المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عصمة الأنبياء في الإسلام



المهدي
2010-09-17, 11:15 PM
http://www.saudinokia.com/vb/images/uploads/30283_13566474404d6adaf9.gif
حين يقال ان العقيدة الاسلامية هي الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر وبالقضاء والقدر خيرهما وشرهما لا يعني انه لا توجد اشياء غيرها يجب الاعتقاد بها بل يعني ان هذه هي الاساس وهناك افكار اخرى تتعلق بالعقيدة منها عصمة الانبياء وهي داخلة تحت الايمان بالانبياء، ودليل عصمة الانبياء دليل عقلي وليس دليلا سمعياً لان ثبوت نبوة النبي ورسالة الرسول لمن ارسل اليهم عقلية تثبت بمعجزة محسوسة فكون النبي معصوما لا بد ان يكون عقليا لانه من مقتضيات ثبوت نبوة الانبياء والرسل فان عصمة الانبياء والرسل مسالة يحتمها العقل لان كونه نبيا او رسولا يحتم انه معصوم في التبليغ عن الله اذ لو تطرق الخلل الى امكانية عدم العصمة في مسالة واحدة لتطرق الخلل الى كل مسالة وحينئذ تنهار النبوة والرسالة كلها، فثبوت ان الشخص نبي لله او رسول من عند الله تعني انه معصوم فيما يبلغه عن الله فعصمته في التبليغ حتمية والكفر بها كفر بالرسالة التي جاء بها وبالنبوة التي بعث بها وعلى هذا فكل نبي او رسول معصوم عن الخطأ في التبليغ لان من صفات النبي او الرسول العصمة في التبليغ وهي من الصفات التي يحتم العقل وجودها في كل نبي ورسول
اما عصمة النبي والرسول عن الافعال المخالفة لاوامر الله ونواهيه فالدليل العقلي قائم على انه معصوم عن الكبائر حتما فلا يفعل كبيرة من الكبائر مطلقا لان فعل الكبيرة يعني ارتكاب المعصية والطاعة لا تتجزا والمعصية لا تتجزا فاذا تطرقت المعصية الى الفعل تطرقت الى التبليغ وهي تناقض الرسالة والنبوة ولذلك كان الانبياء والرسل معصومين عن الكبائر كما هم معصومون بالتبليغ عن الله اما العصمة عن الصغائر فقد اختلف العلماء فيها فمنهم من قال انهم غير معصومين عنها لانها ليست معصية ومنهم من قال انهم معصومون عنها لانها معصية.

والأنبياء وظيفتهم التبليغ عن الله تعالى مع كونهم بشرا ، ولذلك فهم بالنسبة للأمر المتعلق بالعصمة على حالين :
1- العصمة في تبيلغ الدين .

2- العصمة من الأخطاء البشرية .

أولاً : أما بالنسبة للأمر الأول ، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون في التبليغ عن الله تبارك وتعالى ، فلا يكتمون شيئاً مما أوحاه الله إليهم ، ولا يزيدون عليه من عند أنفسهم ، قال الله تعالى لنبيه محمد – صلى الله عليه وسلم – " يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " المائدة /67 ، وقال تعالى : " ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين " الحاقة /47 - 44 .

وقال تعالى : " وما هو على الغيب بضنين " التكوير /24 ، قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي – رحمه الله – في تفسير هذه الآية " وما هو على ما أوحاه الله إليه بشحيح ، يكتم بعضه ، بل هو – صلى الله عليه وسلم – أمين أهل السماء ، وأهل الأرض ، الذي بلغ رسالات ربه ، البلاغ المبين ، فلم يشح بشيء منه ، عن غني ولا فقير ، ولا رئيس ولا مرؤوس ، ولا ذكر ولا أنثى ، ولا حضري ولا بدوي ، ولذلك بعثه الله في أمة أمية جاهلة جهلاء ، فلم يمت – صلى الله عليه وسلم – حتى كانوا علماء ربانيين ، إليهم الغاية في العلوم ... " انتهى

فالنبي في تبليغه لدين ربه وشريعته لا يخطأ في شيء البتة لا كبير ولا قليل ، بل هو معصوم دائماً من الله تعالى .

ثانيا : بالنسبة للأنبياء كأناس يصدر منهم الخطأ ، فهو على حالات :

1- عدم الخطأ بصدور الكبائر منهم :

أما كبائر الذنوب فلا تصدر من الأنبياء أبدا وهم معصومون من الكبائر ، سواء قبل بعثتهم أم بعدها .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ( مجموع الفتاوى : ج4 / 319 ) :

" إن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام ، وجميع الطوائف ... وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء ، بل لم يُنقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول " انتهى .

2- الأمور التي لا تتعلق بتبيلغ الرسالة والوحي .

وأما صغائر الذنوب فربما تقع منهم أو من بعضهم ، ولهذا ذهب أكثر أهل العلم إلى أنهم غير معصومين منها ، وإذا وقعت منهم فإنهم لا يُقرون عليها بل ينبههم الله تبارك وتعالى عليها فيبادرون بالتوبة منها .

والدليل على ‏وقوع الصغائر منهم مع عدم إقرارهم عليها :‏‏ - قوله تعالى عن آدم : " وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) طه / ‏‏121-122 ، وهذا دليل على وقوع المعصية من آدم – عليه الصلاة والسلام - ، وعدم إقراره عليها ، مع توبته إلى ‏الله منها .

3- الخطأ في بعض الأمور الدنيوية – بغير قصد - :

وأما الخطأ في الأمور الدنيوية ، فيجوز عليهم الخطأ فيها مع تمام عقلهم ، وسداد رأيهم ، وقوة بصيرتهم ، وقد وقع ذلك من بعض الأنبياء ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويكون ذلك في مناحي الحياة المختلفة من طب وزراعة وغير ذلك .

ثالثاً : أما قبل الرسالة فقد جوَّز عليهم العلماء أنه قد يصدر منهم بعض صغائر الذنوب ، وحاشاهم من الكبائر والموبقات كالزنا وشرب الخمر وغيرها فهم معصومون من هذا .
وأما بعد الرسالة ، فإن الصحيح أنه قد يصدر منهم بعض الأخطاء لكن لا يُقرون عليها .
قال شيخ الإسلام :
وعامة ما يُنقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار على الصغائر ، ولا يقرون عليها ، ولا يقولون إنها لا تقع بحال ، وأول من نُقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقاً ، وأعظمهم قولاً لذلك : الرافضة ، فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل . " مجموع الفتاوى " ( 4 / 320 ) .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله أيضا :
إن الآيات الدالة على نبوة الأنبياء دلت على أنهم معصومون فيما يخبرون به عن الله عز وجل فلا يكون خبرهم إلا حقا وهذا معنى النبوة وهو يتضمن أن الله ينبئه بالغيب وأنه ينبئ الناس بالغيب والرسول مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه .

يقول الإمام محمد عبده عن عصمة الرسل ((.. ومن لوازم ذلك بالضرورة: وجوب الاعتقاد بعلو فطرتهم ، وصحة عقولهم ، وصدقهم فى أقوالهم ، وأمانتهم فى تبليغ ما عهد إليهم أن يبلغوه ، وعصمتهم من كل ما يشوه السيرة البشرية ، وسلامة أبدانهم مما تنبو عنه الأبصار وتنفر منه الأذواق السليمة ، وأنهم منزهون عما يضاد شيئًا من هذه الصفات ، وأن أرواحهم ممدودة من الجلال الإلهى بما لا يمكن معه لنفس إنسانية أن تسطو عليها سطوة روحانية.. إن من حكمة الصانع الحكيم - الذى أقام الإنسان على قاعدة الإرشاد والتعليم - أن يجعل من مراتب الأنفس البشرية مرتبة يُعدُّ لها ، بمحض فضله ، بعض مَنْ يصطفيه من خلقه ، وهو أعلم حيث يجعل رسالته ، يميزهم بالفطرة السليمة ، ويبلغ بأرواحهم من الكمال ما يليقون معه للاستشراق بأنوار علمه ، والأمانة على مكنون سره ، مما لو انكشف لغيرهم انكشافه لهم لفاضت له نفسه ، أو ذهبت بعقله جلالته وعظمته ، فيشرفون على الغيب بإذنه ، ويعلمون ما سيكون من شأن الناس فيه ، ويكونون فى مراتبهم العلوية على نسبة من العالمين ، نهاية الشاهد وبداية الغائب ، فهم فى الدنيا كأنهم ليسو من أهلها ، هم وفد الآخرة فى لباس من ليس من سكانها.. أما فيما عدا ذلك فهم بشر يعتريهم ما يعترى سائر أفراده ، يأكلون ويشربون وينامون ويسهون وينسون فيما لا علاقة له بتبليغ الأحكام ، ويمرضون وتمتد إليهم أيدى الظلمة ، وينالهم الاضطهاد ، وقد يُقتلون "
فلو أن أنبياء الله تعالى يرتكبون الرذائل لما صلحوا لأن يكونوا قدوة و أسوة لأتباعهم يقول تعالى((أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ )) و يقول((لكم فى رسول الله أسوة حسنة)) و يقول عز و جل((وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ))

المهدي
2010-09-18, 12:40 AM
القول في قصة يوسف (عليه السلام)
وردت الشبهة فى قوله تعالى ((وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ))

فزعموا أن يوسف عليه السلام عزم القيام بالفاحشة ، و ساعدهم على الإسهاب فى بهتانهم بعض الروايات الباطلة المنقولة عن مسلمة أهل الكتاب و بعض الصحابة أوردها و تبناها ابن جرير و صاحب الدر المنثور و غيرهما ، مفادها باختصار أن يوسف عليه السلام حل سراويله فصيح به: يا يوسف لا تكن كالطير له ريش فإذا زنى قعد ليس له ريش، و قيل : رأى كفاً مكتوباً عليها أيات قرأنية بالعبرية، و قيل : رأى صورة يعقوب على الحائط، بل و زعموا أنه لما لم يرعوا من رؤية صورة أبيه عاضاً على أنامله ضربه أبوه يعقوب فخرجت شهوته من أنامله !!

بعد الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله:

فإن هذه الروايات الباطلة لا تعدو أن تكون من أكاذيب و افتراءات الإسرائيليات و لم يصح أى من هذه الخرافات على الإطلاق على لسان رسول الله عليه الصلاة و السلام ، و إنما وردت موقوفة كما أن بعض طرقها تصل إلى وهب بن منبه و هو من مسلمة أهل الكتاب المشهورين بكثرة اسرائيلياتهم و كذا كعب الأحبار ، و كان ابن عباس و ابن عمر و غيرهم من الصحابة الكرام يحدثون عنهم أخذاً برخصة ذلك، حتى انه روى عن بعض الصحابة أنه كان يملك حمل بعيرين من كتب القوم! و هذه مسألة فصل فيها أئمة المحققين،

وقد نبه لهذا الامر ثلة من كبار المفسرين كالامام ابن كثير و القاسمى و السعدى والسنوسى و أبو السعود و الزمخشرى و غيرهم....، قال القاسمى{ هذا و قد ألصق بعض المفسرين المولعين برواية كل غث و ثمين ما تلقفوه من أهل الكتاب و بعض المتقولين من تلك الروايات الباطلة التى أنزه قلمى عن نقلها لردها، و كلها خرافات و أباطيل} و ليس أدل على بطلان هذه الرويات من تهافتها و اختلافها ، و الحق أبلج و الباطل لجلج ، و كذلك ينكشف زيفها من خلال الرواية الموضوعة الأخرى التى نسبت إلى النبى عليه الصلاة و السلام زوراً أنه لما قرأ: ((ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ)) قال: لما قال يوسف ذلك قال له جبريل: ولا يوم هممت بما همت به؟

و حاشا لله أن يكون رسول الله (ص) قد تلفظ بشىء من هذا العبث ، و هو الذى نزه اخوانه الأنبياء و أكرمهم فى كل موضع، و قال فى مديح صبريوسف على البلاء ((لو لبثت في السجن طول ما لبث ‏ ‏يوسف ‏ ‏لأجبت الداعي)) و قال عليه الصلاة و السلام عن يوسف أيضاً ((فأكرم الناس ‏ ‏يوسف ‏ ‏نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله))

و قد نسى من دس هذه الرواية (الموضوعة) أن قوله تعالى ((ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ)) ليست مقالة سيدنا يوسف عليه السلام و إنما هى مقالة امرأة العزيز ، و هو ما يتفق مع سياق الأية، ذلك: أن الملك لما أرسل رسوله إلى يوسف لإحضاره من السجن قال له: ارجع إلى ربك، فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهم فأحضر النسوة، و سألهن، و شهدن ببراءة يوسف، فلم تجد امرأة العزيز بداً من الإعتراف بفعلتها و أن يوسف هو الذى استعصم فلم تقع الفاحشة ((قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ )) فكل ذلك من قولها ، و لم يكن يوسف حاضراً بل كان فى السجن ، فكيف يعقل أن يصدر منه ذلك فى مجلس التحقيق الذى عقده العزيز؟

تفسير الطبري
قال بعضهم: معناه: ولقد همت المرأة بيوسف ، وهمَّ بها يوسف أن يضربها أو ينالها بمكروه لهمِّها به مما أرادته من المكروه ، لولا أنّ يوسف رأى برهان ربه ، وكفَّه ذلك عما همّ به من أذاها لا أنها ارتدعت من قِبَل نفسها . قالوا: والشاهد على صحة ذلك قوله:(كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) قالوا: فالسوء هُو ما كان همَّ به من أذاها ، وهو غير"الفحشاء".
وقال آخرون منهم: معنى الكلام: ولقد همت به، فتناهى الخبرُ عنها. ثم ابتدئ الخبر عن يوسف ، فقيل:"وهم بها يوسف لولا أن رأى برهان ربه" . كأنهم وجَّهوا معنى الكلام إلى أنَّ يوسف لم يهمّ بها ، وأن الله إنما أخبر أنَّ يوسف لولا رؤيته برهان ربه لهمَّ بها ، ولكنه رأى برهان ربه فلم يهمَّ بها ، كما قيل:( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا )، [النساء: 83].
وقال آخرون منهم: بل قد همَّت المرأة بيوسف، وهم يوسف بالمرأة ، غير أن همَّهما كان تميِيلا منهما بين الفعل والترك، لا عزمًا ولا إرادة. قالوا: ولا حرج في حديث النفس، ولا في ذكر القلب، إذا لم يكن معهما عزْمٌ ولا فعلٌ.أ.هــ


ان المحبة الاِلهية التي ملأت وجود يوسف وشغلت قلبه،لم تترك لغيرها محلاً ولا موضع أصبع
هذا هو واقع الاَمر غير أنّ بعض المخطّئة لم يرتض ليوسف هذه المكارم والفضائل، واستدل على عدم عصمته بما ورد في سورة يوسف في حق العزيزة ومن هو في بيتها، قال سبحانه: ((وَرَاوَدَتْهُ التي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الاََبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبّي أَحْسَنَ مَثْوَاىَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بِرْهَانَ رَبّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ ))
ومحل الاستدلال: قوله (وهمَّ بها )أي همّ بالمخالطة، وانّ همّه بها كان كهمّها به، ولولا أنّ رأي برهان ربّه لفعل، وقد صانته عن ارتكاب الجريمة ـ بعد الهمّ بها ـ رؤية البرهان.
وبعبارة أُخرى: انّ المخطّئة جعلت كلا من المعطوف والمعطوف عليه (ولقد همّت به ـ وهمّ بها) كلاماً مستقلاً غير مقيّد بشيء، وكأنّه قال:
ولقد همّت به: أي بلا شرط وقيد.
وهمّ بها: أي جزماً وحتماً.
ثم بعد ذلك ـ أي بعد الاِخبار عن تحقّق الهم من الطرفين ـ استدرك بأنّ العزيزة بقيت على همّها وعزمها إلى أن عجزت، وأمّا يوسف فقد انصرف عن الاقتراف لاَجل روَية برهان ربّه، ولاَجل ذلك قال:
(لولا أن رأي برهان ربّه) أي ولولا الروَية لاقترف وفعل وارتكب، لكنّه رأي فلم يقترف ولم يرتكب، فجواب لولا محذوف وتقديره "لاقترف".
ثم إنّ المخطّئة استعانوا في تفسير الآية بما ذكروه من الاِسرائيليات التي لا
يصح أن تنقل، وانّما ننقل خبراً واحداً ليكون القارىَ على اطلاع عليها: قالوا: جلس يوسف منها مجلس الخائن، وأدركه برهان ربّه ونجّاه من الهلكة، ثم إنّهم نسجوا هناك أفكاراً خيالية في تفسير هذا البرهان المرئى؛ فقالوا: إنّ طائراً وقع على كتفه، فقال في أُذنه: لا تفعل، فإن فعلت سقطت من درجة الاَنبياء؛ وقيل: إنّه رأي يعقوب عاضاً على إصبعه، وقال: يا يوسف أما تراني؟ إلى غير ذلك من الاَوهام التي يخجل القلم من نقلها.
غير انّ رفع الستر عن مرمى الآية يتوقف على البحث عن أُمور :
1- ما هو معنى "الهم" في قوله: (ولقد همّت به وهمّ بها ).
2- ما هو جواب (لولا أن رأي برهان ربّه) وهذا هو العمدة في تفسير الآية.
3- ما هو معنى البرهان؟
4- دلالة الآية على عصمة يوسف، وإليك تفسيرها واحداً تلو الآخر.

1- ما معنى الهم؟
لقد فسّـره ابن منظور في لسانه بقوله: همّ بالشىء يهم همّاً: نواه وأراده وعزم عليه، قال سبحانه: (وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا )

هذا هو معنى الهم، وتوَيده سائر الآيات الوارد فيها لفظ الهم، ولو استعمل في مورد في خطور الشيء بالبال، وإن لم يقع العزم عليه، فهو استعمال نادر لا يحمل عليه صريح الكتاب.
أضف إلى ذلك أنّ الهمين في الموردين بمعنى واحد، وبما أنّ هم العزيزة كان بنحو العزم والاِرادة، وجب حمل الهم في جانب يوسف عليه أيضاً لا على خطور الشيء بالبال، لاَنّه تفكيك بين اللفظين من حيث المعنى بلا قرينة، ولكن تحقّق أحد الهمين دون الآخر، لاَنّ هم يوسف كان مشروطاً بعدم رؤية برهان ربّه، وبما أنّ العدم انقلب إلى الوجود، ورأي البرهان لم يتحقق هذا الهم من الاَساس، كما سيوافيك، نعم لا ننكر أنّ الهم قد يستعمل بالقرينة في مقابل العزم، قال كعب بن زهير:


فكم فهموا من سيد متوسـع * ومن فاعل للخير ان همّ أو عزم

ولكن التقابل بين الهم والعزم أوجب حمل الهم على الخطور بالبال، ولولاه لحمل على نفس العزم.
كما ربّما يستعمل في معنى المقاربة فيقولون: همّ بكذا وكذا، أي كاد يفعله، وعلى كل تقدير فالمعنى اللائح من الهم في الآية هو العزم والاِرادة.

2- ما هو جواب لولا ؟
لا شك أنّ "لولا" في قوله سبحانه: (لولا أنْ رأي بُرهَانَ رَبّه )ابتدائية. فلا تدخل إلاّ على المبتدأ مثل "لوما" قال ابن مالك.


لولا ولوما يلزمان الابتداء * إذ امتناعاً بوجــود عقدا
ومما لا شك فيه أنّ "لولا" الابتدائية تحتاج إلى جواب، ويكون الجواب مذكوراً غالباً مثل قول القائل:


كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية * لولا رجاوَك قد قتلت أولادي

وربّما يحذف جوابها لدلالة القرينة عليه أو انفهامه من السياق، كقوله سبحانه: (وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ) أي ولولا فضل الله ورحمته عليكم لهلكتم، وربّما يحذف الجواب لدلالة الجملة المتقدمة عليه كقوله: "قد كنت هلكت لولا أن تداركتك" ،وقوله: "وقتلت لولا أنّي قد خلصتك"، والمعنى لولا تداركي لهلكت، ولولا تخليصي لقُتلت، ومثل لولا سائر الحروف الشرطية قال الشاعر:


فلا يدعني قومي صريعاً لحـرة * لئن كنت مقتولاً ويسلم عامـر

وقال الآخر:


فلا يدعني قومي ليـوم كريهــة * لئن لم أعجل طعنة أو أعجــل

فحذف جواب الشرط في البيتين لاَجل الجملة المتقدمة.
وبالجملة: لا إشكال في أنّ جواب الحروف الشرطية عامة، وجواب "لولا" خاصة، يكون محذوفاً إمّا لفهمه من السياق أو لدلالة كلام متقدم عليه والمقام
مـن قبيل الثاني، فقوله سبحانه: (ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأي برهان ربّه) يؤوّل إلى جملتين: إحداهما مطلقة، والاَُخرى مشروطة.
أمّا المطلقة فهي قوله: (ولقد همّت به )، وهو يدل على تحقّق "الهم" من عزيزة مصر بلا تردد.
أمّا المقيدة فهي قوله: (وهمّ بها لولا أن رأي برهان ربّه) وتقديره: "لولا أن رأي برهان ربّه لهمّ بها" فيدل على عدم تحقق الهم منه لما رأي برهان ربّه، وأمّا الجملة المتقدمة على "لولا" أعني قوله (وهم بها )فلا تدل على تحقق الهم، لاَنّها ليست جملة منفصلة عمّا بعدها، حتى تدل على تحقق الهمّ، وانّما هي قائمة مكان الجواب، فتكون مشروطة ومعلّقة مثله، وسيوافيك تفصيله عن قريب.

3- ما هو البرهان؟
البرهان هو الحجة ويراد به السبب المفيد لليقين، قال سبحانه: (فَذَانِكَ بُرْهَانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلائِه ) وقال تعالى: (يَا أَيُّها النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ) وقال سبحانه: (أَإِلهٌ مَعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) هو الحجة اليقينية التي تجلى الحق ولا تدع ريباً لمرتاب، وعلى ذلك فيجب أن يعلم ما هذا البرهان الذي رآه يوسف (عليه السلام )؟
والذي يمكن أن يكون مصداق البرهان في المقام هو العلم المكشوف واليقين المشهود الذي يجر النفس الاِنسانية إلى طاعة لا تميل معها إلى معصية،
وانقياد لا تصاحبه مخالفة،

4- دلالة الآية على عصمة يوسف (عليه السلام )
إنّ الآية على رغم ما ذهبت إليه المخطّئة تدل على عصمة يوسف (عليه السلام )قبل أن تدلّ على خلافها.
توضيحه: انّه سبحانه بيّـن همّ العزيزة على وجه الاِطلاق وقال: (وهمّت به )، وبيّـن همّ يوسف بنحو الاشتراط وقال: (وهمَّ بها لولا أن رأي برهان ربّه) ، فالقضية الشرطية لا تدل على وقوع الطرفين خصوصاً مع كلمة "لولا " الدالة على عدم وقوعهما.
فإن قلت: إنّ كلاًّ من الهمين مطلق حتى الهم الوارد في حق يوسف وانّما يلزم التعليق لو قلنا بجواز تقدم جواب لولا الامتناعية عليها وهو غير جائز بالاتفاق وعليه فيكون قوله: (وهمّ بها )مطلقاً إذ ليس جواباً لكلمة "لولا ".
قلت: إنّ جواب "لولا " محذوف وتقديره "لهمّ بها" وليست الجملة المتقدمة جواباً لها حتى يقال: انّ تقدم الجواب غير جائز بالاتفاق، ومع ذلك فليست تلك الجملة مطلقة، بل هي أيضاً مقيدة بما قيد به الجواب، لاَنّه إذا كان
الجواب مقيداً فالجملة القائمة مكانه تكون مثله، وله نظير في الكتاب العزيز مثل قوله: (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً) والمعنى انّه سبحانه ثبّت نبيه فلم يتحقّق منه الركون ولا الاقتراب منه.
وقال سبحانه: (وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيءٍ) والمعنى أنّ تفضّله سبحانه على نبيه صار سبباً لعدم هم الطائفة على إضلاله.
والآية مثل الآيتين غير أنّ الجواب فيها محذوف لدلالة الجملة المتقدمة عليه بخلافهما.
وحاصل الكلام: أنّه في مورد الآية ونظائرها يكون الجزاء منتفياً بانتفاء شرطه، غير انّ هذه الجمل إنّما تستعمل في ما إذا كانت هناك أرضية صالحة لتحقق الجزاء، وإن لم يتحقق لانتفاء الشرط، وفي مورد الآية، أرضية الهم كانت موجودة في جانب يوسف لتجهزه بالقوى الشهوية، وغيرها من قوى النفس الاَمارة، وكانت هذه العوامل مقتضية لحدوث الهم بالفحشاء، ولكن صارت خائبة غير موَثرة لاَجل روَية برهان ربّه، والشهود اليقيني الذي يمنع النبي عن اقتراف المعصية والهم بها.
وإن شئت قلت: منعته المحبة الاِلهية التي ملأت وجوده وشغلت قلبه، فلم تترك لغيرها موضع قدم، فطرد ما كان يضاد تلك المحبة.
وهذا هو مفاد الآية ولا يشك فيه من لاحظ المقدمات الاَربع التي قدّمناها.
وعلى ذلك فبما انّ "اللام" في قوله: (ولقد همّت به )للقسم يكون معنى
قوله: (وهمّ بها) بحكم عطفه عليه والمعنى: والله لقد همت امرأة العزيز به ووالله لولا أن رأي يوسف برهان ربّه لهمّ بها، ولكنّه لاَجل رؤية البرهان واعتصامه، صرف عنه سبحانه السوء والفحشاء، فإذا به (عليه السلام )لم يهم بشيء ولم يفعل شيئاً، لاَجل تلك الرؤية.

وهذا تفسير الشعراوي
http://www.youtube.com/watch?v=U5ZYyWycuuE

وعلى ذلك فيوسف الصديق لمّا وقع مقابل ذلك المشهد المغري، الذي يسلب اللب والعقل عن البشر، كان المتوقع بحكم كونه بشراً، الميل إلى المخالطة معها والعزم على الاِتيان بالمعصية، ولكنّه لما أدرك بالعلم القاطع أثر تلك المعصية صانه ذلك عن أي عزم وهمّ بالمخالطة.
هذا هو المعنى المختار في الآية، وبذلك تظهر نزاهة يوسف عن أي هم .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في الفتاوى (10/297): "وما ينقل من أنه حل سراويله وجلس مجلس الرجل من المرأة وأنه رأى صورة يعقوب عاضا على يده وأمثال ذلك، فهو مما لم يخبر الله به ولا رسوله، وما لم يكن كذلك، فإنما هو مأخوذ عن اليهود الذين هم من أعظم الناس كذبا على الأنبياء، وقدحا فيهم، وكل من نقله من المسلمين فعنهم نقله، لم ينقل من ذلك أحد عن نبينا صلى الله عليه وسلم حرفا واحدا".

وانظر: الإسرائيليات في كتب التفسير لمحمد أبو شهبة.

المهدي
2010-09-18, 12:44 AM
القول في قصة داود (عليه السلام)
إيضاح القصة
كان داود (عليه السلام) جالساً في محرابه إذ دخل عليه شخصان بغير إذنه، وكانا أخوين يملك أحدهما تسعاً وتسعين نعجة ويملك الآخر نعجة واحدة، وطلب الاَوّل من أخيه أن يعطيه النعجة التي تحت يده، مدعياً كونه محقاً فيما يقترحه على أخيه، وقد ألقى صاحب النعجة الواحدة كلامه على وجه هيّج رحمة النبي داود وعطفه.
فقضى (عليه السلام) طبقاً لكلام المدعي من دون الاستماع إلى كلام المدعى عليه، وقال: (لقد ظلمك بسوَال نعجتك إلى نعاجه)
ولما تنبّه أنّ ما صدر منه كان غير لائق بساحته، وانّ رفع الشكوى إليه كان فتنة وامتحاناً منه سبحانه بالنسبة إليه (فاستغفر ربّه وخر راكعاً وأناب).

تفسير بن كثير
قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس -ويزيد وإن كان من الصالحين-لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يرد علمها إلى الله عز وجل فإن القرآن حق وما تضمن فهو حق أيضا.أ.هــ


قال الشيخ الشعراوي في تفسير قوله تعالى (وظن داود أنما فتناه):
1-أن داود (عليه السلام) فزع من دخول قوم عليه وخاف أن يقتلوه وهو في حضرة الله.
2-سمع من أحد الطرفين دون الآخر.
3-أدخل في الحكم حيثية ليس لها مدخل فيه. أ.هـ



كون الاستغفار لاَجل ترك الاَولى
استدلت المخطّئة باستغفاره وإنابته إلى الله ، على صدور ذنب منه ولكنّه لا يدل على ذلك:
أمّا أوّلاً: انّ قضاءه لم يكن قضاء باتاً خاتماً للشكوى، بل كان قضاء على فرض السؤال، وإنّ من يملك تسعاً وتسعين نعجة ولا يقتنع بها ويريد ضم نعجة أخيه إليها، ظالم لاَخيه، وكان المجال بعد ذلك بالنسبة إلى المعترض مفتوحاً وإن كان الاَولى والاَليق بساحته هو أنّه إذا سمع الدعوى من أحد الخصمين، أن يسأل الآخر عمّا عنده فيها ولا يتسرع في القضاء ولو بالنحو التقديري.
وإنّما بادر إليه لاَنّه (عليه السلام) فوجىء بالقضية ودخل عليه المتخاصمان بصورة غير عادية فلم يظهر منه التثبت اللائق به.
ولمّا تنبّه إلى ذلك وعرف أنّ ما وقع، كان فتنة وامتحاناً من الله بالنسبة إليه (استغفر ربّه وخر راكعاً وأناب)تداركاً لما صدر منه ممّا كان الاَولى تركه، أوّلاً، وشكراً وتعظيماً لنعمة التنبّه الذي نال به فوراً بعد الزلّة، ثانياً.

وثانياً: انّ من الممكن أن يكون قضاوَه قبل سماع كلام المدّعى عليه، لاَجل انكشاف الواقع له بطريق من الطرق وانّ الحق مع المدّعي، فقضى بلا
استماع لكلام المدّعى عليه، نعم الاَولى له حتى في هذه الصورة ترك التسرع في إصدار الحكم، والقضاء بعد الاستماع، ولمّا ترك ما هو الاَولى بحاله استغفر لذلك، وقد تكرر منا أنّ ترك الاَولى من الاَنبياء ذنب نسبي وإن لم يكن ذنباً على وجه الاِطلاق.
نعم قد وردت في التفاسير أحاديث في تفسير الآية لا يشك ذو مسكة من العقل أنّها إسرائيليات تسربت إلى الاَُمّة الاِسلامية عن طريق أحبار اليهود ورهبان المسيحية، فالاَولى الضرب عنها صفحاً، وسياق الآيات يكشف عن أنّ زلته لم تكن إلاّ في أمر القضاء فقط لا ما تدّعيه جهلة الاَحبار من ابتلائه بما يخجل القلم عن ذكره.

ولأجله يقول الإمام على (http://www.atba-almaseeh.com/vb/images/smilies/radia.gif) في حق من وضع هذه الترهات أو نسبها إلى النبي داود (عليه السلام) : "لا أُوتى برجل يزعم أنّ داود تزوج امرأة "أُوريا" إلاّ جلدته حدّين: حدّاً للنبوة وحدّاً للاِسلام"

المهدي
2010-09-18, 12:48 AM
درء شبهة كذبات إبراهيم (عليه السلام)
عن أبي هريرة http://www.atba-almaseeh.com/vb/images/smilies/radia.gif أن رسول الله http://www.atba-almaseeh.com/vb/images/smilies/salah.gif قال : "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ، ثنتين منهن في ذات الله عز وجل . قوله : { إني سقيم } . وقوله : { بل فعله كبيرهم هذا } . وقال : بينا هو ذات يوم وسارة ، إذ أتى على جبار من الجبابرة ، فقيل له : إن هاهنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس ، فأرسل إليه فسأله عنها ، فقال : من هذه ؟ قال : أختي ، فأتى سارة فقال : يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك ، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي ، فلا تكذبيني " .
أ.هـ أخرجه البخاري ومسلم

الأولى: بأن إبراهيم لم يكذب، بل أثبت أنه صادق ولكن بطريقة غير مُباشرة، أو كان صِدقه قضية تحمل معها دليلها، فلو كنت أنت مثلاً خطاطًا ماهرًا ولا يجيد الكتابة أحد غيرك، ثم سألك شخص أُمي غير مجيد للكتابة وقال لك: أأنت كتبت هذا؟ فقلت له باستهزاء: بل أنت الذي كتبته، فالغرض هو إثبات الكتابة لك مع استهزائك بالسائل الذي ما كان ينبغي أن يوجه هذا السؤال الظاهر البطلان. ولذلك لما أجابهم إبراهيم ـ عليه السلام ـ بأن الذي كسَرَ الأصنام هو كبيرهم رجعوا إلى أنفسهم يتهمونها بالغباء. لاعتقادهم ألوهية من لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر، ولا يرد عن نفسه كيدًا، ولكن العناد جعلهم يتمادون في مجادلته وتكذيبه. ولجئوا أخيرًا إلى التهديد باستعمال القوة والعُنْف، وَهُوَ سلاح كل عاجز عن الاستمرار في المحاجة المنطقية.


والثانية: وهي قوله: (إِنِّي سَقِيمٌ) بأنه كَانَ بالفعل سَقيمًا، وسقمه نفسي، وذلك من تماديهم في الباطل على الرغم من قوة الحُجة، كما قال الله تعالى في حَقِّ سيدنا محمد ـ http://www.atba-almaseeh.com/vb/images/smilies/salah.gif ـ (فَلَعَلَّكَ باَخعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفَا) (سورة الكهف: 6) فقد أوهمهم إبراهيم أنه سقيم الجسم على ما كانوا يعتقدون من تأثير الكواكب في الأجسام، وهو في الوقت نفسه سقيم النفس. وهذا الأسلوب من المعاريض التي فيها مندوحة عن الكذب.


وعن الثالثة: وهي وصف زوجته بأنها أخته ـ بأنه صادق في هذا الوصف؛ لأنها أخته في الدين كما جاء في صحيح الروايات ، وذلك ليخلصها من ظُلْم الجبار روى مسلم "ج 15 ص 123 بشرح النووي" أن رسول الله ـ http://www.atba-almaseeh.com/vb/images/smilies/salah.gif ـ قال: "لم يكذب إبراهيم النبي ـ عليه السلام ـ قط إلا ثلاث كذبات، ثنتين في ذات الله: قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم، ، وواحدة في شأن سارة، فإنه قدِم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام. فإني لا أعلم في الأرض مسلمًا غيري وغيرك، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار أتاه فقال له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك. فأرسل إليها فأتى بها، فقام إبراهيم ـ عليه السلام ـ إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت يده قبضة شديدة فقال لها: ادعى الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت فعاد فقبضت أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك ففعلت فعاد فقبضت أشد من القبضتين الأوليين، فقال ادعى الله أن يطلق يدي فلك الله ألا أضرك ففعلت وأطلقت يده ودعا الذي جاء بها فقال له: إنما أتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان ، فأخرجها من أرضي وأعطها "هاجر" قال: فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم ـ عليه السلام ـ انصرف، فقال لها "مهيم"؟ قالت: خيرًا ، كف الله يد الفاجر وأخدم خادمًا" قال أبو هريرة فتلك أُمكم يا بني ماء السماء.

شرح العلماء للحديث :

1- قال الإمام النووي في " شرح مسلم " (6/100) :

قال المازري : أما الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله تعالى فالأنبياء معصومون منه ، سواء كثيره وقليله ، وأما ما لا يتعلق بالبلاغ ، ويعد من الصفات كالكذبة الواحدة في حقير من أمور الدنيا ففي إمكان وقوعه منهم وعصمتهم منه القولان المشهوران للسلف والخلف . قال القاضي عياض : الصحيح أن الكذب فيما يتعلق بالبلاغ لا يتصور وقوعه منهم ، سواء جوزنا الصغائر منهم وعصمتهم منه ، أم لا ، وسواء قل الكذب ، أم كثر ؛ لأن منصب النبوة يرتفع عنه ، وتجويزه يرفع الوثوق بأقوالهم .
وأما قوله http://www.atba-almaseeh.com/vb/images/smilies/salah.gif ( ثنتين في ذات الله تعالى وواحدة في شأن سارة ) فمعناه أن الكذبات المذكورة إنما هي بالنسبة إلى فهم المخاطب والسامع ، وأما في نفس الأمر فليست كذبا مذموما لوجهين : أحدهما أنه ورى بها ، فقال في سارة : أختي في الإسلام ، وهو صحيح في باطن الأمر ، وسنذكر إن شاء الله تعالى تأويل اللفظين الآخرين . والوجه الثاني أنه لو كان كذبا لا تورية فيه لكان جائزا في دفع الظالمين ، وقد اتفق الفقهاء على أنه لو جاء ظالم يطلب إنسانا مختفيا ليقتله ، أو يطلب وديعة لإنسان ليأخذها غصبا ، وسأل عن ذلك ، وجب على من علم ذلك إخفاؤه وإنكار العلم به ، وهذا كذب جائز ، بل واجب لكونه في دفع الظالم ، فنبه النبي http://www.atba-almaseeh.com/vb/images/smilies/salah.gif على أن هذه الكذبات ليست داخلة في مطلق الكذب المذموم . قال المازري : وقد تأول بعضهم هذه الكلمات ، وأخرجها عن كونها كذبا ، قال : ولا معنى للامتناع من إطلاق لفظ أطلقه رسول الله http://www.atba-almaseeh.com/vb/images/smilies/salah.gif قلت : أما إطلاق لفظ الكذب عليها فلا يمتنع لورود الحديث به ، وأما تأويلها فصحيح لا مانع منه . قال العلماء : والواحدة التي في شأن سارة هي أيضا في ذات الله تعالى ؛ لأنها سبب دفع كافر ظالم عن مواقعة فاحشة عظيمة ، وقد جاء ذلك مفسرا في غير مسلم ، فقال : ما فيها كذبة إلا بما حل بها عن الإسلام أي يجادل ويدافع . قالوا : وإنما خص الاثنتين بأنهما في ذات الله تعالى لكون الثالثة تضمنت نفعا له ، وحظا مع كونها في ذات الله تعالى . وذكروا في قوله : ( إني سقيم ) أي سأسقم لأن الإنسان عرضة للأسقام ، وأراد بذلك الاعتذار عن الخروج معهم إلى عيدهم ، وشهود باطلهم وكفرهم . وقيل : سقيم بما قدر علي من الموت . وقيل : كانت تأخذه الحمى في ذلك الوقت .

وأما قوله ( بل فعله كبيرهم ) فقال ابن قتيبة وطائفة : جعل النطق شرطا لفعل كبيرهم ، أي فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون . وقال الكسائي : يوقف عند قوله : بل فعله أي فعله فاعله ، فأضمر ، ثم يبتدئ فيقول : كبيرهم هذا ، فاسألوهم عن ذلك الفاعل . وذهب الأكثرون إلى أنها على ظاهرها ، وجوابها ما سبق . والله أعلم .

2- قال الإمام ابن الجوزي في " كشف المشكل من حديث الصحيحين " (1/982) :

اعلم أن الكذب لا يجوز على الأنبياء بحال فهذا أصل ينبغي أن يعتقد ولا يناقض بأخبار الآحاد فإنه ثابت بدليل أقوى منها وإنما المعنى أن إبراهيم قال قولا يشبه الكذب قال أبو بكر بن الأنباري كلام إبراهيم كان صدقا عند البحث وإنما أراد النبي {http://www.atba-almaseeh.com/vb/images/smilies/salah.gif} أنه قال قولا يشبه الكذب في الظاهر وليس بكذب قال ابن عقيل : دلالة العقل تصرف ظاهر هذا اللفظ وذاك أن العقل قطع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقا به ليعلم صدق ما جاء به عن الله ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه فكيف مع وجود الكذب منه وإنما استعير ذكر الكذب لأنه بصورة الكذب فسماه كذبا مجازا ولا يجوز سوى هذا قلت واعلم أن تلك الكلمات إنما كانت من إبراهيم على جهة المعاريض غير أن الأنبياء يحذرون من كلمة تشبه الكذب ولذلك يقول الخليل إذا قيل له في القيامة اشفع لنا إني كذبت وبيان أنها كانت من جهة المعاريض أنه روي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله ( بل فعله ) ويقول فعله من فعله وقال ابن قتيبة معناه إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم هذا وكذلك ( إني سقيم ) أي سأسقم فهو كقوله تعالى ( إنك ميت ) أي ستموت . أهـ

3- قال الإمام محمد بن أنور الكشميري في " العرف الشذي شرح سنن الترمذي " (3/387) :

قوله : ( ثلاث كذبات إلخ ) اتفق العلماء على أن الثلاثة توريات لا كذبات صريحة . أهـ

زيادة : ذهب الإمام الرازي إلى تضعيف الحديث في " التفسير الكبير " (22/185) فقال : واعلم ان بعض الحشوية روى عن النبي - http://www.atba-almaseeh.com/vb/images/smilies/salah.gif - أنه قال : ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ، فقلت : الأولى أن لا يقبل مثل هذه الأخبار ، فقال على طريق الاستنكار : ان لم نقبله لزمنا تكذيب الرواة ، فقلت له : يا مسكين ان قلناه لزمنا الحكم بتكذيب إبراهيم - عليه السلام - ، وان أردناه لزمنا الحكم بتكذيب الرواة ولا شك أن صون إبراهيم عن الكذب أولى من صون طائفة من المجاهيل عن الكذب . أهـ
وقد نقل الإمام ابن عادل الحنبلي في " اللباب في علوم الكتاب " (16/324) رأي الإمام الرازي وارتضاه .

قال الامام بن حجر في شرح صحيح البخاري:وَأَمَّا إِطْلاقه الْكَذِب عَلَى الأمُور الثَّلأثَة فَلِكَوْنِهِ قَالَ قَوْلاً يَعْتَقِدهُ السَّامِع كَذِبًا لَكِنَّهُ إِذَا حُقِّقَ لَمْ يَكُنْ كَذِبًا لأنَّهُ مِنْ بَاب الْمَعَارِيض الْمُحْتَمِلَة لِلأمْرَيْنِ فَلَيْسَ بِكَذِبٍ مَحْض.

المهدي
2010-09-18, 12:58 AM
القول في فتنة سليمان (عليه السلام)
الذي عليه المحققون من أهل التفسير أن سبب الابتلاء ونوع العقاب الذي عوقب به سليمان عليه السلام المذكور في قوله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ) [صّ:34].
مبين في ما أخرجه البخاري في صحيحه :6639 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « قَالَ سُلَيْمَانُ لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً ، كُلُّهُنَّ تَأْتِى بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ . فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا ، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلاَّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ ، وَايْمُ الَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . لَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ » .

7469 - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - كَانَ لَهُ سِتُّونَ امْرَأَةً فَقَالَ لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِى ، فَلْتَحْمِلْنَ كُلُّ امْرَأَةٍ وَلْتَلِدْنَ فَارِسًا يُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ، فَطَافَ عَلَى نِسَائِهِ ، فَمَا وَلَدَتْ مِنْهُنَّ إِلاَّ امْرَأَةٌ وَلَدَتْ شِقَّ غُلاَمٍ . قَالَ نَبِىُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لَوْ كَانَ سُلَيْمَانُ اسْتَثْنَى لَحَمَلَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ ، فَوَلَدَتْ فَارِسًا يُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ » .

قال الإمام بدر الدين العيني في كتاب عمدة القاريء شرح صحيح البخاري:(قوله شق غلام) أي نصف غلام قيل هو ما قال تعالى (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب)
وقوله : { فَتَنَّا } من الفتن بمعنى الابتلاء والاختبار والامتحان
قال الآلوسى : وأظهر ما قيل فى فتنة سليمان - عليه السلام - أنه قال : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة . تأتى كل واحدة بفارس يجاهد فى سبيل الله - تعالى - ولم يقل إن شاء الله . فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة وجاءت بشق رجل .

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان بعد أن ساق هذا الحديث: فإذا علمت هذا، فاعلم أن هذا الحديث الصحيح بيَّن معنى قوله تعالى وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ، وأن فتنة سليمان كانت بسبب تركه قوله "إن شاء الله"، وأنه لم يلد من النساء إلا واحدة نصف إنسان، وأن ذلك الجسد الذي هو نصف إنسان هو الذي ألقي على كرسيه بعد موته في قوله تعالى: (وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ). انتهى.
وأما ما عدا هذا مما يذكره أكثر المفسرين، من أن سبب الابتلاء كان بزواج سليمان عليه السلام من امرأة من بنات الملوك، وأنها كانت تعبد الصنم في داره ولم يعلم بها سليمان عليه السلام، وأنه عوقب على ذلك بسلب الملك منه وإلقاء شبهه على شيطان متمرد حكم بني إسرائيل أربعين يوماً، ونحو هذا، فهو من الإسرائيليات التي لا أصل لها، كما نص على هذا ابن كثير والشنقيطي، وذلك لمنافاتها لمقام النبوة والعصمة التي خص الله بها الرسل.

دانة
2011-10-01, 01:42 PM
جزاكم الله خيرا على هذه الردود القيمة