صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 35
 

العرض المتطور

  1. #1
    مراقبة الأقسام العامة
    أمـــة الله غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 15
    تاريخ التسجيل : 1 - 10 - 2007
    الدين : الإسلام
    الجنـس : أنثى
    المشاركات : 14,900
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    التقييم : 10
    معدل تقييم المستوى : 33

    افتراضي




    رواياته وحفظه
    كان أبو هريرة رضي الله عنه من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلمن فقد رُوي عنه نحو خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً مسنداً،(1) وتعود كثرة رواياته وحفظه لها إلى أمور:

    1- صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم مدة تزيد على أربع سنين، وهي مدة كافية لحفظ ما حفظ من أحاديث في العادة، بل لأكثر منها. من قِبل من يتفرغ فيها للأخذ والحفظ.
    2- أخذه لكثير من تلك الروايات عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، ولا سيما التي فاته سماعها من النبي صلى الله عليه وسلم قبل إسلامه، كأبي بكر وعمر والفضل ابن عباس وأبي بن كعب وأسامة بن زيد وعائشة وغيرهم.(2)

    فقد عايش هؤلاء وغيرهم من الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاً غير قليل، وعليه فلم يكن مصدر رواياته كلها الرسول وحده، كما لم تكن مدة أخذه لها وحفظه إياها منحصرة بمدة صحبته له صلى الله عليه وسلم كما ظن الجاهلون ذلك، وإنما تعدتها إلى عهد الصحابة الذين عاشوا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
    ________________
    (1) الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/632، وابن حجر: الإصابة 4/205.
    (2) ابن حجر: الإصابة 4/205.


    3تفرغه للعلم والحفظ، كما مر.(1)
    4 تأخر وفاته إلى ما بعد سنة خمسين هجرية، وكما توفي قله أكثر علماء الصحابة وحفاظهم رضي الله عنهم، ولم يبق بعده إلا القيل منهم، كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعائشة وآخرين رضي الله عنهم. في وقت اشتدت الحاجة فيه إلى علم الصحابة رضي الله عنهم نظراً لاتساع رقعة الدولة الإسلامية، وازدياد الداخلين في الإسلام، وكثرة الباحثين عن العلم من أولاد الصحابة وغيرهم ممن عنوا بعلم الصحابة باعتبارهم المراجع الوحيدة والأمينة التي تصلهم مباشر برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما من عرف منهم بالحفظ والملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي هريرة رضي الله عنه.

    شهادة أهل العلم له بالحفظ:
    لهذه الأمور، وببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالحفظ كان من أحفظ الصحابة رضي الله عنهم وأكثرهم حديثاً.
    فقد أخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال لأبي هريرة: يا أبا هريرة أنت كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظنا لحديثه. (2)
    ___________________
    (1) مر في : إسلامه وصحبته.
    (2) الترمذي: السنن 5/348، والحاكم:المستدرك3/511، بلفظ: وأعلمنا بحديثه.

    وأخرج أيضاً عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أنه قال: لا أشك أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع..الحديث".(1)
    وروى الحاكم: أن رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت فسأله عن شئ، فقال: عليك أبا هريرة، فإني بينما أنا جالس وأبو هريرة وفلان في المسجد ذات يوم ندعو الله تعالى ونذكر ربنا: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إلينا فسكتنا، فقال: عودوا للذي كنتم فيه. قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم إني أسألك مثل الذي سألك صاحباي هذان، وأسألك علماً لا ينسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(آمين) فقلنا: يا رسول الله ونحن نسأل الله علماً لا ينسى، فقال: "سبقكما بها الدوسي".(2)
    وقال الأعمش عن أبي صالح قال: كان أبو هريرة من أحفظ الصحابة.(3)
    وقال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره.(4)
    وقال ابن عبد البر: وكان أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار لانشغال المهاجرين بالتجارة، والأنصار بحوائطهم، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه حريص على العلم والحديث.(5)
    ____________________
    (1) الترمذي: السنن 5/348-349.
    (2) الحاكم: المستدرك 3/508.
    (3) ابن حجر:الإصابة 4/205.
    (4) الذهبي: تذكرة الحفاظ 1/36، وابن حجر: الإصابة 4/205.
    (5) ابن عبد البر: الاستيعاب بهامش الإصابة 4/208-209.

    وعن محمد بن عمار بن عمرو بن حزم: أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بضعة عشر رجلاً فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يتراجعون فيه، فيعرفه بعضهم ثم يحدثهم بالحديث فلا يعرفه بعضهم، ثم يعرفه حتى فعل ذلك مراراً. قال: فعرفت يومئذ أنه أحفظالناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.(1)
    وقال البخاري: روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره.
    وقال أبو نعيم: كان أحفظ الصحابة لأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا له بأن يحببه إلى المؤمنين.(2)
    وقال الحاكم: قد تحريت الابتداء من فضائل أبي هريرة رضي الله عنه، لحفظه لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وشهادة الصحابة والتابعين له بذلك، فإن كل من طلب حفظ الحديث من أول الإسلام وإلى عصرنا هذا فإنهم من أتباعه وشيعته إن هو أولهم وأحقهم باسم الحفظ.(3)
    وكفى بشهادة هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم ومن تلاهم من أعلام علماء الأمة على كثرة روايته وحفظه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    _____________
    (1) البخاري: التاريخ 1/186.
    (2) ابن حجر:الإصابة 4/206.
    (3) الحاكم: المستدرك 3/512.






  2. #2
    مراقبة الأقسام العامة
    أمـــة الله غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 15
    تاريخ التسجيل : 1 - 10 - 2007
    الدين : الإسلام
    الجنـس : أنثى
    المشاركات : 14,900
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    التقييم : 10
    معدل تقييم المستوى : 33

    افتراضي


    مسلكه في الرواية
    إن المتأمل فيما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه من أحاديث يجده أنه قد سلك في روايته فها مسلكين رئيسيين:
    المسلك الأول: هو الرواية المجردة للأحاديث النبوية:
    وهي التي يقتصر فيها على أداء ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوال، أو شاهده من أفعال وأحوال لتلاميذه أو للسائلين له

    عن حديث أو أحاديث بعينها لتحملها منه، أو للتأكد من صحة نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك.

    فمن ذلك: ما رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

    "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخيارهم خيارهم لنسائهم".(1)

    وروى عكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخلت على أبي هريرة في بيته، فسألته عن صوم يوم عرفة بعرفات؟ فقال:

    "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفات".(2) فقد اقتصر في أداء هذين الحديثني على ما سمعه من رسول الله صلـى الله
    ____________
    (1) أحمد: المسند 13/133، والترمذي: السنن2/204، وقال حسن صحيح.
    (2) أحمد: المسند5/180، وأبو داود 2440.

    عليه وسلم على عادة محدثي الصحابة ومن بعدهم من تابعين وغيرهم رضي الله عنهم في التحديث، وهذا المسلك هو الغالب

    على ما روي عنه من أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
    المسلك الثاني: هو الرواية غير المجردة:

    وهي التي يرويها ضمن كلام له يشرح فيه الرواية، أو يستنبط منها معاني، أو أحكاماً استفادها منها، أو من روايات أخرى باجتهاده وفهمه الخاص.

    بقصد التعليم والإرشاد اللذين شكلا ظاهرة بارزة في حياته رضي الله عنه الدعوية: التي أولاها اهتمامه كما سنرى فيما بعد.

    ومن تلك الروايات على سبيل المثال:
    ما رواه أحمد، عن محمد بن زياد، قال: رأيت أبا هريرة مر بقوم يتوضؤون من مطهرة، فقال: أحسنوا الوضوء يرحمكم الله

    ألم تسمعوا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ويل للأعقاب من النار".(1)

    وما رواه أحمد والبخاري عن سالم بن عبد الله قال:"ما أدري كم رأيت أبا هريرة قائماً في السوق يقول: يقبض العلم وتظهر الفتن

    ويكثر الهرج، قال: قيل: يا رسول الله، وما الهرج؟ قال"بيده هكذا وحرفها".(2) أي حركها يميناً وشمالاً.
    ________________
    (1) أحمد: المسند14/222، والمطهرة: الإناء الذي يتطهر منه.
    (2) أحمد: المسند 14/257، والبخاري1/165، والهرج بفتح الهاء وإسكان الراء: القتل.

    وبهذا نراه قد قدم هاتي الروايتين بكلام من عنده، حيث أمر بإحسان الوضوء خوف الوقوع بما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، وهي النار في الرواية الأولى.
    وقدم للرواية الثانية ببيان بعض أشراط الساعة، كقبض العلمن وظهرو الفتن، وكثرة القتل، وذلك على سبيل التحذير من التمادي في المعاصي، والبعد عن طاعة الله تعالى، وختمها بما يؤكد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    المرفوع والموقوف في روايات أبي هريرة:

    وعلى هذا فالكلام الذي يأتي به في أول الروايات المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو في آخرها يعد موقوفاً عليه، لأنه من كلامه هو، لا من المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي إذا سئل عنه أحياناً، هل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يقول: لا هذا من كيسي، أو من كيس أبي هريرة.
    وقد ظن بعض من لا لعم له بالحديث، ولا معرفة له بطريقة أبي هريرة في الرواية أنه يعني بقوله هذا: الرواية بسميها (المرفوع والموقوف) لا الموقوف منها خاصة، فراح يقول جهلاً: إن أبا هريرة ينسب ما يقوله من نفسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصادفت هذه المقولة الجاهلة هوى في نفوس الذين في قلوبهم مرض، فأخذوا يرددونها، لعلها تؤيدهم فيما يفترون على هذا الصحابي الجليل.






  3. #3
    مراقبة الأقسام العامة
    أمـــة الله غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 15
    تاريخ التسجيل : 1 - 10 - 2007
    الدين : الإسلام
    الجنـس : أنثى
    المشاركات : 14,900
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    التقييم : 10
    معدل تقييم المستوى : 33

    افتراضي



    اهتمامه بالدعوة وتبليغ العلم
    كان أبو هريرة رضي الله عنه واحداً من علماء الصحابة رضي الله عنهم، الذين تحملوا أمانة الدعوة وتبليغ العلم الذي تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان من أكثرهم نشاطاً في هذا المجال، وذلك لسعة علمه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحاجة الناسفي وقته إلى علمه وتعليمه لهم ولخوفه من تبعات كتمان العلم، فقد روي عنه أنه قال: "وايم الله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشئ أبداً" ثم تلا : ]إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى[] البقرة:159 [ الآية كلها. (1)

    وروي عنه أيضاً أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يومالقيامة".(2)

    وروي عن الحسن عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من رجل يأخذ مما قضى الله ورسوله كلمة أو اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً فيجعلهن في طرف ردائه فيعمل بهن ويعلمهن" قلت: أنا وبسطت ثوبي، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث حتى انقضى حديثه، فضممت ثوبي إلى صدري الحديث.(3)
    _____________
    (1) أحمد: المسند14/122-123
    (2) أحمد: المسند4/5، وأبو داود 3/321.
    (3) أحمد: المسند 8/147، والحسن: هو البصري.

    لهذا سلك أبو هريرة رضي الله عنه كل السبل الممكنة للدعوة إلى الدين وتبيلغ ما تلقاه عن رسول الله من علم ومعرفة، فنراه يعظ ويحدث

    في كل مكان يتسنى له التحديث فيه، في البيت والمسجد والسوق وغيره من الأماكن التي يستطيع التحديث والوعظ فيها.
    فقد روى الإمام أحمد عن عكرمة قال: دخلت على أبي هريرة في بتيه، فسألته عن صوم يوم عرفة الحديث الذي تقدم قريباً.
    وروى الحاكم عن عاصم بن محمد عن أبيه قال: (رأيت أبا هريرة رضي الله عنه يخرج يوم الجمعة، فيقبض على رمانتي المنبر قائماً ويقول : حدثنا أبو القاسم رسول الله الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فلا يزال يحدث حتى إذا سمع فتح باب المقصور لخروج الإمام للصلاة جلس)(1)
    وروى البخاري عن محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم: (أنه قعد في مجلس فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بضعة عشر رجلاً، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث) (2)
    وروى أحمد والبخاري عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال: "ما أدري كم رأيت أبا هريرة قائماً في السوق يقول: يقبض العلم وتظهر الفتن" الحديث، الذي تقدم قريباً أيضاً.
    ______________
    (1) الحاكم: المستدرك 3/512، وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي عليه.
    البخاري: التاريخ 1/186.

    وعن مكحول قال: "تواعد الناس ليلة إلى قبة، فاجتمعوا فيها، فقام فيهم أبو هريرة يحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح".(1)
    ولم يقتصر أبو هريرة رضي الله عنه في التحديث والوعظ والإرشاد على الرجال، وإنما تعداهم إلى النساء فحدثهن ووعظهن بما يحتجن إليه، ويتعلق بهن من أمور، فقد روى أحمد عن عبيد مولى لأبي رهم، عن أبي هريرة: "أنه لقي امرأة، قال: وله تطيبت؟ قالت: نعم. قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من امرأة تطيبت للمسجد فيقبل الله لها صلاة حتى تغتسل منه اغتسالها من الجنابة" فاذهبي فاغتسلي.(2)
    وروى الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد الله، عن كريمة بنت الحسحاس قالت: سمعت أبا هريرة في بيت أم الدرداء يقول:

    "ثلاث هن كفر: النياحة، وشق الجيب، والطعن في النسب". (3)
    وهكذا بين أبو هريرة رضي الله عنه للمرأة المتطيبة عدم مشروعية خروجها من بيتها متطيبة متزينة، ولو كان خروجها لأداء الصلاة فيالمسجد

    وأمرها بالرجوع إلى بيتها والاغتسال من الطيب إن هي شاءت العودة إلىالمسجد، وحري بنسائنا المؤمنات اليوم أن يحرصن على هذا
    _______________
    (1) الذهبي: سير أعلام النبلاء2/599، وابن كثير: البداية والنهاية8/110.
    (2) أحمد: المسند15/107-108، وابن ماجه: السنن2/1326، واللفظ لأحمد والإعصار، هو فوح الطيب، شبه بما تثير الريح من الأعاصير. ابن الأثير: النهاية3/247.
    (3) الذهبي: سير أعلام النبلاء2/586، وأم الدرداء: هي الصغرى، روت عن زوجها أبي الدرداء وأبي هريرة وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم.

    التوجيه النبوي الكريم، ليحفظن أنفسهن من العيون الزائفة، والنفوس المريضة المنحرفة.
    كما حذر النساء اللاتي وجدهن في بيت أم الدرداء التابعية الفاضلة، زوج أبي الدرداء الصحابي الجليل رضي الله عنه، من ثلاثة أمور تتعاطاهن النساء، وهن من عادات الجاهلية، التي حرمها الإسلام وساواها بالكفر، لأنها توصل من يتفوه بها إلى النار، كما يوصل الكفر صاحبه إليها، وقد نهج في ذلك النهج التربوي الدعوي الإصلاحي الناجح، حيث خاطب كلاً بما يناسبه، خاطب الرجال بما ينسابهم، وخاطب النساء بما يناسبهن، ويخصهن من أمور، متأسياً في ذلك بالمنهج التربوي الدوعوي الأول، الذي أرسى دعائمه الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد تفنن رضي الله عنه في أساليبه في الدعوة، وكان من أساليبه فيها:
    1 أسلوب الترغيب:
    روى الهيثمي عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه مر بسوق المدينة، فوقف عليها، فقال: "يا أهل السوق ما أعجزكم قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم وأنتم ها هنا! ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه. قالوا : وأين هو؟ قال: في المسجد، فخرجوا سراعاً، ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا فقال لهم: ما لكم؟ قالوا: يا أبا هريرة فقد أتينا المسجد فدخلنا فلم نر فيه شيئاً يقسم، فقال لهم أبو هريرة: وما رأيتم في المسجد أحداً؟ قالوا: بلى رأينا قوماً يصلون، وقوماً يقرؤون القرآن، وقوماً يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: ويحكم لذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم. (1)
    _________________
    (1) الهيثمي: مجمع الزوائد 1/123-124.


    وبهذا الأسلوب الدعوي الرائع بين لهم أبو هريرة رضي الله عنه الميراث النبوي الحقيقي الرابح، إذ إنه لم يورث لهم درهماً

    ولا ديناراً ولا غيرهما من الأموال، وإنما ترك لهم الكتاب والسنة، وما اشتملا عليه من أنواع الهدي والمعرفة والفلاح.
    1- أسلوب الترهيب:
    وكما استخدم أسلوب الترغيب في الدعوة، استخدم أيضاً أسلوب الترهيب فيها، مع المدعوين الذين كانوا يتعاطون

    بعض المعاصي جهلاً، أو عن سوء تقدير لما يترتب عليها من تبعات.
    من ذلك ما مر من وعظه للنساء في بيت أم الدرداء رضي الله عنها، وتحذيرهن من : النياحةن وشق الجيب والطعن في النسب

    التي عدها كفراً، لما تؤدي إليه من عظيم الإثم وشديد العقاب.
    ومنه أيضاً ما روي عنه أنه قال: أسبغوا الوضوء فإني سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول : "ويل للعراقيب من النار".(1)
    2- أسلوب المواجهة والمصارحة:
    فعن قتادة عن أبي عمر الغدانيّ، قال: "كنت عند أبي هريرة جالساً، قال: فمر رجل من بني عامر بن صعصعة، فقيل له:

    هذا أكثر عامري نادي مالاً، فقال أبو هريرة: ردوه إلي فردوه عليه، فقـال: نبئت أنك ذو
    ______________
    (1) أحمد: المسند 19/125،ومعنى أسبغوا الوضوء : أتموه بإكساء العراقيب بالماء.


    مال كثير، فقال العامري: أي والله، إن لي مائة حمراً، ومائة أدماً، حتى عد من ألوان الإبل، وأفنان الرقيق، ورباط الخيل، فقال أبو هريرة: إياك وأخفاف الإبل وأظلاف الغنم، ويردد ذلك عليه حتى جعل لون العامري يتغير أو يتلون، فقال: ما ذاك يا أبا هريرة؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كانت له إبل لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها" قلنا: يا رسول الله وما رسلها ونجدتها؟ قال: "في عسرها ويسرها، فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأكبره وأسمنه وأسره، ثم يبطح لها بقاع قرقر، فتطؤه فيه بأخفافها إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله الحديث".
    فقال العامري: وما حق الإبل يا أبا هريرة؟ قال أن تعطي الكريمة، وتمنح الغزيرة، وتفقر الظهر، وتسقي اللبن، وتطرق الفحل".(1)
    ولو تتبعنا جهود أبي هريرة رضي الله عنه الدعوية والتعليمية وأساليبه فيها لطال بنا المقام، وحسبنا ما أوردناه منها للدلالة على سعة ما بذل في هذا المجال من جهود، وعلى كثرة المستفيدين منه والحاملين لعلمه رضي الله عنه وأرضاه.

    _________________
    (1) أحمد: المسند 20/72-73، ومسلم بشرح النووي 7/64-66، واللفظ لأحمد.
    والمراد بالقاع القرقر: المستوية الواسعة، ومعنى العزيرة : كثيرة اللبن، ومعنى تقفر الظهر: تعير البعير لمن يحتاج لركوبه.





  4. #4
    مراقبة الأقسام العامة
    أمـــة الله غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 15
    تاريخ التسجيل : 1 - 10 - 2007
    الدين : الإسلام
    الجنـس : أنثى
    المشاركات : 14,900
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    التقييم : 10
    معدل تقييم المستوى : 33

    افتراضي



    موقفه من الخلافات التي حدثت في أيامه
    وقف أبو هريرة رضي الله عنه من الخلافات التي حدثت في أيامه على الحياد، ومنها الخلاف الذي نجمت عنه الفتنة بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه، وبين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وقد وقف هذا الموقف وهو اعتزال الفتنة جمع من الصحابة، كسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن نفيل، و عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن مسلمة، وسلمة بن الأكوع، وغيرهم رضي الله عنهم.

    ولم يحصل منه ما يفيد التحيز إلى أحد الطرفين لا قولاً ولا عملاً، كما لم ينقل عن أحدهما أنه طلب تأييده أو الوقوف إلى جانبه، لأنه لم يكن لديه كما يقول المثل: (خيل ولا مال) كما كان بطبعه رضي الله عنه موثراً للسلامة ما أمكن، ولم يخرج عن ذلك إلا يوم حوصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، من قبل الفئة الباغية التي قتلته ظلماً عام 35هـ.
    حيث دخل دار عثمان مع من دخلها من الصحابة للدفاع عنه، كالحسن بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.
    فقد روى الحاكم عن موسى بن عقبة وأخويه محمد وإبراهيم قالوا: حدثنا أبو حسنة قال: شهدت أبا هريرة وعثمان محصور في الدار واستأذنه في الكلام، فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنها فتنة واختلاف، أو اختلاف وفتنة، قال: قلنا: يا رسول


    الله فما تأمرنا، قال: "عليكم بالأمير وأصحابه وأشار إلى عثمان". (1)
    وهذا يمثل ولا شك موقفاً جريئاً لأبي هريرة رضي الله عنه، في إظهار الحق في وقت مضطرب لا تعرف فيه عواقب قول الحق على صاحبه، وقد بقي في

    الدار حتى غلبوا هو ومن معه، وقتل عثمان شهيداً رضي الله عنه وجزاه عن الإسلام خير ما يجزي به الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
    وقد عرف الأمويون له هذا الموقف، وقدروه له فيما بعد، ولعل هذا هو الذي سوغ لبعض أهل الأهواء الافتراس عليه والتعريض به رضي الله عنه.
    ____________________________
    الحاكم: المستدرك 3/98، وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي عليه.







  5. #5
    مراقبة الأقسام العامة
    أمـــة الله غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 15
    تاريخ التسجيل : 1 - 10 - 2007
    الدين : الإسلام
    الجنـس : أنثى
    المشاركات : 14,900
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    التقييم : 10
    معدل تقييم المستوى : 33

    افتراضي


    أبو هريرة وآل البيت رضي الله عنهم
    كان أبو هريرة محباً لآل البيت، مجلاً لهم، عارفاً بفضلهم، مقدراً لقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعياً لوصاياه صلى الله عليه وسلم بهم
    راوياً لكثير مما روي في فضلهم ومناقبهم، وحب النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وإليك بعض ما روي عنه من مناقبهم رضي الله عنهم:
    أولاً ما روي عنه في مناقب علي رضي الله عنه:
    1 روى سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلاً يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه" فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً بن أبي طالب، فأعطاه إياها، وقال: "امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك" قال: فسار علي شيئاً، ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ قال: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك، فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله". (1)
    2 وعن المحرر بن أبي هريرة عن أبي هريرة قال: "كنت مع علي بن أبي طالب، حيث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم

    إلى أهل مكة ببراءة، فقال: ما كنتم تنادون؟ قال: قال كنا ننادي أنه لا يدخل الجـنة إلا
    __________________
    (1) مسلم 7/121، كتاب فضائل الصحابة، وابن حبان: الصحيح 8/43، واللفظ لمسلم.

    مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فإن أجله، أو أمده إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر، فإن الله برئ من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك، قال: فكنت أنادي حتى صحل صوتي". (1) وقد بينت هذه الرواية أنه كان بمعية علي رضي الله عنه في أداء هذه المهمة التي كلفوا بها من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    3 وعن أبي رافع قال: قلت لأبي هريرة: إن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه إذا كان بالعراق يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة

    وإذا جاءك المنافقون، فقال : كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ.(2)
    وفي هذه الرواية يذكر فضيلة من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهي الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة والتأسي به فيها.
    ثانياً- ما روي عنه في مناق جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.
    1 روي عنه رضي الله عنه أنه قال: وكان أخيرالناس للمسكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا

    ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي فيها شئ فنشقها فنلعق ما فيها.(3)
    ____________________
    (1) أحمد: المسند 15/133-134ن وصحل بفتح الصاد وكسر الحاء معناه: بح.
    (2) ابن حبا: الصحيح 4/104.
    (3) البخاري 2/208 فضائل الصحابة، العكة: وعاء من جلد يوضع فيه السمن.

    2 وعن المقبري عن ابي هريرة قال: كان جعفر بن أبي طالب يحب المساكين، ويجلس إليهم، ويحدثهم ويحدثونه

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنيه أبا المساكين.(1)

    ثالثاً- ما روي عنه في مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما.
    1 روي عنه أنه قال: عانق النبي صلى الله عليه وسلم الحسن.(2)
    وفي رواية عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لحسن: "اللهم إني أحبه فأحبه، وأحبب من يحبه". (3)
    2- وجاء عنه أنه قال: فما كان أحد أحب إلى من الحسن بن علي بعد ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال. (4)
    3 وعن عمير بن إسحاق قال: كنت أمشي مع الحسن بن علي في طرق المدينة، فلقينا أبا هريرة، فقال للحسن: اكشف لي عن بطنك جعلت فداك حتى أقبل حيث رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله، قال: فكشف عن بطنه فقبل سرته. (5)
    4 وعن عبد الرحمن بن مسعود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الحسن والحسين، هذا
    _____________
    (1) ابن ماجه: السنن 5/138.
    (2) البخاري 2/216 مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما.
    (3) مسلم 7/129، وأحمد: المسند 14/128.
    (4) ابن حبان: الصحيح 8/56.
    (1) أحمد: المسند 14/195، وابن حبان: الصحيح 8/57.

    على عاتقه، وهذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة، حتى انتهى إلينا، فقال له رجل: يا رسول الله إنك تحبهما، فقال:

    "نعم من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني".(1)
    5 وعنه رضي الله عنه قال: ما رأيت الحسين بن علي إلا فاضت عيني دموعاً، وذاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فوجدني في المسجد، فأخذ بيدي، واتكأ علي فانطلقت معه، حتى جاء سوق بني قينقاع، قال: وما كلمني، فطاف ونظر، ثم رجع ورجعت معه، فجلس في المسجد واحتبى، وقال: "ادع لي لكاع" فأتى حسين يشتد حتى وقع في حجره، ثم أدخل يده في لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح فم الحسين فيدخل فاه في فيه ويقول: "اللهم إني أحبه فأحبه".(2)
    ونكتفي بما ذكرناه مما رواه أبو هريرة من مناقبهم، عن باقي ما رواه أبو هريرة من مناقب آل البيت رضي الله عنهم، لدلالة ما أوردناه من مناقبهم على علاقة أبي هريرة الحميمة بهم، وحبه لهم، وحرصه على إبراز مناقبهم، وإظهار فضلهم رضوان الله عليهم، وهذا يدل على جهل كثير من المتقولين عليه بتلك العلاقة، وذلك الحب الصادق لهم.
    هذا ولم يثبت عن أحد من آل البيت الكرام ما يفيد الطعن بأبي هريرة، أو النيل منه، وإنما ثبت أن بعضهم قد روى عنه، وأن كثيرا من ثقات أصحابهم والرواة عنهم، قد رووا عنه أيضاً بعلمهم ودون معارضة من أحد منهم، مما يدل على رضائهم عنه، وقبولهم لرواياته، ومن شاء التأكد مما ذكرنا، فليراجع كتاب (دفاع عن أبي هريرة) لمؤلفه الفاضل الأستاذ: عبد المنعم صالح العلي، فإنه سيجد فيها ما يؤكد ذلك.

    ___________________
    (1) الحاكم: المستدرك 3/166، وقال: حديث صحيح، ووافقه الذهبي عليه وقوله: يلثم، أي:يقبل فاه.
    (2) الحاكم: المستدرك 3/178، وقال حديث صحيح، ووافقه الذهبي عليه.







  6. #6
    مراقبة الأقسام العامة
    أمـــة الله غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 15
    تاريخ التسجيل : 1 - 10 - 2007
    الدين : الإسلام
    الجنـس : أنثى
    المشاركات : 14,900
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    التقييم : 10
    معدل تقييم المستوى : 33

    افتراضي


    المبحث الثاني
    الشبهات الباطلة
    التي أثيرت حوله وأسبابها




    المطلب الأول
    الشبهات الباطلة التي أثيرت حوله
    لم تمنع صحبة أبي هريرة رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخدمته له، وحمله لسنته، ولا سيرته الحسنة، وسلوكه الهادئ، وطبعه المسالم، ولا ثناء إخوانه من الصحابة رضي الله عنهم، وإشادة من بعدهم من علماء الأمن من تابعين وغيرهم به، وتقديرهم له، لم يمنع ذلك كله أصحاب الأهواء من التقول عليه، وإثارة بعض الشبهات الباطلة حوله، وكان منها ما استهدف بعض رواياته، وقد ردّ عليها العلماء من قدامى ومحدثين بما أبان ريفها وبطلانها، ومنها ما استهدف شخصه ورواياته عموماً، وسنحاول الرد على هذا النوع من الشبهات وتفنيده بما ييسر الله تعالى لنا من شواهد وأدلة:
    الشبهة الأولى
    كثرة رواياته
    يرى البعض أن كثرة رواياته مع قصر مدة صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر يدعو إلى الشك في صحتها، ويجاب على هذه الشبهة من وجوه:
    1 أن كثرة روايات كثرة نسبية وليست كثرة مطلقة إذ أنه أكثر من روي عنه من الصحابة رضي الله عنهم، لا أكثر من يحفظ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما يؤكد هذا اعترافه رضي الله عنه بأن ما كان عند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما من حديث أكثر مما كان عنده، لأن عبد الله كما قال: كان يكتب، وهو لا يكتب، وهذا ما أفصح عنه الإمام أبو بكر بن خزيمة بقوله: كان من أكثر أصحابه عنه رواية فيما انتشر من رواياته وروايات غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مخارج صحاح. (1)
    وإن عدم كثرة الرواية عمن عداه ممن طالت صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر نسبي، ويرجع بعض أسبابها إلى وفاة بعضهم المبكرة، إذا أن منهم من توفي، في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من توفي بعد وفاته بقليل، كما أن منهم من كان مقلاً للرواية لا يحدث إلا إذا سئل، وكان من هؤلاء الخلفاء الراشدون، وأبيه بن كعب، وابن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وغيرهم رضي الله عنهم.
    ____________
    (1) الحاكم: المستدرك 3/112.
    2 إن قصر صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم قصر نسبي: أي بالنسبة لمن طالت صحبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، كالعشرة المبشرين بالجنة، وغيرهم من السابقين الأولين من الصحابة رضي الله عنهم، وإلا فإنها في الواقع ليست قصيرة كما يتوهم، إذ زادت على أربع سنين كما تقدم.(1)
    وهي مدة كافية لجمعه ما جمع، وروايته ما روى من أحاديث، علماً أنه قد لازم فيها النبي صلى الله عليه وسلم ملازمة تامة، حضراً وسفراً، يدور معه حيث دار، تفرغ فيها للعلم والتحصيل، لا يشغله عنهما شاغل من تجارة، أو زراعة، أو أعباء عائلية أو غير ذلك، وهي ملازمة لم تتيسر لكثير ممن كانت صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أطول من صحبته له، لانشغالهم بأمور الحياة الضرورية، روي عن البراء بن عازب رضي الله عنه، أنه قال: ليس كلما سمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكنالناس لم يكونوا يكذبون يومئذ فيحدث الشاهد الغائب. (2)
    وروي أنه جاء رجل إلى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، فقال: يا أبا محمد، والله ما ندري هذا اليماني أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم أم أنتم؟ تقوّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل، يعني أبا هريرة، فقال: طلحة: والله ما يشك أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قوماً أغنياء، لنا بيوت وأهلون، كنا نأتي نبي الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار، ثم نرجع،
    __________
    (1) تقدم في إسلامه وصحبته.
    (2) الخطيب: الكفاية 548، والسيوطي:مفتاحالجنة 22.


    وكان أبو هريرة رضي الله عنه مسكيناً لا مال له، ولا أهل، ولا ولد، إنما كانت يده مع يد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يدور معه حيث دار، ولا نشك أنه قد عمل ما لم نعمل، وسمع ما لم نسمع، ولم يتهمه أحد منا، أنه تقوّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل. (1)
    كما كانوا مشغولين أيضاً بأمور الدعوة، والقيام بالمهمات التي كان يكلفهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، كالخروج في السرايا والغزوات، وتبليغ العلم، ونقل الكتب إلى الملوك والأمراء المجاورين للجزيرة العربية، وما تتطلبه مثل هذه المهمات من سفر وغياب عن مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يدوم غيابهم أياماً أو أشهراً.
    كما أن منهم من لم يكن يساكن النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، حتى يتسنى له لقاؤه متى شاء، أو في الوقت الذي تمسح له ظروفه اللقاء به.
    لهذه الأسباب وغيره لم تتيسر الملازمة التامة لكثير ممن طالت صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تيسرت لأبي هريرة رضي الله عنه، ويشهد لذلك ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: يا أبا هريرة كمنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحفظنا لحديثه.(2)
    3- حرصه على العلم والتحصيل ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بالحفظ، كان أبو هريرة رضي الله عنه مهتماً بالعلم، حريصاً على التعلم، شهد له بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قلت : يا نبي الله من أسعدالناس بشفاعتك؟ قال: "لقد ظننت أن يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث".(3)
    _______________________
    (1) الحاكم: المستدرك 3/511-512، وقال : حديث صحيح.
    (2) تقدم تخرجه في : رواياته وحفظه.
    (3) أحمد: المسند 17/35-36، والبخاري بفتح الباري 1/193، واللفظ لأحمد.






  7. #7
    مراقبة الأقسام العامة
    أمـــة الله غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 15
    تاريخ التسجيل : 1 - 10 - 2007
    الدين : الإسلام
    الجنـس : أنثى
    المشاركات : 14,900
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    التقييم : 10
    معدل تقييم المستوى : 33

    افتراضي


    وكفي بها شهادة على حرصه رضي الله عنه على العلم والتحصيل وبهذا نرى النبي صلى الله عليه وسلم، يشجع أبا هريرة على العلم
    كما شجع غيره من الصحابة الذين أنس منهم الفطنة والرغبة والاستعداد لذلك، كأنس بن مالك، وابن عباس، وغيرهما.

    وقد دعا لأبي هريرة بالحفظ وعدم النسيان، حيث أمن على دعائه بذلك. فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: فإني بينما أنا جالس وأبو هريرة، وفلان في المسجد ذات يوم ندعوا الله ونذكره، إذ خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم، حتى جلس إلينا، فسكتنا، فقال: عودوا للذي كنتم فيه، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعائنا ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي، وأسألك علماً لا ينسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آمين" فقلنا: يا رسول الله، ونحن نسأل الله علماً لا ينسى، فقال: "سبقكما بها الدوسي".(1)
    وكان هذا يمثل اهتماماً منه صلى الله عليه وسلم بأداء ما كان يحمله من العلم والهدي إلى من كانوا أكثر استعداداً للتلقي
    والحفظ من شباب الصحابة رضي الله عنهم، كل حسب استعداده وما هو ميسر له.
    4- أسئلته للنبي صلى الله عليه وسلم: إذا كانت الأسئلة كما قيل: مفاتيح العلم، فإن أبا هريرة كان من المكثرين لها الجريئين عليها
    إذ كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عما يرى أنه محتاج للسؤال، طلباً للعلم،
    ___________________
    (1) الحاكم: المستدرك 3/508.


    واستزادة للمعرفة من نبعها الصافي، ومصدرها الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك سؤاله عن أسعد الناس بشفاعته صلى الله عليه وسلم، يوم القيامة، بقوله: يا نبي الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: "لقد ظننت أن لا يسألني عن الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصة من قبل نفسه".(1)
    وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان أبو هريرة جريئاً على النبي صلى الله عليه وسلم، يسأله عن أشياء لا نسأله عنها.
    وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رجل لابن عمر: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عمر: أعيذك بالله أن تكون في شك مما يجئ به، ولكنه اجترأ وجبنا. (2)

    5 روايته عن كثير من الصحابة رضي الله عنهم: ثبتت الرواية لأبي هريرة رضي الله عنه عن كثير من الصحابة رضي الله عنهم، كأبي بكر، وعمر، والفضل ابن العباس، وأبي بن كعب، وأسامة بن زيد، وعائشة، وسهل بن سعد الساعدي، ونضرة بن أبي نضرة وغيرهم.
    إلى جانب ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، وكان يروي أحياناً عمن هو أقل منه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى عن سهل سعد الساعدي رضي الله عنه أن قال: قال رســول الله
    _______________
    (1) أحمد: المسند17/35-36، والبخاري بفتح الباري 1/193، واللفظ لأحمد.
    (2) الحاكم: المستدرك 3/510، وحذيفة: هو ابن اليمان رضي الله عنه وقوله: جبنا، أي هبنا سؤال النبي صلى الله عليه وسلم.

    صلى الله عليه وسلم: "لا يشهرن أحدكم على أخيه السيف لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من حفر النار".
    قال أبو هريرة: سمعته من سهل بن سعد الساعدي سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1)
    وقد أسهم ما رواه عن الصحابة رضي الله عنهم في زيادة عدد ما روي عنه من روايات، الأمر الذي جهله أو تجاهله من استكثر على أبي هريرة ما روى من روايات.
    6 تأخر وفاته وحاجةالناس إلى علمه، وكثرة الرواة عنه: كان أبو هريرة رضي الله عنه من القلائل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين امتد بهم العمر إلى ما بعد سنة خمسين من الهجرة، واحتاج الناس إلى علمهم والرجوع إليهم فيما أشكل عليهم من أمور، ولما كان من أكثر الصحابة حفظاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجمعاً له، واستعداداً لبذله، كان حرياً أن يقبل عليه طلاب العلم وعشاق المعرفة، وحماة الدين من صحابة وتابعين رضي الله عنهم، حيث روى عنه نحو ثمانية وعشرين من كبار الصحابة وصغارهم، كزيد بن ثابت، وأبي أيوب الأنصاري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعائشة، وغيرهم رضي الله عنهم، كما روى عنه وتتلمذ عليه مئات من التابعين، رضي الله عنهم.
    _________________
    (1) الحاكم: المستدرك 3/512-513.





  8. #8
    مراقبة الأقسام العامة
    أمـــة الله غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 15
    تاريخ التسجيل : 1 - 10 - 2007
    الدين : الإسلام
    الجنـس : أنثى
    المشاركات : 14,900
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    التقييم : 10
    معدل تقييم المستوى : 33

    افتراضي



    قال البخاري : روى عنه ثمانمائة نفس، أو أكثر.
    وقال الحاكم: بلغ عدد من روى عن أبي هريرة من الصحابة ثمانية وعشرين رجلاً، فأما التابعون فليس فيهم أجل ولا أشهر

    ولا أشرف وأعلم من أصحاب أبي هريرة، وذكرهم في هذا الموضع يطول لكثرتهم.(2)

    ولم يتوفر فيما أعلم لغيره من رواة الصحابة رضي الله عنهم، مثل هذا العدد من الرواة والناقلين لعلمهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما لا شك فيه أن مثل هذا العدد الوفير قد ساعد كثيراً على نقل مروياته وإبقائها حية ومتداولة بين أكبر عدد من الرواة والنقلة، حتى دونت مع غيرها من الروايات الحديثة الأخرى في كتب الحديث وأسفاره، بخلاف غيره من الصحابة الذين قلت الرواية عنهم، لتقدم وفياتهم عنه نسبياً، أو لتحرج بعضهم عن الرواية، أو لغير ذلك مما أسلفنا من أسباب.
    7- تعدد طرق رواياته: لقد أسهم طرق بعض رواياته إلى حد ما في زيادة عدد ما نسب إليه من روايات، ومن يطلع على رواياته في مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، التي بلغ عددها بشرح الشيخ: أحمد محمد شاكر رحمه الله (3848) رواية يرى أن ما يقرب من ثلثها قد تكررت روايتها فيه، لزيادة راو أو تغير صيغة أداء في السند، أو زيادة لفظ في المتن، فأدى ذلك إلى عد الرواية الواحدة في الواقع: روايتين أو أكثر حسب عدد تكررها، وهذا ما فعله المرقمون لمسند أحمد، وهم معذورون في ذلك، لأسباب فنية حديثة معروفة لدى أهل هذا العلم.
    __________________
    (1) الذهبي: تذكرة الحفاظ 1/36، وابن حجر:الإصابة 4/205.
    (2) الحاكم: المستدرك 3/513.


    8 مشاركة كثير من الصحابة له فيما روى من روايات:
    إن من يطلع على كتب الحديث المعتمدة والمتداولة اليوم بين المسلمين، ويتتبع فيها روايات أبي هريرة رضي الله عنه، يجد أن أكثرها قد شاركه في روايتها

    صحابي أو أكثر، ولا سيما التي كانت مثار اعتراض أو طعن من قبل أهل الأهواء والبدع، وغيرهم ممن لا خبرة لهم بما تصح به الأحاديث، وما لا تصح.

    9 كثرة عدد الرواة عنه:
    إن رواية الكثيرين عنه من الصحابة وثقات التابعين رضي الله عنهم، الذين زاد عددهم على ثمانمائة راو كما تقدم قريباً، واعتماد من بعدهم من علماء الأمة وفقهائها ومجتهديها على رواياته التي صحت نسبتها إليه إلى جانب ما صحت نسبتها إلى الصحابة الآخرين رضي الله عنهم من روايات، لأدل وخير شاهد على عدالته رضي الله عنه، وأمانته فيما روى ونقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما تقدم يتضح لمن صفت سرائرهم واستنارت عقولهم، أن الكثرة النسبية لرواياته المسندة الصحيحة: كثرة طبيعية، أسهمت في تحقيقها وإبرازها العوامل التي أوردناها في الرد على هذه الشبهة وغيرها من العوامل المساعدة، التي صاحبت حياته واتسمت بها شخصيته من صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى وفاته رضي الله عنه.
    كما يتضح وبجلاء زيف هذه الشبهة، وأن منشأها إن لم يكن الجهل المجرد، فهو الهوى، أو هما معاً، ونعوذ بالله منهما.







  9. #9
    مراقبة الأقسام العامة
    أمـــة الله غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 15
    تاريخ التسجيل : 1 - 10 - 2007
    الدين : الإسلام
    الجنـس : أنثى
    المشاركات : 14,900
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    التقييم : 10
    معدل تقييم المستوى : 33

    افتراضي


    الشبهة الثانية
    استدراك بعض الصحابة عليه

    ذهب البعض ممن لا خبرة لهم بطبيعة استدراك بعض الصحابة رضي الله عنهم على بعض، إلى القول: بضعف ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه
    أو ضعف ما استدرك عليه خاصة، وذلك لأنه قد استدرك عليه من قبل عائشة وابن عمر رضي الله عنهما.

    ويجاب عن هذه الشبهة بما يأتي:
    1 إن استدراك عائشة وابن عمر رضي الله عنهما عليه كان من الأمور التي اقتضتها طبيعة الحوار العلمي، والمذاكرة التي كانت تحصل بين الصحابة رضي الله عنهم أحياناً، إذ قد استدرك أكثر من صحابي على غيره رواية أو مسألة علمية، فأقنع صاحبه بها، أو اقتنع هو بما عند صاحبه فيها، وهذا أمر معروف عند العلماء، ولا سيما المحدثين منهم، وهو لا يؤثر في عدالة المستدرك عليه ولا في أمانته، كما لا تؤثر مخالفة الثقة لثقة مثله: في عدالتهما، أو فيما يرويان من روايات.

    وكان استدراك عائشة وابن عمر رضي الله عنهما على أبي هريرة يسير في هذا الإطار.
    - إن استدراك عائشة رضي الله عنها عليه مستفاد مما روي أنها دعت أبا هريرة، فقالت له: يا أبا هريرة ما هذه الأحاديث التي تبلغنا أنك تحدث بها عن النبي صلى الله عليه وسلم، هل سمعت إلا ما سمعنا، وهل رأيت إلا ما رأينا؟ قال : يا أماه إنه كان يشغلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المرآة والمكحلة والتصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني والله ما كان يشغلني عنه شئ.(1)
    ففي هذا الحديث نرى أبا هريرة رضي الله عنه يجيب عائشة رضي الله عنها على تساؤلاتها بما يبدو أنها قد اقتنعت به، إذ لم ترد أو تعلق عليه بشئ، لما فيه من صراحة وواقعية يسلم بها ذوو النفوس الكريمة والمقاصد السليمة.

    وبهذا يتضح أن استدراكها ما هو إلا تساؤل أرادت منه الجواب عليه، فلما أجابها بما أجابها به، عرفت أن عنده ما ليس عندها، وأنه قد سمع ما لم تسمعه
    ورأى ما لم تره، نظراً لملازمته التامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وانشغالها رضي الله عنهما بما تنشغل به النساء المتزوجات عادة.
    ومما يؤكد عدم انشغاله رضي الله عنه بغير السماع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما تقدم عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، أنه دخل عليه رجل، فقال: يا أبا محمد والله ما ندري هذا الغلام اليماني أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم أم أنتم؟ فقال طلحة: والله ما يشك أنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إن كنا قوماً أغنياء لنا بيوت وأهلون، كنا نأتي نبي الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار، ثم نرجع وكان أبو هريرة رضي الله عنه مسكيناً لا مال له ولا أهل ولا ولد، إنما كانت يده مع يد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يدور معه حيث ما دار، ولا نشك أنه قد علم ما لم نعلم، وسـمع ما لم

    (1) الحاكم: المستدرك 3/509، وقال صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي عليه ويراد بالاستدراك هنا: الاعتراض، لا الاستدراك الاصطلاحي
    وهو استدراك إمام على إمام: أحاديث لم يخرجها في كتابه، مع وجود شرطه فيها، وذلك مثل ما فعل الحاكم في المستدرك على الصحيحين.

    ولم يتهمه أحد منا أنه تقوّل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل. (1)
    3 وأما استدراك ابن عمر رضي الله عنهما عليه، فهو اعتراضه عليه في حديث (اتباع الجنازة) وهو ما روي أنه مرّ بأبي هريرة رضي الله عنه، وهو يحدث عن النبي صلى الله عليه سلم: "من تبع جنازة فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان، القيراط أعظم من أحد" فقال ابن عمر: يا أبا هريرة: انظر ما تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق إلى عائشة رضي الله عنها، فقال لهاك يا أم المؤمنين أنشــدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من تبع جنازة، فصلى عليها فله قيراط، وإن شهد دفنها فله قيراطان؟" فقالت: اللهم نعم.
    فقال أبو هريرة: إنه لم يكن يشغلنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس، ولا صفق بالأسواق، إنما كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة يعلمنيها، أو أكلة يطعمنيها، فقال ابن عمر: يا أبا هريرة كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلمنا بحديثه.(2)

    4 هذا ولم يكن أبو هريرة رضي الله عنه هو الصحابي الوحيد الذي استدرك عليه من قبل بعض إخوانه من الصحابة، وإنما قد استدرك على غيره

    فقد استدركت عائشة رضي الله عنها على ابن عمر وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، كما استدرك بعضهم عليها، وهو أمر معروف
    ____________________
    (1) الحاكم 3/511-512.
    (2) أحمد: المسند 19/121، والحاكم: المستدرك 3/510-511، واللفظ له، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي عليه والغرس: يراد به غرس صغار النخل، إشارة إلى انشغالهم بالبساتين والضيعات عن الملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم.
    عندالعلماء كما أسلفنا ليس هذا موضع بسطه.

    ومما تقدم يتأكد لنا: أن استدراك بعض الصحابة على بعض لم يترتب عليه تكذيب للمستدرك عليه

    ولا خدش لعدالته، أو انتقاص لأمانته، كما توهم الجاهلون ذلك.






  10. #10
    مراقبة الأقسام العامة
    أمـــة الله غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 15
    تاريخ التسجيل : 1 - 10 - 2007
    الدين : الإسلام
    الجنـس : أنثى
    المشاركات : 14,900
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    التقييم : 10
    معدل تقييم المستوى : 33

    افتراضي



    الشبهة الثالثة
    اهتمامه بشبع بطنه
    اتهم البعض أبا هريرة رضي الله عنه بالاهتمام بشبع بطنه، وأنه ما صحب النبي صلى الله عليه وسلم إلا لذلك، معولاً في شبهته هذه على ما روي من قوله: "كنت أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ملء بطني"، وقوله: "كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة يعلمنيها، أو أكلة يطعمنيها" وما في معناهما من عبارات.

    وهذا اتهام باطل أيضاً من وجوه:
    1- عدم فهم صاحب هذه الشبهة لمراد أبي هريرة رضي الله عنه من قوله: كنت أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ملء بطني، وما في معناه، وعدم معرفته بما دفعه إلى هذا القول، وذلك لأن مراد أبي هريرة من ذكره لشبع بطنه فيما روي عنه من روايات هو: بيان تفرغه التام لملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفظه لما سمعه منه، وأنه لم يشغله عن ذلك شاغل، حتى لقمة العيش التي قد تشغل غيره، حيث وجدها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه ما قال ذلك عبثاً أو سذاجة، كما زعم البعض، وإنما أراد به الرد علي من قالوا: إن أبا هريرة قد أكثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يفهم من قوله: "إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله الموعد، إني كنت امرأً مسكيناً، أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهمالحديث".(1)


    (1) البخاري 4/247: كتاب البيوع، ومسلم بشرح النووي16/52-53 واللفظ للبخاري، والصفق: هو صوت وضع اليد باليد عند التبايع.
    ومن رده الذي تقدم قريباً على استدراك ابن عمر رضي الله عنهما عليه بقوله: "لم يكن يشغلنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس، ولا صفق بالأسواق، إنما كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة يعلمنيها، أو أكلة يطعمنيها".
    1- لو كان همه إشباع بطنه لكان بإمكانه البحث عنه عند أمير من أمراء اليمن، أو رئيس قبيلة من قبائلها، يعمل عنده بزراعة، أو رعي مواش، أو غير ذلك، ولوفر على نفسه عناء السفر، وترك الأهل والعشيرة والبلد، وبالهجرة من اليمن إلى الحجاز، إلى رجل لم يكن ملكاً، أو ذا سلطان أو مال يومها، ولم يكن قد تخلص من أعدائه الثلاثة المتربصين به الدوائر: المشركين في مكة وغيرها، والمنافقين في المدينة وحولها، واليهود المجاورين لها، وكانت احتمالات النصر والهزيمة كلها واردة في المقاييس البشرية والمادية.

    ولم تغب هذه الاحتمالات عن ذهب أبي هريرة الشاب الفطن واليماني الحكيم، وهو يحث رحاله نحو المدينة، نحو النور الذي شع فيها: ملبياً دعوة الحق، دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعوة الإيمان بالله الواحد الأحد، وقد شهد بعد وصوله المدينة بيومين أو ثلاثة: غزوة خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.(1)
    وشهد معه المشاهد بعدها، ولازمه حتى وفاته، وحفظ منه لم يحفظه كثيرون سواه، ممن تشرفوا بصحبته صلى الله عليه وسلم، نعم يحث رحاله متوجهاً إلى طيبة وهو ينشد:
    __________________________________
    (1) البخاري 5/74.

    يا ليلة من طولها وعنائها على أنها من دارة الكفر نجت (1)
    1- لو كان همه إشباع بطنه، لترك ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم، وبحث عمن يشبعها له من موسري الصحابة رضي الله عنه أو غيرهم من أهل المدينة، بعمل أو غيره إذا لم يتيسر له إشباعها في أكثر أيام ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم، إذا كان لا يحصل في بعض الأيام على أكثر من تمرة أو تمرتين، أو شربة لبن، أو ما قارب ذلك، فقد روي عنه أنه قال: خرجت يوماً من بيتي إلىالمسجد فوجدت نفراً، فقالوا: ما أخرجك؟ قلت : الجوع فقالوا: ونحن والله ما أخرجنا إلا الجوع، فقمنا فدخلنا على رسول الله، فقال: "ما جاء بكم هذه الساعة"؟ فأخبرناه فدعا بطبق فيه تمر، فأعطى كل رجل منا تمرتين، فقال:"كلوا هاتين التمرتين واشربوا عليهما من الماء فإنهما ستجزيانكم يومكم هذا".(2)
    كما روي عنه أنه قد أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم قدح لبن، فأمره أن يدعو أهل الصفة، وكان عريفهم، فدعاهم فلما جلسوا قال:" خذا يا أبا هريرة فأعطهم"، فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى يروى، حتى أتيت على جميعهم، وناولته رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع رأسه إلى مبتسماً، وقال:"بقيت أنا وأنت" قال: "فاشرب"، فشــربت، قال:"اشرب"،
    __________________________
    (1) أبو نعيم: الحلية 1/379، وابن كثير: البداية والنهاية 8/107.
    (2) الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/592.

    فشربت، فما زال يقول "اشرب" فأشرب، حتى قلت: والذي بعثك بالحق ما أجد لها مساغاً، فأخذ فشرب الفضلة". (1)
    وهذه الرواية مع ما دلت عليه من أمور عظيمة، كزيادة اللبن ببركة النبي صلى الله عليه وسلم، وعنايته بفقراء المسلمينن وتقديمه
    لهم بالشرب على نفسه، وفرحه بشبعهم، وضربه المثل الأروع في ذلك، فإنها دلت أيضاً على مدى ما كانوا يعانون من جوع وحاجة، ومنهم:
    أبو هريرة المتهم بالاهتمام بشبع بطنه، بل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يشبع ثلاث ليال تباعاً، فقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعاً حتى قبض، وعنها قالت: كان يأتي علينا الشهر ما نوقد ناراً، إنما هو التمر والماء. (2)

    وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال:"ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى قرحت أشداقنا".(3)
    وإذا كان هذا هو حال النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته الكرام، فكيف حال أبي هريرة من على شاكلته؟، وهل مثله وهو في هذه الحال يتهم بالاهتمام بإشباع بطنه؟ وماذا يفيده الاهتمام بذلك مع عدم وجود أو قلة ما يقدمه لها لتشبع؟؟؟
    ________________________________
    (1) تقدمت هذه الرواية في فقرة: حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تقدم التعريف بالصفة وأهلها هناك.
    (2) البخاري 7/181.
    (3) أبو نعيم: الحلية 1/93.

    4 لو كان مهتما بشبع بطنه أو بغيره من أعراض الدنيا، لأخذ كغيره شيئاً من الغنائم التي عرضها عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن سعد بن أبي هند عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:"ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك"؟ قلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله؟ فنزع نمرة كانت على ظهري، فبسطها بيني وبينه، حتى كأني أنظر إلى النمل يدب عليها، فحدثني حتى استوعبت حديثه قال:"اجمعها فصرها إليك" فأصبحت لا أسقط حرفاً مما حدثني.(1)
    فأين كان هم أبي هريرة متجهاً إلى إشباع بطنه أم إلى العلم والتحصيل؟ قاتل الله الهوى إذا استبد بصاحبه أعمى بصره وبصيرته عن رؤية الحق وقوله.

    5 إن ذكره لما عاناه من جوع وفاقة، كان حرياً بأن يقدر له، لا أن يفسر تفسيراً مادياً نفعياً تافهاً، لما يدل عليه من واقعية وعدم إنكار لماضيه، أعانه على التواضع وعلى استشعار نعم الله تعالى عليه، وشكره عليها بعد أن وسع الله تعالى عليه، ورفع ذكره، وأعلى قدره بالإسلام والعلم والفضل، حيث نراه يلهج بحمد الله تعالى والثناء عليه كثيراً، من ذلك قوله:"الحمد لله الذي جعل الدين قواماً، وجعل أبا هريرة إماماً، بعد أن كان أجيراً الحديث".(2)
    وقوله:"الحمد لله الذي علم أبا هريرة القرآن، الحمد لله الذي منّ على أبي هريرة بمحمد صلى الله عليه وسلمالحديث.(3)
    وبهذا يتضح لنا بطلان هذه الشبهة، وأن أبا هريرة ما صحب النبي صلى الله عليه وسلم لشبع بطنه، كما زعم الزاعمون، وإنما صحبه:
    إيماناً به، وحباً له، ورغبة في جمع ما جمع منه من علم وهدى ونور.

    _______________________________
    (1) أبو نعيم: الحلية 1/381، والذهبي: سير أعلام النبلاء 2/594.
    (2) ابن كثير: البداية والنهاية 8/113.
    (1) أبو نعيم: الحلية 1/383.





 

صفحة 2 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. أقوال كبار رجال دوله إسرائيل
    بواسطة قاصِف في المنتدى منتدى التاريخ
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 2011-04-26, 01:08 AM
  2. شبهة من حاقد حول أبى هريرة
    بواسطة التائب في المنتدى الرد على الإفتراءات حول السنة النبوية
    مشاركات: 33
    آخر مشاركة: 2010-07-23, 11:55 AM
  3. لماذا التمسك بالأحاديث الباطلة ألا يكفيكم المتواتر و الصحيح؟
    بواسطة الصارم الصقيل في المنتدى الأحاديث الموضوعة والقصص والواهية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 2010-06-03, 09:40 AM
  4. خوله بنت الأزور
    بواسطة بنت خويلد في المنتدى منتدى التاريخ
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 2008-04-05, 02:14 PM
  5. ابو هريرة رضي الله عنه
    بواسطة زنبقة الاسلام في المنتدى منتدى التاريخ
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 2008-02-23, 01:46 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
RSS RSS 2.0 XML MAP HTML