2- التعليق على نصوص المعاهدة :-لم تكن معاهدة 1936 فى حقيقة الامر سوى حماية مقنعة اعطت للوجود البريطانى صفة شرعية فى مصر . فتمجيد الوفد لهذه المعاهدة والاطلاق عليها اسم معاهدة الشرف والفخار قد اغضبت الطبقة المثقفة التى كانت على وعى تام بما تضمنته تلك المعاهدة من قيود ثقيلة [1].ومهما كان فقد سيق الزعماء الى المفاوضات كما تساق النعاج وامليت عليهم شروط المعاهدة املا . لانه لايمكن عقلا الجلوس على مائدة واحدة على قدم المساواة فقد كان الجيش البريطانى الذى يحتل القاهرة يمثل الضغط الدائم على مصر وكان لابد ان تكون بنود المعاهدة كلها فى صالح الانجليز[2].وقد روى السفير البريطانى لحكومته انه اجتمع بمجلس الوصاية على العرش وطرح على الاوصياء ماوصفه بانه " مفهومه الشخصي الخالص عما ستكون عليه طبيعة العلاقات بين الحكومة المصرية والسفارة " وقد تضمن هذا المفهوم الكلام الخطير التالى:-((لقد جرى كلام كثير هنا فى القاهرة على ان نفوذنا سوف يقل من الان فصاعدا , وهذا مجرد لغو باطل , وهذا شئ لايمكن ان يحدث حتى لو اردنا ذلك , وهو مالانريده(!) وان كان من الصحيح انه سوف يكون من نوع مختلف . حيث لم يعد هناك الان عنصر الاملاء وانما توجد النصيحة الودية (!)... وان مركزنا فى مصر قد تغير , ولكن دورنا كحماة مصر لن يتغير . بل انه فى الحقيقة ازداد قوة واصبح شرعيا بالمعاهدة (!) .... اننا سوف نكون فى وضع الشقيق الاكبر . او وضع الشريكين فى بيت تجاري , وبحكم طبيعة الاشياء فان نفوذنا يجب ان يكون اكبر فى الشؤن الدولية ))![3].لقد اشتملت هذه المعاهدة على شورط مجحفة بمصر والسودان و وربطت البلاد بعجلة الامبراطورية البريطانية لمدة عشرين سنة , ولم يكن من حق احد من الطرفين ان يطلب تعديلها قبل عشر سنوات , وحتى فى حالة التعديل فان بقاء القوات البريطانية فى مصر ونظام الحكم فى السودان كانا مستبعدين من مثل هذا التعديل , اى ان الشروط المتعلقة بهما كانت شروط ابدية.اما بالنسبة لقناة السويس فقد وضح مستر ايدن فى حديث له فى مجلس العموم البريطانى 24 فوفمبر 1936 السبب الذى دعا حكومة انجلتر الى التنازل عن احتلال القاهرة والاسكندرية والاقتصار على منطقة قناة السويس , وهو ان قوات انجلترا اصبحت ميكا###ية ![4].مما يعنى انه حتى بنود التنازل التى ابداها الانجليز كانت تصب فى النهاية فى مصلحة بريطانيا.اما بالنسبة للسودان والتى كانت جاءت الشروط الخاصة بها على النحو التالى:-1- عودة الجيش المصري الى السودان.2- يعين المصريون كما يعين البريطانيون فى وظائف الحكومة السودانية.3- تخويل مفتش الرى المصري فى السودان حق الجلوس بمجلس الحاكم العام عن النظر فى الشؤن المتعلقة بمهام وظيفته .4- لا يكون هناك فرقاً بين المصريين والانجليز فيما يتعلق بالتملك[5].فقد جعلت هذه الشروط من السودان مستعمرة بريطانية تحرسها جنود مصرية , تحت امرة الحاكم العام البريطانى . واقرار بفصل السودان عن مصر . وعلى الرغم من استناد بعض المؤرخين الى التضحيات الكبيرة التى قامت بها مصر فى السودان سواء فيما يخص الميزانية او ما يخص الجيش وعدد ضحاياه فى السودان حوالى(80 الف جندى) واستناد البعض الاخر فى بريطانيا وخاصة الاستعمارييين, الى "حق الفتح"الا ان حق الامة السودانية قد اهدر اهدارا تاما فى هذه المعاهدة وفى غير صالح احد الا قوات الاستغلال والاستعمار الخارجية , واعوانه مفى داخل البلاد.لقد وافق البرلمان على هذه المعاهدة رغم انها كانت تخدم مصالح بريطانيا وتسخر مصر فى خدمة الامبراطورية البريطانية , وافق النواب عليها ومعظمهم كان ينادى ببطلان هذه الشروط حتى وان كانت مؤقتة , وافقوا عليها هذه المرة مع انها قد اصبحت مؤيدة او شبه مؤيدة , لقد اذعن الجانب المصري فى المفاوضات رغم ان الظروف الدولية الخارجية كانت تسمح له بالحصول على شروط اكرم من ذلك فهل هى الزعامة المطلقة ام هى ضرورة التوقيع على وثيقة ما ؟ ام هى ارتباط مصالح من قام بالتوقيع عليها بمصالح الامبراطورية البريطانية ؟ سواء اكان ذلك الارتباط ثقافيا او نفسيا او اقتصاديا ؟!لقد نعت رئيس الوفد هذه المعاهدة بأنها معاهدة ود وصداقة وشرف وتحالف , ولم تكن هناك اى معاهدة فى العالم بين دولتين مستقلتين تشمل على مثل هذه الشروط.ورغم كل هذا , فقد استقبل النحاس استقبالبا حافلا عند عودته الى مصر بعد ان وقع على المعاهدة , وقدر عدد المصريين الذين استقبلوه فى شوارع القاهرة 600,00[6].
ولم تجد معاهدة 1936 الا معارضة ضعيفة من الحزب الوطنى الذى لم يشترك فى توقيعها , ومن بضعة أشخاص اخرين من ذوى الرأي , اما الجمهرة الغالبة من الشعب فقد ارتاحت لها , بحسبانها مرحلة تدنى من المرحلة النهائية التى يتم فيها الجلاء او الاستقالا الكامل[1].
__________________________________________________ _____
[1] محمد محمود السروجي ,دراسات فى تاريخ مصر والسودان الحديث والمعاصر,ص2..
[2] عصام محمد سليمان , المرجع السابق ، ص66
[3] عبد العظيم رمضان , الصراع بين الوفد والعرش,ص15
[4] محمد مصطفى صفوت, المرجع السابق ,ص139,138
[5] عبد الله عبد الرازق ابراهيم وشوقي الجمل,تاريخ مصر والسودان الحديث والمعاصر,ص357
[6] علاء الحديدي،المرجع السابق ،ص174 [7 محمد زكي عبد القادر، محنة الدستور 1923:1952,ص85




رد مع اقتباس
المفضلات