... تابع ما قبله ( الجزء الأخير ) .....
وبعد هذه الواقعة بخمسة أشهر تقريبا ، كان لهذا السلاح العربي مهمة أخري ، فإنه في الثاني والعشرين من شعبان سنة 658 هـ (15) جهز العدو لعنه الله بطسا (16) متعددة لمحاصرة برج الذبان ، وهو برج في وسط البحر مبني على الصخر على باب ميناء عكا ، يحرس منه الميناء ومتى عبره المركب أمن من غائلة العدو ، فأراد العدو أخذه ليبقى الميناء بحكمه ، ويمنع من دخول شيء من البطس إليه ، فتنقطع الميرة عن البلد ، وقصد الإفرنج حصاره قبل مجيء ملك الألمان في الثاني والعشرين من شعبان ببطس كبار جهزوها ، ومراكب عظام الآلات أبرزوها ، ومكر مكروه ، ودبر دبروه ، وأحد تلك المراكب قد ركب برج فوق صاريه ، لا يطاوله طود ولا يباريه ، وقد حشي حشاه بالنفط والحطب ، وضيق عطنه لسعة العطب ، حتى إذا قرب من برج الذبان والتصق ، بشرفاته أعدى إليه بآفاته ورميت فيه النار فاحترق ، واحترق من الأخشاب والستائر ما به التصق ، وتستولي النار على مواقف المقاتلة فتباعدوا عنها ، ولم يقربوا منها ، وأوقدت بطسة الحطب التي من ورائها ، وعادت على الفرنج فالتهبوا ، وحمي عليهم الحديد فاضطرموا واضطربوا ، وانقلبت بهم السفينة فاحترقوا وغرقوا ، والناجون منهم فارقوا وفرقوا ولم يفرقوا ، واحتمى برج الذبان فلم يطر من بعدها عليه ذباب ، ولم يفتح للعدو في الكيد له باب (17) .
ومن مفاجآت التاريخ أن الدبابة الإسرائيلية ( مركافا merkava ) و ( دبابات هتلر النازي ) لم تكن هي أول ضحايا ذلك الاختراع العربي ؛ فقد دُمرت به ( دبابة للصليبيين ) قبل ذلك بنحو ثمانمائة عام ، قال أبو شامة : قال القاضي (18) : ولما عرف ملك الألمان ما جرى على أصحابه رأى أن يرجع إلى قتال البلد ، ويشتغل بمضايقته ، فاتخذ من الآلات العجيبة والصنائع الغريبة ما هال الناظر إليه ، وخيف على البلد منه ، فمما أحدثه آلة عظيمة تسمى دبابة (19) يدخل تحتها من المقاتلة خلق عظيم ملبسة بصفائح الحديد ، ولها من تحتها عجل تحرك بها من داخل ، وفيها المقاتلة حتى ينطح بها السور ، ولها رأس عظيم برقبة شديدة من حديد ، وهي تسمى كبشا ينطح بها السور بشدة عظيمة ، لأنه يجرها خلق عظيم فتهدمه (20) .
كان العدو المخذول قد صنع دبابة عظيمة هائلة ، أربع طبقات : الأولى من الخشب ، والثانية من الرصاص ، والثالثة من الحديد ، والرابعة من النحاس ، وكانت تعلو على السور ، وتركب فيها المقاتلة ، وخاف أهل البلد منها خوفا عظيما ، وحدثتهم نفوسهم بطلب الأمان من العدو ، وكانوا قد قربوها من السور ، بحيث لم يبق بينها وبين السور إلا مقدار خمس أذرع على ما نشاهد ، وأخذ أهل البلد في تواتر ضربها بالنفط ليلا ونهارا ، حتى قدر الله تعالى حريقها واشتعال النار فيها ، وظهر لها ذؤابة نار نحو السماء ، واشتدت الأصوات بالتكبير والتهليل ، ورأى الناس ذلك جبرا لذلك الوهن ، ومحوا لذلك الأثر ، ونعمة بعد نقمة وإيناسا بعد يأس (21) .
ففي ثالث رمضان سنة 658 هـ زحف العدو على عكا في خلق لا تحصى ، فأهملهم أهل البلد حتى نشبت مخاليب أطماعهم فيه ، وسحبوا آلاتهم المذكورة ، حتى قاربوا أن يلصقوها بالسور، وتحصل منهم في الخندق جماعة عظيمة ، فأطلقوا عليهم المجانيق والسهام والنيران ، وصاحوا صيحة الرجل الواحد ، وفتحوا الأبواب ، وهجموا على العدو من كل جانب ، وكبسوهم في الخنادق ، فهربوا ، ووضع السيف فيمن بقي في الخندق منهم ، ثم هجموا على كبشهم فألقوا فيه النار والنفط وتمكنوا من حريقه لهرب المقاتلة عنه فأحرق حريقا شنيعا ، وظهرت له لهبة نحو السماء ، وارتفعت الأصوات بالتكبير والتهليل والشكر ، وسرت نار الكبش بقوتها إلى السفود فاحترق ، وعلق المسلمون في الكبش الكلاليب الحديد ، فسحبوه وهو يشتعل حتى حصلوه عندهم في البلد ، وكان مركبا من آلات هائلة عظيمة ، وألقي الماء عليه حتى برد حديده بعد أيام ، وبلغنا من البلد أنه وزن ما كان عليه من الحديد فكان مئة قنطار بالشامي ، والقنطار مئة رطل ، ولقد أنفذوا رأسه إلى السلطان ، ومثل بين يديه وشاهدته وقلبته ، وشكله على مثال السفود الذي يكون بحجر المدار ، قيل إنه ينطح به السور فيهدم ما يلاقيه ، وكان ذلك من أحسن أيام الإسلام ، ووقع على العدو خذلان عظيم ، ورفعوا ما سلم من آلاتهم ، وسكنت حركاتهم ، التي ضيعوا فيها نفقاتهم (22) .
قال ابن كثير : وقد جبر الله سبحانه هذا البلاء بأن أحرق المسلمون في هذا اليوم دبابة كانت أربع طبقات : الأولى من الخشب ، والثانية من رصاص ، والثالثة من حديد ، والرابعة من نحاس ، وهي مشرفة على السور والمقاتلة فيها ، وقد قلق أهل البلد منها بحيث حدثتهم أنفسهم من خوفهم من شرها بأن يطلبوا الأمان من الفرنج ويسلموا البلد ، ففرج الله عن المسلمين وأمكنهم من حريقها (23) .
وقال العماد (24) : واستأنف الفرنج عمل دبابة هائلة ، وآلة للغوائل غائلة ، في رأسها شكل عظيم يقال له الكبش ، وله قرنان في طول رمحين كالعمودين الغليظين ، وهذه الدبابة في هيئة الخرتيت الكبير ، وقد سقفوها مع كبشها بأعمدة الحديد ، ولبسوا رأس الكبش بعد الحديد بالنحاس ، فلم يبق للنار إليها سبيل ، ولا للعطب عليها دليل ، وملؤوها بالكماة والرماة ، وسحبوها وقربوها ، فجاءت صورة مزعجة ، وبلي البلد منها بالبلاء ، وقالوا ما في دفعها حيلة ، ونصبوا على صوبها مجانيق ، ورموا بالحجارة الثقيلة ذلك النيق ، فأبعدت رجالها من حواليها ، ثم رموها بحزم الحطب ، حتى طموا ما بين القرنين ، وقذفوها بالنار فباتوا يطفئونها بالخل بالثغر فقطعوا رأس الكبش ، واستخرجوا ما تحت الرماد من العدد بالنبش ، وقدر ما نهب من الحديد بمئة قنطار ، وعلم الفرنج أن أعمالهم حبطت ، وآمالهم هبطت ، وكان ذلك في ثالث عشر رمضان (25) .
مما سبق فالحقائق التاريخية تثبت أن الزجاجات الحارقة اختراع عربي إسلامي أصيل ، عرفه العرب المسلمون منذ مئات السنين ، ودمروا به دبابات الصليبيين حين حاصروا عكا ، قبل أن يعرفه ( مولوتوف ) الروسي ، لكن كالمعتاد سرق العالم أجمع هذا الاختراع العربي ونسبوه لـ ( مولوتوف ) الروسي في القرن العشرين للميلاد ! .
انتهى ، والحمد لله ...
ــــــــــــــــــ
هوامش :
(1) محمد بن هارون الرشيد ( 179- 227 هـ = 795 – 841 م ) من خلفاء الدولة العباسية ، انظر ترجمته في : الأعلام 7/127 – 128 .
(2) الكامل لابن الأثير ( 6/34 ) فما بعدها ، البدء والتاريخ ( 6/114) .
(3) المعتمد على الله : أحمد بن جعفر ( المتوكل على الله ) العباسي ( 229- 279 هـ = 843 – 892 م ) ..، انظر ترجمته في : الأعلام (1/106-107) .
(4) الموفق بالله : محمد أو طلحة بن جعفر ( المتوكل على الله ) العباسي ، أمير ، من رجال السياسة والإدارة والحزم ، له مواقف محمودة في الحروب وغيرها ، توفي سنة 278 هـ = 891 م ..، انظر ترجمته في : الأعلام (3/229 ) .
(5) انظر ترجمته في : الأعلام (4/324 ) .
(6) تاريخ الطبري ( 5/570 ) ، الكامل ( 6/318-323 ) ، سير أعلام النبلاء للذهبي ( 15/143 ) ، البداية والنهاية ( 11/30-50 ) ، المنتظم لابن الجوزي ( 8/236 ) .
(7) يوافق ذلك يوم 8/6/1177م .
(8) الكامل لابن الأثير ( 10 / 77 ) ، المنتظم لابن الجوزي ( 10/260 ) .
(9) قلت : يوافق ذلك يوم 8/3/1260 م .
(10) الفرقان : 23 .
(11) البداية والنهاية ( 12 / 335 – 336 ) .
(12) الكامل لابن الأثير ( 10 / 191- 193 ) .
(13) الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية ( 4/121-122 ) لأبي شامة .
(14) النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية ، لابن شداد ( ص 176-178 ) .
(15) يوافق ذلك يوم 30/8/1260م .
(16) مراكب أو سفن .
(17) الروضتين في أخبار الدولتين ( 4/162 – 163 ) .
(18) يعني ابن الأثير .
(19) هكذا والله بالمصدر .
(20) الروضتين في أخبار الدولتين ( 4/158 – 159 ) .
(21) الروضتين في أخبار الدولتين (4/249) .
(22) الروضتين في أخبار الدولتين ( 4/164-165 ) .
(23) البداية والنهاية ( 12/343) .
(24) يعني الإمام العالم عماد الدين الأصفهاني .
(25) يوافق ذلك يوم 20/9/1260م ، والخبر من : الروضتين في أخبار الدولتين ( 4/164 – 166 ) .
... تم ، والحمد لله على توفيقه ....
المفضلات