البابالسادس: إشكالية التعاون بين أعضاء الجماعات اليهودية والنازيين
التعاون بين بعض أعضاء الجماعات اليهـودية والنازيـين
Collaboration between Some Members of the Jewish Communities and the Nazis
من الموضوعات التي لميتم بحثها بالقدر الكافي، لأسباب معروفة، قضية تورُّط بعض أعضاء الجماعات اليهودية (من الصهاينة وغير الصهاينة) في علاقة تعاون وثيقة مع النازيين. وقد أخذ هذاالتعاون أشكالاً كثيرة من بينها عدم الاشتراك في المقاومة أو التعاون الاقتصاديوالثقافي مع النازيين. ولكن أهم أشكال التعاون وأوثقها هو التعاون المؤسَّسي بينالمستوطنين الصهاينة والنظام النازي والنظام الفاشي الذي أخذ شكل معاهدة الهعفراه. ومن أهم الشخصيات الصهيونية التي تعاونت مع النازي ألفريد نوسيج.
مقاومة الجماعات اليهودية للنازية
Jewish Resistance to Nazism
يُثير بعض الدارسين تساؤلاً بخصوص المقاومة اليهودية والصهيونية للنازيين، وهيمسألة خلافية مركبة. ومما يجدر ذكره أنه حين استولى هتلر على السلطة عام 1933، ظلتهناك جيوب رافضة داخل المجتمع الألماني صعَّدت المقاومة ضده من منظور ليبرالي. كماكانت هناك حركة مقاومة ثورية نظمتها الأحزاب الشيوعية والاشتراكية، فالنازية حركةشمولية تقف ضد مصلحة الطبقة العاملة. كما كانت هناك مقاومة من منظور يميني تدعمهاقطاعات معينة من الرأسمالية الألمانية الكبيرة. وكانت هناك أيضاً مقاومة من منظورتقليدي أرستقراطي باعتبار أن النازية تقضي على امتيازات الطبقة الأرستقراطيةالألمانية التقليدية ومكانتها. إذ كانت النازية، على مستوى من المستويات، عمليةتحديث سريعة وراديكالية تمت تحت إشراف عناصر من البورجوازية الصغيرة لا تحترمالتقاليد وتقضي على سائر الخصوصيات وتحاول أن تنجز في عشرة أعوام ما أنجزته أوربافي مئات الأعوام. وقد تمركزت المقاومة التقليدية في الجيش ووزارة الخارجيـة، وكانايضمـان أعـداداً كبيرة من أعضاء الطبقة الأرستقراطية. وبالمثل قام البولنديون بحركةمقاومة عنيفة ضد النازيين، هذا بخلاف حركات المقاومة في فرنسا وغيرها من الدول.
وقد بيَّن كثير من الكُتَّاب أنه لم تنشـأ أية مقاومـة يهودية في أرجاءأوربا، مع أن مثل هذه المقاومة كان بوسعها أن تصيب آلة الإبادة النازية بالشلل أوتحد من سرعتها أو تعطلها،خصوصاً أنها كانت مرهَقَة.ولم تبدأ المقاومة اليهوديةجدياً في وارسو،التي كان 45 في المائة من سكانها من اليهود، إلا في أوائل عام 1943،عندما بدأت موازين القوى تميل لصالح الحلفاء وحين قررت برلين تدمير حارة اليهود،وكان الوقت قد فات على إنقاذ نزلاء المعسكرات.
ومن الأسباب الأساسية التييطرحها البعض لتفسير ضعف المقاومة اليهودية رغم الشراسة النازية هو الموقفالصهيوني، إذ يبدو أن الصهاينة لم يبدوا حماساً كبيراً في حربهم ضد النازية، وكانواغير مكترثين بالمقاومة ضد النازيين. وفي مجال هجومه على المشروع الصهيوني، حذرالمفكر الاشتراكي كارل كاوتسكي من الآثار الضارة للصهيونية التي توجه جهود اليهودوثرواتهم إلى الاتجاه الخاطئ (الاستيطان في فلسطين) في وقت تتقرر فيه مصائرهم فيمسرح مختلف تماماً (أوربا وألمانيا) حيث يجب عليهم أن يركزوا فيه كل قواهم. وكانكاوتسكي يشير بذلك إلى أن ملايين اليهود في شرق أوربا (بين ثمانية وعشرة ملايين) لميكن من الممكن تهجيرهم إلى فلسطين. وبدلاً من تنظيمهم وتوجيه طاقاتهم، حتى يكونوامهيئين للدفاع عن أنفسهم حينما تقع الواقعة، كانت القيادات الصهيونية تركز علىتهجير بضع مئات منهم إلى أرض الميعاد.
ولكن الاعتبارات الصهيونية كانتمختلفة تمام الاختلاف عن ذلك، إذ قرر الصهاينة اتخاذ موقف الحياد من المقاومة،باعتبار أن اليهود لهم مصالحهم وحروبهم المختلفة، وأن هدفهم الوحيد هو تأسيس الدولةالصهيونية. ولذا نادى كثير من الصهاينة بعدم الاشتراك في الحركات المعادية للنازيةوالفاشية. وقد بيَّن ماريك إيديلمان، أحد قواد تمرد جيتو وارسو، في حديث له مع مجلةهآرتس أن الأبطال الحقيقيين للمقاومة كانوا أعضاء حزب البوند واليهود المعادينللصهيونية والشيوعيين والتروتسكيين والصهاينة اليساريين، أما أعضاء التيار الصهيونيالأساسي فكان موقفهم هو موقف الحياد إياه. وكلما كان النضال ضد النازية يزدادضراوة، كان الصهاينة يزدادون ابتعاداً عن بقية اليهود. ومن المعروف أن القواتالنازية كانت تقيم مجالس لليهود في البلاد التي تحتلها بعد حل كل التنظيماتاليهودية، ويُقال إن أغلبية أعضاء هذه المجالس كانوا من الصهاينة (وإن كان هذايحتاج إلى مزيد من التمحيص). ومن الثابت تاريخياً أن المجالس اليهودية كانت أداةذات كفاءة عالية في إدارة عملية الإبادة.
وقد تعاون كثير من الأفراد اليهود (غير الصهاينة) مع النازيين، وهم في هذا لا يختلفون عن مئات الأوربيين الآخرينالذين كانوا مجرد موظفين ينفذون الأوامر التي تَصدُر إليهم. كما لم يكترث يهودفرنسا بنقل اليهود الذين ليسوا من أصل فرنسي، تماماً مثلما أظهر يهود ألمانيا عدماكتراث بنقل اليهود الأوست يودين (أي يهود شرق أوربا). بل إن بعض الكُتَّاب اليهودأثاروا قضية دور الحاخامات في أوربا وفشلهم في قيادة حركة المقاومة. ومن المعروف أنقساً كاثوليكياً وواعظاً بروتستانتياً تطوعا للذهاب مع المرحلين إلى معسكراتالاعـتقال، بينما لم تلعب الحاخاميـة دوراً مماثلاً.
والموضوع، كما أسلفنا،خلافي للغاية، فثمة نظرية تذهب إلى أن المقاومة لم تكن على أية حال لتجدي فتيلاً،وذلك لأن الأغلبية الساحقة من الشعب الألماني لم تكن تمانع في الإبادة، كما أن آلةالحرب والمخابرات والإبادة الألمانية كانت على درجة عالية من الكفاءة والقدرة علىالفتك. ومن الممكن تطبيق نفس المقولة على هؤلاء الأغيار المتهمين بعدم مقاومةالنازي، فلعلهم توصلوا هم أيضاً إلى عدم جدوى المقاومة. ولكن هذا القول الذي ينطبقعلى الجماعة اليهودية في ألمانيا لا يسري بأية حال على يهود بولندا الذين كانوايُشـكِّلون كثافـة سـكانية لا بأس بها، وكان بوسعهم المقاومة والانضمام إلى الشعبالبولندي الذي كان يقاوم الغزو النازي.
ومن القضايا الأخرى التي تُثار فيهذا السياق موقف المستوطنين الصهاينة. فقد كانت إحدى دعاوى إقامة الدولة الصهيونيةأنها ستكون ملجأ لليهود يحميهم من هجمات الأغيار ومذابحهم. ولكن حينما دخلت قواتروميل حدود مصر وبدأت تتقدم نحو الإسكندرية، اكتشف المستوطنون الصهاينة عبثالمقاومة، بل ضعت بعض الكيبوتسات خطة للانتحار. والقدرة على الانتحار تختلف بشكلجوهري (في تصورنا) عن المقاومة والإنقاذ. ولكن ما يهمنا هنا هو الإشارة إلى أنالانتحار يفقد الجيب الصهيوني شرعيته كملجأ أخير ونهائي لليهود.
ويبدو أنيهود الولايات المتحدة (الذين يُشكِّلون أكبر جماعة يهودية في العالم) لم يلعبوادوراً فعالاً بما فيه الكفاية في محاولة حماية يهود ألمانيا. وقد حاولت إحدىالمنظمات اليهودية الأمريكية، عام 1981، فتح ملف تقصير الجماعة اليهودية فيالولايات المتحدة، ولكنها أغلقته بسرعة بدعوى أن الموضوع محرج ومؤلم، وهو كذلكبالفعل. لكن هذا لا يبرر إغلاق التحقيق، وخصوصاً أن الاتهامات الصهيونية للحكومةالأمريكية والفاتيكان والكنيسة بالتقصير لم تتوقف.
المفضلات