إنّ معالمه عليه الصلاة والسلام، في المسجد، وأنواره في المسجد، ودستوره يوجد في المسجد، وكذلك سيرته الخالدة المباركة، ومنهجه المستقيم، كل ذلك يوجد في المسجد.
فلا بد من دعوة أولئك إلى المسجد، (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمر النعم) (1)


وأنا أخاطب فيهم الغيرة، فإن الواحد منهم إذا انتهك عرضه تجده أسداً هصوراً، يغار على أمه وأخته وابنته، فلا بد أن تحيا هذه الغيرة في قلبه، وتُصبح كغيرة سعد بن عبادة ، سيد الخزرج رضي الله عنه، حينما يسأل المصطفى صلى الله عليه وسلم ويقول: (يا رسول الله، لو وجد أحدٌ منا رجلاً مع امرأته فماذا يفعل؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يذهب فيستشهد أربعة من الرجال، قال: يا رسول الله، أتركه معها، وأذهب لأجمع أربعة؟
والله، يا رسول الله، لأضربنَّه هو وإياها بالسيف غير مصفّح.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من غيرة سعد ، والله إني لأغير منه، وإن الله أغير مني) (1)
وأنا أقول: إن مبادئ محمد صلى الله عليه وسلم تحتاج إلى غيرة، وتحتاج دفاعاً، وتحتاج حماساً؛ فإن أولى ما يغار عليه الإنسان هو دينه.

مَنْ ينصر مبادئ محمد صلى الله عليه وسلم غيركم؟
فأنتم جنده ، وأنتم كتيبته ، وأنتم حزبه المفلحون ، بحول الله.
والله إني أعلم -إن شاء الله- أن شباب الأمة أشجع من الأنظمة العلمانية في الساحة، ولكنهم خدروا الأفلام، والمجلات، وبالميوعة، والضياع.



إن في أولئك الشباب حباً لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، وحبُّهم يبرز ويظهر واضحاً إذا نيل من قواعد الإسلام، فإنك تجد الواحد في يده سيجارة، وفي اليد الأخرى مجلة خليعة، تجده لاهياً لاعباً، تجد عنده عوداً وناياً ووتراً، ولكنك لو تنال محمداً صلى الله عليه وسلم عنده، لقدَّم رأسه رخيصاً، ليذبحك ويقاتلك.




لا يرضى أحد منهم أن تقول له: يا فاسق ، ولا يا كافر، ولا يرضى أحد منهم أن تأخذ المصحف وتمزقه، فهم أفضلُ بدرجات من شباب الضلالة -قاتلهم الله- الذين أخذوا المصحف ومزَّقوه في الشوارع وداسوه بالأحذية.


فهؤلاء الشباب فيهم خير كثير، وهم طلائع إيمانية وكنوز، ولكنها تحتاج إلى من يأتي إليها، ويكشف الغبار عنها، ويمسح عنها ذاكم الصدأ؛ لتعود نقية طاهرة طيبة قوية بإذن الله.
هؤلاء الشباب فيهم من يحافظ على الصلوات الخمس، ولكنهم قد يؤخِّرونها، وهذا خطأ كبير. فهؤلاء نستغلهم لأنهم يصلُّون، وهذا أمر طيب مقبول ولله الحمد والشكر.

وهؤلاء الشباب قد لا يوفَّقون في الصحبة الحسنة لا في بيوتهم ولا في مجتمعاتهم، بل يبقون بعيدين حتى لا يتصوَّروا الوعي الموجود ولا الصحوة، ولا المحاضرات ولا الدروس، فتجد بعضهم كأنه في عالم آخر، فإذا بُصروا وعُلِّموا فسوف يُقبِلون على الله إقبالاً طيباً مباركاً بإذن الله.


حدثني أحد الأخيار أنه ذهب مع بعض الشباب في العطلة الصيفية، وكان يقول: نجلس معهم، وهم حلقات، والعود مع أكبرهم، وعندهم أدب في استماع الغناء، فيعزف، ويبدأ التصفيق، ثم يلحق الصوت.


ثم يأتي هذا الرجل الخير من الشباب إلى هذه المجموعة، فينزعجون منه، ولكنهم يحيونه، فيبدأ بكبيرهم يُسَلم عليه، فيضع العود على التراب، ثم يأتي الثاني، ويسألهم: من أين أتيتم؟
ويأتي الثالث فيأخذون معه في الحديث، ثم يبدأون بسؤال المجموعة، ثم تبدأ الموعظة، ولا تسأل كم الاستجابة، وكم الخير؟

ثم يهديهم الشريط الإِسلامي.
فهؤلاء رصيد الإسلام، لا بد أن نتعرَّف عليهم وأن نبين لهم طريق الهداية، لأن الأَمة أحوج ما تكون لشبابها الذين يشكلون السد المنيع في وجوه أهل الكفر والطغيان.

أيضاً يكونون عوناً في الأزمات، بإذن الله، وكذلك يكونون رصيداً للدروس والمحاضرات. ويكونون طاقماً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحملون الدعوات الإيمانية، والرسالات النبوية، ففيهم خير كثير إذا عرفنا توجيههم، ودخلنَا إلى قلوبهم.


من موقع فضيلة الشيخ عائض القرني
بارك الله فيه