ملحق ( 1 ) – إعجاب المشركين بالقرآن

الوليد بن المغيرة

لعل أشهر ما حدث هو سماع الوليد بن المغيره لتلك الآيات

حم (1) تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ (6) - فصلت

وقيل أنه تلا قوله
حم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (4) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) - غافر

فقام عُتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: «نحلف بالله، لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الّذي ذهب به».
فلما جلس، إليهم قالوا: «ما وراءك يا أبا الوليد»؟. قال (وهو عالم بالشعر والنثر وكلام الكهنة ): «إنّي قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط. والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أَطيعوني واجعلوها بي، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الّذي سمعت منه نبأٌ عظيم. فإنْ تصبه العرب فقد كُفِيتموه بغيركم. وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزّه عزّكم، وكنتم أَسْعَدَ الناس به».. قالوا: «سَحَرَكَ والله يا أَبا الوليد بلسانه».


فبدلاً من أن يثبت على ما عرف وتأكد ويثبت على الحكمة التي قالها حين قال (فإنْ تصبه العرب فقد كُفِيتموه بغيركم. وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم) استكبر وقال إن هذا إلا سحر يؤثر فنزلت فيه تلك الآيات
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) - ن

يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) – المدثر




أبو جهل وأبو سفيان والأخنس بن شريق ( يسمعون القرآن )

كما روي أنّ أبا سفيان وأبا جهل، والأخنس بن شريق... خرجوا ليلة ليستمعوا إلى رسول اله (ص) وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كلُّ رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكلٌّ لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً! ثمّ انصرفوا.

حتى إذا كانت الليلة الثّانية عاد كلُ رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أوّل مرّة! ثمّ انصرفوا.
حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كلُّ رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود! فتعاهدوا على ذلك، ثمّ تفرقوا.
فلمّا أصبح الأخنس أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني –يا أبا حنظلة- عن رأيك فيما سمعت من محمّد. فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، ولا ما يراد بها.
قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به.

قال: ثمّ خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمّد؟
قال: ماذا سمعت!؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف. أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنّا كفرسي رهان، قالوا: منّا نبي يأتيه الوحي من السماء. فمتى ندرك مثل هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه!!. وتعاهدوا على ألا يسمعوا لهذا القرآن ولهذا نزلت تلك الآية
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) - فصلت

فلو كان القرآن كلاماً، يشبه كلام الإنس ويوازنه ويعادله، لم يكن هناك أي وازع لهؤلاء الصناديد الذين يعدّون في الطليعة والقمة من أعداء النبي، أن يهجروا فرشهم، ويُقلوا دفء دُثُرهم، ويبيتوا في الظلام الحالك على التراب، حتى يستمعوا إلى كلامه ومناجاته في أحشاء الليل في صلاته ونسكه، وما هذا إلاّ لأنّ القرآن كان كلاماً خلاّباً، لعذوبة ألفاظه وبلاغة معانيه، رائعاً في نظمه وأُسلوبه، لم يكن له نظير في أوساطهم، ولا في كلمات بُلَغائهم وفُصَحائهم، وهم الفُصحَاء والبُلغاء ومن يشار إليهم في تلك العُصور.






الطفيل بن عمر الدوسي

ومن الحبائل الّتي سلكوها لصدّ تأثير القرآن، منع متشخصي المشركين من لقاء الرسول، خصوصاً من كان لإسلامه تأثير خاص في إيمان قومه بدين الرسول.ومن تلك الشخصيات الطفيل بن عمر الدوسي، فقد قدم مكة ورسول الله

بها، فمشى إليه رجال من قريش وكان الطفيل رجلاً شريفاً شاعراً لبيباً، فقالوا له: «يا طُفيل إنّك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الّذي بين أَظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرّق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنّما قوله كالسحر، يفرّق بين الرجل وأبيه، وبينه وأخيه وزوجته، وإنّا نخشى عليك وعلى قومك ما دخل علينا، فلا تكلِّمَنَّه، ولا تَسْمَعَنَّ منه شيئاً».

يقول الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أَجْمَعْتُ أَن لا أسمع منه شيئاً ولا أَكلَّمه، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كُرْسُفاً، فَرَقاً من أَنْ يَبْلُغني شيء من قوله، وأنا لا أُريد أَنْ أَسمعه.
قال: فغدوت إلى المسجد، فاذا رسول الله قائم يصلي عند الكعبة.

قال: فقمت منه قريباً فأبى الله إلاّ أن يُسْمِعني بعض قوله فسمعت كلاماً حسناً، فقلت في نفسي: «واثكل أُمّي، والله إنّي لرجل لبيب، شاعر، ما يخفى عَلَيّ الحَسَن من القبيح، فما يمنعني أن أَسمع من هذا الرجل. فإن كان الّذي يأتي به حسناً قَبِلته وإن كان قبيحاً تَرَكْتُه. فمكثت حتى انصرف رسول الله إلى بيته، فاتبعته، حتى إذا دخل بيته، دخلت عليه، فقلت:

«يا محمد إنّ قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوّفونني أمرك حتى سددت أُذُنَيَّ بكُرسف، لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلاّ أن يسمعني قولك، فسمعته قولاً حسناً، فاعرض عَلَيَّ أمرك».

قال: فعرض عَلَيَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الإسلام وتلا عَلَيَّ القرآن. فلا والله ما سمعت قولاً قطّ أحسن منه ولا أمراً أعدل منه.
قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق(1).

موقع
http://imamsadeq.com/ar.php/page,531BookAr45P10.html
( نقلا عن السيرة النبوية لابن هشام )