رواياته وحفظه
كان أبو هريرة رضي الله عنه من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلمن فقد رُوي عنه نحو خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً مسنداً،(1) وتعود كثرة رواياته وحفظه لها إلى أمور:
1- صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم مدة تزيد على أربع سنين، وهي مدة كافية لحفظ ما حفظ من أحاديث في العادة، بل لأكثر منها. من قِبل من يتفرغ فيها للأخذ والحفظ.
2- أخذه لكثير من تلك الروايات عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، ولا سيما التي فاته سماعها من النبي صلى الله عليه وسلم قبل إسلامه، كأبي بكر وعمر والفضل ابن عباس وأبي بن كعب وأسامة بن زيد وعائشة وغيرهم.(2)
فقد عايش هؤلاء وغيرهم من الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاً غير قليل، وعليه فلم يكن مصدر رواياته كلها الرسول وحده، كما لم تكن مدة أخذه لها وحفظه إياها منحصرة بمدة صحبته له صلى الله عليه وسلم كما ظن الجاهلون ذلك، وإنما تعدتها إلى عهد الصحابة الذين عاشوا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
________________
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/632، وابن حجر: الإصابة 4/205.
(2) ابن حجر: الإصابة 4/205.
3– تفرغه للعلم والحفظ، كما مر.(1)
4 – تأخر وفاته إلى ما بعد سنة خمسين هجرية، وكما توفي قله أكثر علماء الصحابة وحفاظهم رضي الله عنهم، ولم يبق بعده إلا القيل منهم، كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعائشة وآخرين رضي الله عنهم. في وقت اشتدت الحاجة فيه إلى علم الصحابة رضي الله عنهم نظراً لاتساع رقعة الدولة الإسلامية، وازدياد الداخلين في الإسلام، وكثرة الباحثين عن العلم من أولاد الصحابة وغيرهم ممن عنوا بعلم الصحابة باعتبارهم المراجع الوحيدة والأمينة التي تصلهم مباشر برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما من عرف منهم بالحفظ والملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي هريرة رضي الله عنه.
شهادة أهل العلم له بالحفظ:
لهذه الأمور، وببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالحفظ كان من أحفظ الصحابة رضي الله عنهم وأكثرهم حديثاً.
فقد أخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال لأبي هريرة: يا أبا هريرة أنت كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظنا لحديثه. (2)
___________________
(1) مر في : إسلامه وصحبته.
(2) الترمذي: السنن 5/348، والحاكم:المستدرك3/511، بلفظ: وأعلمنا بحديثه.
وأخرج أيضاً عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أنه قال: لا أشك أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع..الحديث".(1)
وروى الحاكم: أن رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت فسأله عن شئ، فقال: عليك أبا هريرة، فإني بينما أنا جالس وأبو هريرة وفلان في المسجد ذات يوم ندعو الله تعالى ونذكر ربنا: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إلينا فسكتنا، فقال: عودوا للذي كنتم فيه. قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم إني أسألك مثل الذي سألك صاحباي هذان، وأسألك علماً لا ينسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(آمين) فقلنا: يا رسول الله ونحن نسأل الله علماً لا ينسى، فقال: "سبقكما بها الدوسي".(2)
وقال الأعمش عن أبي صالح قال: كان أبو هريرة من أحفظ الصحابة.(3)
وقال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره.(4)
وقال ابن عبد البر: وكان أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار لانشغال المهاجرين بالتجارة، والأنصار بحوائطهم، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه حريص على العلم والحديث.(5)
____________________
(1) الترمذي: السنن 5/348-349.
(2) الحاكم: المستدرك 3/508.
(3) ابن حجر:الإصابة 4/205.
(4) الذهبي: تذكرة الحفاظ 1/36، وابن حجر: الإصابة 4/205.
(5) ابن عبد البر: الاستيعاب بهامش الإصابة 4/208-209.
وعن محمد بن عمار بن عمرو بن حزم: أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بضعة عشر رجلاً فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يتراجعون فيه، فيعرفه بعضهم ثم يحدثهم بالحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يعرفه حتى فعل ذلك مراراً. قال: فعرفت يومئذ أنه أحفظالناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.(1)
وقال البخاري: روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره.
وقال أبو نعيم: كان أحفظ الصحابة لأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا له بأن يحببه إلى المؤمنين.(2)
وقال الحاكم: قد تحريت الابتداء من فضائل أبي هريرة رضي الله عنه، لحفظه لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وشهادة الصحابة والتابعين له بذلك، فإن كل من طلب حفظ الحديث من أول الإسلام وإلى عصرنا هذا فإنهم من أتباعه وشيعته إن هو أولهم وأحقهم باسم الحفظ.(3)
وكفى بشهادة هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم ومن تلاهم من أعلام علماء الأمة على كثرة روايته وحفظه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
_____________
(1) البخاري: التاريخ 1/186.
(2) ابن حجر:الإصابة 4/206.
(3) الحاكم: المستدرك 3/512.




رد مع اقتباس
المفضلات