفعل لصالح مشروع اليانصيب. وكان أداة الشركة في هذه العملية هو وكيلها المالي البارون جاك دي رايناخ. وكان رايناخ، الألماني الأصل، قد أقام مؤسسة مصرفية ومالية في فرنسا باسم «كون ورايناخ وشركاهما». وجمع ليوبولد ثروته من خلال المضاربة في السكك الحديدية الفرنسية وبيع الإمدادات العسكرية للحكومة الفرنسية. ويبدو أن بعض عملياته قد أحاطتها الشبهات وإن لم يتأكد أبداً أنه ارتكب أية انحرافات. وكانت مهمة رايناخ إقامة لوبي (جماعة ضغط) مؤيدة للشركة في الأوساط البرلمانية والسياسية والصحفية وتَلقَّى من الشركة ملايين الفرنكات لدفع الرشاوى وشراء الأصدقاء.

وقد قام رايناخ باستخدام ليوبولد إميل أرتون (1849 ـ 1905) ليقوم بتوزيع مليون فرنك على أعضاء البرلمان الفرنسي. والمعروف أن أرتون مغامر فرنسي وُلد لعائلة يهودية ألزاسية وعاش طفولة تعسة في فرانكفورت ثم انتقل إلى البرازيل حيث اعتنق الكاثوليكية وغيَّر اسمه من أرون إلى أرتون، وفي عام 1882 عاد إلى فرنسا والتحق بشركة الديناميت التي كانت مشاركة في عمليات شق قناة بنما. وبعد تَفجُّر فضيحة قناة بنما، فرّ أرتون من البلاد بعد أن اختلس مبلغ 4.6مليون فرنك من شركة الديناميت.

أما كورنيليوس هرتز (1845 ـ 1898)، فقد أبرم اتفاقاً سرياً مع قناة بنما استلم بموجبه 600 ألف فرنك مقابل استخدام نفوذه وعلاقاته لدى بعض الشخصيات السياسية الفرنسية المهمة لصالح الشركة. كما نص الاتفاق على أن يتسلم هرتز مبلغ عشرة ملايين فرنك فور إقرار مشروع اليانصيب في البرلمان على أن تتم عمليات الدفع كلها عن طريق رايناخ. وقد كانت شخصية هرتز شخصية مثيرة للريبة والتكهنات، فقد وُلد في فرنسا لأبوين ألمانيين ثم هاجرت أسرته إلى الولايات المتحدة. وعاد هرتز في شبابه إلى فرنسا لدراسة الطب، وانضم كمساعد جراح في الجيش الفرنسي أثناء الحرب الفرنسية البروسية في نيويورك ولكنه ترك الجيش بعد ثلاثة أشهر بعد أن اكتشف المسئولون في المستشفى العسكري أنه لم يتخرج من أية جامعة في فرنسا ولم يحصل على شهادة إتمام دراسة الطب. وقد انتقل هرتز بعد ذلك إلى سان فرانسيسكو حيث افتتح عيادة طبية، ولكنه سافر عام 1877 بشكل مفاجئ مع أسرته إلى فرنسا وتبين فيما بعد أنه احتال على بعـض مرضـاه وزملائه من الأطباء وأخذ منهم حـوالي 140 ألف دولار. وفي باريس، استثمر أمواله بمساعدة رايناخ في بعض المشاريع، وبدأ في بناء شبكة واسعة من العلاقات مع العديد من الشخصيات الفرنسية المهمة من بينها رئيس الدولة ورئيس الوزراء وجورج كليمنصو الذي ساهم هرتز في تأسيس وتمويل جريدته. وقد اتُهم هرتز بأنه كان عميلاً لبريطانيا، لكن ذلك لم يتأكد قط.

وقد رفضت الشركة أن تدفع له العشرة ملايين فرنك عقب تصويت البرلمان الفرنسي لصالح مشروع اليانصيب، بدعوى أن هرتز لم يلعب في ذلك دوراً يُذكَر. إلا أن هرتز نجح في أن يستنزف من الشركة ملايين الفرنكات من خلال ابتزاز رايناخ الذي يبدو أن هرتز كان على علم ببعض الأسرار المشينة في حياته ومنها ما قيل من أنه باع أسرار الدولة الفرنسية إلى إيطاليا أو بريطانيا.

وبرغم موافقة البرلمان على مشروع اليانصيب، فشل هذا المشروع عند طرحه في جمع الأموال اللازمة، وهو ما ساعد في نهاية الأمر على سقوط الشركة وتصفيتها عام 1889. وكان انهيار الشركة أكبر سقوط مالي في فرنسا حتى ذلك الحين، حيث أدَّى إلى ضياع أموال أكثر من 800 ألف من المواطنين الفرنسيين من المساهمين في الشركة.

ولم تتفجر فضيحـة قناة بنمـا إلا بعد سـقوط الشـركة بثلاث سنوات، حينما نشرت صحيفة لا ليبر بارول التي أسسها إدوارد درومون المعادي لليهود سلسلة من المقالات تحت عنوان « أسرار بنما» ادعى فيها كشف النقاب عن « المؤامرة اليهودية » وراء كارثة بنما واتهم رايناخ بالتورط في رشوة أعضاء البرلمان الفرنسي. وقد كان درومون أشد أعداء الرأسمالية المالية حيث اعتبرها « مرض فرنسا الحديثة وسبب مشاكلها ». ونظراً لارتباط أعضاء الجماعات اليهودية بالقطاع المالي والمصرفي بشكل وثيق، أصبح اليهود هدف هجومه اللاذع، حيث حمَّل « النظام الرأسمالي اليهودي » كثيراً من المشاكل التي تواجهها فرنسا الحديثة ومن ذلك كارثة بنما.

وكان من مفاجآت التحقيقات اللاحقة اكتشاف أن رايناخ (محور المؤامرة اليهودية) كان هو نفسه مصدر معلومات درومون، حيث تبين أنه في أعقاب تفجير القضية على صفحات الجريدة أبرم رايناخ اتفاقاً مع درومون يقضي بإخراج اسمه من موضوعات الصحيفة مقابل قيام رايناخ بتوفير جميع المعلومات المتصلة بالقضية وبتجاوزات الشركة. ومما يذكر أن الحملة التي أثارتها صحيفة درومون وغيرها من الصحف الفرنسية ضد شركة بنما كانت تتم في إطار الصراع السياسي القائم آنذاك بين القوى اليمينية والملكية من جهة والقوى الاشتراكية والنظام الجمهوري من جهة أخرى، خصوصاً أن كثيراً من رجال السياسة والدولة كانوا متورطين في الفضيحة بشكل أو بآخر.

وقد تُوفي رايناخ في نوفمبر 1892 بشكل مفاجئ مع بداية التحقيقات في القضية، وأُثيرت تكهنات حول مسألة وفاته حيث قيل إنه انتحر أو قُتل. أما هرتز، فقد فرّ من البلاد إلى لندن حيث ظل فيها حتى وافته المنية وقد حُكم عليه غيابياً بالسجن لمدة خمس سنوات، بينما ظل أرتون هارباً إلى أن تم إلقاء القبض عليه عام 1895. ثم تُوفي منتحراً عام 1905.

ومن العسير فهم فضيحة قناة بنما إلا في إطار حركيات الرأسمالية الفرنسية والنخبة الحاكمة الفرنسية والعلاقة بينهما في أواخر القرن التاسع عشر. وتُبيِّن أحداث الفضيحة وطأة الاستغلال الواقع على كلٍّ من جماهير الشعب الفرنسي وأعضاء الطبقة الوسطى. ومع هذا، تحولت الفضيحة إلى قرينة أخرى على المؤامرة اليهودية الأزلية، وأصبحت من أهـم الأحداث التي يشـير إليهـا المعادون لليهود في أدبياتهم. وقد ساعدهم في ذلك أن أبطال الفضيحة كلهم من أعضاء الجماعات اليهودية، اثنان منهم فرنسيان من أصل ألماني والثالث فرنسي هاجر إلى أمريكا، وإن كان من العسير الحديث عن شبكة يهودية عالمية تشمل فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل ينبع غشهم التجاري من يهوديتهم أم من وجودهم داخل مجتمعات فاسدة مستغلة تساعد الإمكانيات الفساد داخل الإنسان على التحقق؟