المطلق العلمانى الشامل
كل نسق معرفي يدور حول مطلق بمعنى «ركيزة نهائية» أو «أساس نهائي». ويمكن تعريف المطلق بأنه المركز الذي يتجاوز كل الأجزاء ولا يتجاوزه شيء، وبأنه ما يؤدي وجوده إلى تماسك أجزاء النسق، فهو مصدر الوحدة والتناسق، وهو الركيزة النهائية للنسق أو الصورة المجازية والمبدأ الواحد والمرجعية النهائية والميتافيزيقا المسبقة. والمطلق في المنظومات الكمونية هو مركز الكون الكامن فيه. وأي نسق فلسفي لابد أن يكون له مركز يشكل مطلقه ويقبله أتباع هذا النسق دون تساؤل بشأنه ودون نقاش.
والأنساق الفكرية العلمانية (وهي أنساق كمونية) قد تنكر أية نقطة مرجعية متجاوزة لهذه الدنيا، إلا أنها تستند إلى ركيزة أساسية ومرجعية نهائية كامنة في المادة (الطبيعة أو الإنسان أو التاريخ)، ولذا فهي مرجعية نهائية مادية، مركز مطلق أو مركز يشكل مصدر التماسك في الكون والمجتمـع ويـزوده بالهـدف والغاية ويشـكل أسـاس وحـدته ويتجاوز كل الأجزاء (من الناحية التفسيرية) وإن كان لا يتجاوزها أنطولوجياً بسبب كمونه فيها. هذا المطلق في أقصى درجات تعميمه هو المبدأ الواحد. وقد يأخذ أشكالاً كثيرة، ولكنه في التحلـيل النهائي هو الطبيـعة، التي نشـير إليهـا عادةً بـ «الطبيعة/المادة».
وهذا المطلق العلماني الأساسي الكامن هو وحده المطلق النهائي، هو وحده الثابت وما عداه متغيِّر، مجرد تنويعات عليه. فيقول المرء: "قانون الطبيعة أو قانون الحركة هو كذا" أو يقول: "إننا توصلنا إلى كذا وهو ما يتفق مع القوانين الطبيعية/المادية" ـ ومن هنا الحديث عن «الإنسان الطبيعي»، أي «الإنسان الطبيعي المادي» الذي يعيش حسب قوانين الطبيعة/المادة ويستمد منها وحدها المعرفة والقيم الأخلاقية والجمالية. وقد عبَّر هذا المطلق النهائي (هذه المرجعية النهائية المادية الكامنة) عن نفسه في بداية الأمر بشكل واضح مباشر، فكان هوبز يشير إلى الدولة/التنين، وإلى الأخلاقيات الذئبية للإنسان باعتبارها تعبيراً عن الطبيعة/المادة، كما تحدث لوك عن عقل الإنسان والصفحة البيضاء التي لا تختلف عن الطبيعة/المادة في أي شيء، وقام كثير من فلاسفة الاستنارة بمحاولة رؤية الإنسان باعتباره آلة وحسب، وقد بسَّط بنتام المنظومة الأخلاقية وجعلها تدور حول المنفعة واللذة بشكل آلي. ويمكن أن نضم إلى هؤلاء دعاة النظرية العرْقية الغربية التي زودت الإمبريالية الغربية بإطار نظري لإبادة الملايين، إذ ترى هذه النظرية أن ما يميِّز البشر ومرجعيتهم النهائية (المادية الكامنة) هو انتماؤهم العرْقي (الطبيعي/المادي) ومن ثم يمكن تفسير تفاوتهم بالعودة إلى القوانين البيولوجية (الطبيعية/المادية).
المفضلات