احتلت الصين تركستان الشرقية للمرة الأولى عام 1760، بعد معارك طاحنة بين حكام هذه المنطقة الإسلامية، وطوفان الجيوش الصينية النظامية، ونجم عن تلك الحرب مقتل مئات الآلاف من المسلمين، فضلا عن الذين ذبحوا بأيدي القوات الصينية. ورغم ذلك، لم يلقِ المسلمون التركستانيون سلاحهم، ولم تهدأ ثائرتهم، على مدى مائة عام، حتى استطاعوا تحرير بلادهم، بعد جهاد مرير، وتضحيات جسيمة، وبالتالي، الاعلان عن قيام دولة إسلامية في هذا الإقليم عام 1863.
في ظل روسيا القيصرية
وقد تزامن قيام تلك الدولة التركستانية مع ظهور روسيا القيصرية، كقوة عظمى طامحة، في الشمال، بعد ضمها لإقليم القوقاز بالكامل، وتحقيق حلمها في الوصول إلى المياه الدافئة، في بحر قزوين والبحر الأسود، حيث كان اللعاب الروسي يسيل على ثروات هذه المنطقة التركستانية، ذات السهول الزراعية الخصبة وغير المتناهية، والثروة الرعوية الوافرة، والكثافة السكانية المنخفضة، فضلا عن النزعة الصليبية التي كانت هي القوة المحركة لسياسة القياصرة الروس. فقد اتفقت السياستان الروسية والصينية، آنذاك، على ضرورة القضاء على هذه الدولة التركستانية المسلمة، وهكذا وقعت تركستان كلها، بين فكي كماشة، القياصرة الروس من الشمال، والصينيون من الشرق والجنوب، ونتيجة لذلك، فقد احتلت الصين تركستان الشرقية، مرة أخرى، عام 1876، أي بعد أقل من 14 من تحريرها، وذلك بمساعدة بريطانيا، الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس، آنذاك.
وفي سنة 1881م، أبرمت الصين مع روسيا معاهدة لتقسيم هذه المنطقة الشاسعة بينهما، مع تجاهل تام لسكانها، وكأنهم دواب تسير على ظهرها، وليس لهم طموحات أو تطلعات، فأصبحت تركستان الشرقية منذ العام 1884م، تابعة رسميا وبصورة قسرية للصين، تحت مسمى جديد هو "شينغيانع" ومعناها بالصينية "الوطن الجديد". بينما أصبحت تركستان الغربية تابعة رسميا لروسيا القيصرية، بصورة قسرية، تحت مسمى جديد هو آسيا الوسطى، واختفى نهائيا اسم بلاد ما وراء النهر، الذي عرفت به هذه البلاد طوال تاريخها الإسلامي، وذلك رغم خنوع السلطات الصينية للأوروبيين، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وحتى منتصف القرن العشرين. ويرجع سبب تحالف الروس القياصرة مع الصينيين، ليس فقط لأن كل منهما مشبع بالعداوة للإسلام، ولكن لما بات يعرف باسم النبوءة المزعجة، التي تنبأ بها الرحالة الروسي فاسيليف، الذي زار الصين عام 1867 موفدا من القيصر، لتقصي أحوال الصين، فقد ذكر هذه الرحالة في تقريره أن الإسلام مهيأ لأن يصبح الدين القومي للإمبراطورية الصينية، ولأن يقلب تبعا لذلك ،الأوضاع السياسية في العالم الشرقي رأسا على عقب. وكان مما قاله:" إذا انتشر الإسلام في الصين، كما انتشر مذهب بوذا ينقلب العالم". وهذه النبوءة لم تزعج الروس فقط، وإنما أزعجت أيضا القوى الغربية والكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية. ومن هنا يأتي تواطؤ الانجليز والروس مع الصينيين، لإعادة احتلال الإقليم عام 1876، وأيضا هجمة الكنائس الغربية على الصين في تلك الفترة.
في ظل الاتحاد السوفيتي
واندلعت في عام 1931 ثورة إسلامية شملت أجزاء تركستان الشرقية كلها، واستطاعت أن تحرر اغلب أراضي الإقليم، وعلى رأسها مدن "كاشغر"، و"شانشان"، و "تورفان"، و "ِأورموش"، قاعدة تركستان الشرقية (حاليا)، وأعلنت الدولة الإسلامية المستقلة في 12-11-1933، تحت اسم "الجمهورية الإسلامية في تركستان الشرقية"، وقد اختير "خوجا نياز" رئيسًا للدولة، و"ثابت داملا" رئيسًا لمجلس الوزراء، وأصبحت مدينة " كاشغر" التاريخية، عاصمة للدولة، ولكن كما حدث سابقا، فقد قضى التحالف العسكري الروسي الصيني على هذه الجمهورية في مهدها، وذلك في آب 1937، بعد حربِ ضروس، انتهت باستشهاد رئيس الدولة، وإعدام جميع أعضاء الحكومة وقتل عشرة آلاف مسلم. وحصل الروس مقابل مساعدتهم للصين في خنق هذه الدولة، على العديد من الامتيازات في الإقليم، كحق التنقيب عن الثروات المعدنية، والحصول على الثروات الحيوانية، واستخدم عدد من الموظفين الروس في الخدمات الإدارية.
وقامت ثورة أخرى خلال الحرب العالمية الثانية، قادها عالم مسلم يدعى علي خان، واستطاعت بحلول عام 1944، تحرير ولايتي " تارباغاتي " و" آلتاي"، وقد أقيمت فيهما دولة تركستان الشرقية، التي اتخذت مدينة "إيلي" (غولجا) عاصمة لها، وسعت هذه الدولة إلى تحرير باقي أراضي تركستان الشرقية من الاحتلال الصيني، ولكنها اصطدمت مجددا بالتحالف الصيني الروسي، وذلك بعد أن ضُمت جمهوريات أوزبكستان وتركمانستان وطاجكستان وأذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان بالقوة إلى الاتحاد السوفيتي، خلال فترة حكم الطاغية الدموي ستالين (1924-1953) صاحب سياسة الستار الحديدي، والتطهير الديني، ومطاردة الحرف العربي([1]) ، فقد قام ستالين الذي شعر بالنشوة بعد انتصاره على الألمان في معركة ستالينغراد الحاسمة، في شباط 1943، بالتدخل عسكريا برا وجوا لصالح الصين، أثناء تلك الثورة الإسلامية، ونجح الروس وعملاؤهم، في اختطاف قائد الثورة، وأفسحوا بذلك المجال أمام جيش التحرير الشعبي الصيني، بقيادة الطاغية ماوتسي تونغ، لتحطيم هذه الدولة المستقلة عام 1949، وأفلحت الحكومتان الروسية والصينية في حمل الثوار التركستانيين على التخلي عن طموحهم في الحرية والاستقلال، والقبول بالصلح مع الصين، والانضواء تحت رايتها، مقابل الاعتراف بحقوقهم في إقامة حكومة تتمتع بالحكم الذاتي، يهيمن عليها الأويغور، أكبر الأقليات في الإقليم، ولم تؤد هذه السياسة إلا لبعث النعرة القومية في تركستان الشرقية، وبالتالي، تحول القضية، إلى قضية قومية، بعدما كانت قضية إسلامية، حتى ذلك الوقت[2].
في ظل روسيا الاتحادية
وقد توطد التحالف الصيني والروسي ضد المسلمين في تركستان بشطريها الشرقي والغربي، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وزوال الحكم الشيوعي الشمولي، عام 1991، وبالتالي حصول دول آسيا الوسطى (تركستان الغربية) على استقلالها، وهي كازاخستان، واوزباكستان، وتركمانستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان، إضافة إلى أذربيجان في جنوب القوقاز، رغم أن هذا الاستقلال لم يكن إلا استقلالا شكليا، وأيضا رغم استمرار الحرب على الإسلام بشكل علني وسافر من قبل أنظمة هذه البلدان، التي يهيمن عليها أيتام الحزب الشيوعي البائد، وتبعية هذه الأنظمة الواضحة للنظام الروسي الاتحادي، سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعسكريا، وصلاتها المشبوهة بالكيان الصهيوني[3]، واستمرارها في سياسة مسخ الشخصية الإسلامية لشعوب المنطقة. ففي غضون ذلك طرحت موسكو وبكين مشاكلهما السياسية والاقتصادية والعقائدية جانبا، وبادرتا بوضع حد للصراع الطويل على النفوذ بينهما، وأيضا للخلافات الحدودية المزمنة بينهما، والتي كادت تؤدي إلى حرب نووية بين الدولتين العظميين، عام 1969، ودخلا الجانبان، الروسي والصيني خلال الفترة (1991-1997)، في مفاوضات جدية وحاسمة لترسيم هذه الحدود البرية بينهما، والبالغ طولها 4300كم، وتوجت تلك المفاوضات بتوقيع العديد من المعاهدات والاتفاقيات، ومنها معاهدة الصداقة والتعاون عام 2001، بعد انتهاء حرب الشيشان، وصعود نجم الجزار بوتين، الذي أطلقت عليه الصحافة اسم (القيصر الجديد)، إشارة إلى طموحه في إعادة بعث روسيا القيصرية، كما تم التوقيع بين النظامين الروسي والصيني، على الاتفاقية النهائية لترسيم الحدود، في 14- 10- 2004، وبالتالي، إغلاق هذا الملف نهائيا. وكل ذلك، من أجل تنسيق جهودهما وتركيزها على توجيه سياسة دول وشعوب هذه المنطقة، وتقييد حريتها وإرادتها، وعلى رأس اهدافهما الإستراتيجية، ألا تقوم للإسلام قائمة فيها، على مقربة من حدودهما، وهذا الهدف تتوافق عليه كل القوى العظمى والإقليمية، القريبة والبعيدة، وهو مبعث ارتياح لكل من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والهند وإيران. ومن هنا يأتي الصمت الدولي، على محنة المسلمين في تركستان الشرقية، والتغاضي، إن لم يكن التواطؤ، عن كل الممارسات الوحشية، وسياسة معسكرات الاعتقال والتطهير الجماعية، التي تمارسها السلطات الصينية ضدهم، بشكل ممنهج، وبخاصة منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، وهو نفس الموقف الدولي، إزاء محنة المسلمين في فلسطين، بأيدي الصهاينة اللقطاء، وفي كل مكان تحت الشمس يضهد فيه المسلمون، وهذا حتى من قبل المنظمات التي تدعي الاهتمام بقضايا حقوق الإنسان. في حين تقف أنظمة الدول الإسلامية متفرجة ومكتوفة الأيدي.




. أحمد الظرافي 2020/07/18
شؤون العالم الاسلامي





[1] للمزيد حول سياسة ستالين في آسيا الوسطى، انظر مقال: ماذا جرى داخل السياج الحديدي (آسيا الوسطى وستالين) مجلة البيان، العدد 392 ربيع الآخر 1441هـ، والمعاد نشره في الموقع على الرابط: http://www.albayan.co.uk/Mobile/MGZa...2.aspx?ID=8896
[2] انظر مقال، تركستان الشرقية قضية إسلامية لا قومية، مجلة البيان، العدد 359، رجب 1438هـ، والمعاد نشره في الموقع على الرابط: http://www.albayan.co.uk/MGZarticle2.aspx?id=5693
[3] للتعرف على طبيعة هذا الاستقلال، أنظر مقال: دول آسيا الوسطى بعد ربع قرن من الاستقلال، موقع مجلة البيان الألكتروني 16-10-2018، الرابط: http://www.albayan.co.uk/mobile/article2.aspx?id=6415

. أحمد الظرافي 2020/07/18شؤون العالم الاسلامي

jv;sjhk hgavrdi: rwi ;thp lavt dtov fi ;g lsgl