ولهذا امتدح سبحانه الذين يخشونه بالغيب، لما في ذلك من دلالة على قوة إيمانهم به، فقال (إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير) سورة الملك. ولذلك فإن المسلمين هم أكثر من يلزمهم التنبه إلى هذا الجانب، سواء على صعيد الفرد أو الجماعة أو الدولة. ولهذا السبب بالذات نجد أن المجتمعات التي يقطنها المسلمون كانت الأكثر أماناً طيلة فترة تحكيم الإسلام. إذ أن إحسان تطبيق الإسلام يوفر عوامل الأمن والاستقرار والطمأنينة، وما مظاهر الاضطراب والقلق التي نشأت في الدولة الإسلامية سوى نتيجة الإخلال بنظام الحكم في الإسلام وعند إساءة تطبيقه، كما استفحلت الشرور تماماً بعد أن هدمت دولة الخلافة. هذا فيما نرى أن إحسان تطبيق النظام الرأسمالي يولد الفوضى والدمار والجريمة والاضطراب ولذلك نرى أن الغرب يزرع مدنه بكاميرات تصوير على كل ناصية وفي كل طريق، حتى يأمن الناس الشرور والجريمة المستفحلة، كما هو حال العاصمة البريطانية لندن التي تعج بأجهزة المراقبة بشكل مهول.
من جانبٍ آخر فإنّ يقين الإنسان بعلم الله المتعلق بالغيب وأنه لا يعوزه وقوع الشيء حتى يتنبه لحدوثه، فإن ذلك يساهم بشكلٍ فعال بتمسك المسلم بوشائج دينه، مهما كثرت الصعوبات، وتبدلت وتغيرت الأوضاع، لعلمه أن الله رقيب عليم خبير. كما لا يقال آنذاك بأن الإسلام قد نزل على نبي في الصحراء قبل 1400 عام، وهو دين لا يمكن تطبيقه أو التمسك به أو إقامته الآن لعدم مواءمته العصر، نعم لا يمكن ذلك بحال، لأن التسليم بأن الله بكل شيء محيط، يعني أن المفاجآت والتطورات والتغيرات التي طرأت على الإنسان ليست بجديدة على الخالق سبحانه وأنها كانت معلومة الحدوث حين نزل هذا الدين، وبما أن الرسالة قد تمت واكتملت وانقطع الوحي بعد وفاة النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، يبقى هذا الإسلام كما نزل صالحاً لكل زمان ومكان، وما على من يريد أن ينساب في هذا الكون البديع بمحض اختياره مع الغاية من خلق الله له ليسلك طريق النهوض والارتقاء، إلاّ أن يسلك سبيلاً واحداً هو التمسك بدينه والثبات عليه.
كما إن إدراك الإنسان المسلم لهذه الحقيقة يقفل أبواب الشيطان التي تغري أهواء الإنسان بالنكوص عن درب الله بحجة ضغوط الواقع ومبررات الواقعية الانهزامية.
هذا مع العلم أن الله تعالى قدر للحياة وللكون وللإنسان سنن وقوانين مادية، ينبغي الوقوف عليها والتعامل معها بوصفها حقائق، لا يمكن إنكارها والتعامي عنها بحجة الاتكال على الله وانتظار طارئ من الغيب، بل إن هذا نقيض التوكل الذي محله القلب، كما إن زمن النبوات والمعجزات قد انتهى، ولم يتبق سوى تلك الحقائق الطبيعية والقوانين المادية إضافة لمنهج الله تعالى المتمثل بالإسلام يضيء الطريق لكيفية عمارة الدنيا وتحقيق الطمأنينة للبشرية والسعادة في الدنيا والآخرة.
من هنا كان غياب مفهوم القضاء والقدر بتلك الرؤية الواضحة التي تربط التزام منهج الله بأخذ الأسباب المادية لإنجاز الأهداف وتحقيق المطلوب في واقع الحياة، أدى انعدام وضوح ذلك المفهوم على وجهه الصحيح إلى خلل واضح في مسيرة الكثيرين، وتسبب في إخفاق وانتكاس كثير من الحركات والتكتلات الإسلامية في مشاريعها، لا سيما في القضايا الجوهرية، على رأسها قضية الحكم والسلطان والتغيير السياسي.
فقد رأينا من يدعي إمكان إقامة سلطان الإسلام من خلال الديمقراطية، مع أن الإسلام يقوم على نقيضها، حيث يلزم الإسلام الأمة بتطبيقه ونبذ غيره قولاً واحداً، ولا يدع الإسلام للأمة أي خيارٍ في استبداله أو مزجه مع غيره أو التباطؤ في تحكيمه، حيث نص القرآن صراحة على ذلك في قوله تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) والديمقراطية تجعل الخيار للناس، يحللون ويحرمون يبدلون ويغيرون في أنظمتهم وقوانينهم بحسب رغباتهم ومصالحهم.
وآخرون يرون الاستعانة بالقوى الاستعمارية الأجنبية لتغيير الأنظمة، مع أن تلك القوى هي سبب البلاء وأصل الداء، كما أن ذلك الفعل مخالف لصريح القرآن حيث قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) .
وطائفة ترى أن بإمكانها المشاركة في أنظمة جائرة ظالمة خاضعة للهيمنة الأجنبية مع أن الله تعالى يقول (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) ، فضلاً عن أن تلك الأنظمة لا تملك من أمرها سوى تنفيذ رغبات أسيادها، إضافة إلى أنها جبلت على الشر والفساد ولا رجاء فيها.
ومنهم من يُصوِّر إمكانية تحقيق الأمر من خلال طريق التدرج والمشاركة في الأنظمة الحالية مع أن الله تعالى حرم تطبيق غير الإسلام جزئيا أو كليا حيث قال (فَلَا تَخْشَوا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، فضلاً عن أن هذه الأنظمة قد ثبت بالأدلة الحسية القاطعة استعصاؤها على الإصلاح ولا بد من تغييرها تغييراً جذرياً شاملاً.
وكم رأينا من لاهثين في هذه السبل، رغم أنهم لا يجدون في منتهاها سوى السراب ولا يحصدون منها سوى الأشواك، والعراق وفلسطين والجزائر نماذج واضحة على ذلك. وفضلاً عن بطلان تلك السبل ومرارة حصادها، فإن أصحابها قد أسقطوا من حساباتهم أن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم الذي جسد رسالة الإسلام بوحي من الله تعالى قد أمضى أكثر من نصف فترة نبوته (13 سنة من أصل 23) في العمل لحيازة الحكم وإيجاد السلطان الحقيقي الذي مكن من إقامة دار الإسلام في المدينة المنورة. وليس معقولاً ولا مقبولاً إغفال تلك المرحلة الهامة من حياة النبي الكريم تحت أية ذريعة. وقد كانت أهم عناوين تلك المرحلة التي نقلت الدعوة من مرحلة الاستضعاف إلى التمكين هي: العمل المنظم الدؤوب لكسب أهل القوة والنفوذ لحماية الدعوة ولإقامة الدولة الإسلامية الأولى. وخوض الصراع الفكري مع المجتمع والكفاح السياسي مع أرباب النظام الجاهلي بغية هدم العادات والتقاليد والأعراف والقيم والأنظمة البالية الباطلة. و كسب مؤيدين وأنصار لدعوته، شكلوا كتلة متراصة حملت قضية الإسلام وسعت إلى إقامته في الحياة. نعم هذه هي أهم معالم الطريقة النبوية، وهي السبيل الوحيد لتحقيق أي تغيير جذري شامل في أي مجتمع، وهو ما يتطابق مع عوامل التغيير الطبيعية في المجتمعات والأمم. وهكذا يكون الامتثال لسيرة النبي طاعة لله وأخذاً بسنن الكون في التغيير السياسي المبدئي الشامل.
بهذا يكون القضاء والقدر عامل قوة فعال في شخصية الإنسان، يشحذ الهمة وينير البصيرة، لا عامل ضعف وخمول، حيث يفتح هذا الفهم الواعي الآفاق أمام الإنسان لتدبر آلاء الله والسير بحسب قوانينه في كونه وفي شرعه لنيل توفيقه ونصره، على عكس ما نرى من حال أقوامٍ قد ركبهم اليأس، بعد أن وهن يقينهم بقضاء الله وقدره، فأغفلوا اطلاعه على كافة الأحداث وتدبيره لنصرة دينه وتوفيقه لمن يمتثل أمره، وكأنه ليس معنا وغير مطلع على أحوالنا، ما جعل هؤلاء القوم ينكصون على أعقابهم ويتعاطون مع الأشياء بدونية الغافلين، فارتكبوا الموبقات بذريعة التذاكي، وانقلبت عندهم المعايير فبات الأخ عدواً والعدو صديقاً. بينما تجد من يرى بنور الله ويعي أن الله معه يسمع ويرى، ما زال ممسكاً بعهد الله وكأنه ظافرٌ بالدنيا وما فيها، ويرى في كل ما يحدث حكمة لله يبتغيها لإظهار دينه وإتمام أمره، واقفاً على أحكام الله، يقلب وجهه تارة نحو الأرض وأخرى نحو السماء، منشرح الصدر لقول الله تبارك وتعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)




رد مع اقتباس
المفضلات