المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل الإنسان مسير أو مخير



الصفحات : [1] 2

زنبقة الاسلام
2008-03-17, 09:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد :

فهذا السؤال مما يكثر طرحه وتسبب سوء فهمه لبعض الناس بترك العمل – العبادات مع اقترافه للمحرمات - محتجا بالقدر والجواب يحتاج إلى بسط وذكر لفتاوى العلماء الموضحة لذلك فأقول مستعينا بالله تعالى : إن التصديق بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان ولا يتم إلا بأربعة أمور :

الأول : الإيمان بأن الله تعالى عالم بكل صغيرة وكبيرة جملة وتفصيلا

قال تعالى ( جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (المائدة:97)
وقال تعالى ( قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (الحجرات:16)
وقال تعالى ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (المجادلة:7)
وقال تعالى ( يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور ِ) (التغابن:4) .



الثاني : الإيمان بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء

قال تعالى ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) (الحديد:22)
وقال تعالى ( وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ) (القمر:52)
ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص –رضي الله عنهما- قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : ( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ) رواه مسلم (2653) .

الثالث : أنه لا يكون شيء في السموات ولا في الأرض إلا بإرادة الله ومشيئته الدائرة بين الرحمة والحكمة يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بحكمته
قال تعالى ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (القمر:49) .

الرابع : أن الله تعالى خالق كل شيء
قال تعالى ( قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد: 16)
وقال تعالى ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) (الزمر:62)
وقال تعالى ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) (الصافات:96)
( أنظر : شرح لمعة الاعتقاد لشيخنا العلامة ابن عثيمين /51 معارج القبول للشيخ الحكمي 2/328 السلفية شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل لابن القيم والقضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة د. عبد الرحمن المحمود )

قال العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى " مراتب ذلك –أي القدر- أربع لا يتم الإيمان بالقدر إلا بتكميلها : الإيمان بأنه بكل شيء عليم , وأن علمه محيط بالحوادث , دقيقها وجليلها , وأنه كتب ذلك باللوح المحفوظ , وأن جميعها واقعة بمشيئته وقدرته . ما يشاء كان وما لم يشأ لم يكن , وأنه مع ذلك مكَّن العباد من أفعالهم فيفعلونها اختيارا منهم بمشيئتهم وقدرتهم .
كما قال الله تعالى : ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ)(الحج: 70)
وقال : ( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (التكوير:29)
ا.هـ سؤال وجواب في أهم المهمات (67) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- مبينا مذهب أهل السنة في أفعال العباد : ( والعباد فاعلون حقيقة ، والله خالق أفعالهم , والعبد هو المؤمن والكافر والبر والفاجر والمصلي والصائم ، وللعباد قدرة على أعمالهم ، ولهم إرادة والله خالق قدرتهم وإرادتهم ،
كما قال تعالى ( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (التكوير:29)
ا.هـ الواسطية مع شرح هراس ص 65

وقال ابن قدامة –رحمه الله تعالى- : " ومن صفات الله –تعالى- أنه الفعال لما يريد ولا يكون شيء إلا بإرادته , ولا يخرج شيء عن مشيئته , وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره , ولا يصدر إلا عن تدبيره , ولا محيد عن القدر المقدور , ولا يتجاوز ما خُط في اللوح المسطور , أراد مالعالم فاعلوه , ولو عصمهم لما خالفوه , ولو شاء أن يطيعوه جميعا لأطاعوه , خلق الخلق وأفعالهم , وقدر أرزاقهم وآجالهم ’ يهدي من يشاء برحمته , ويضل من يشاء بحكمته , قال تعالى ( لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) (الانبياء:23) وقال تعالى ( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً)(الفرقان :2) وقال تعالى( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد:22) وقال تعالى ( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً )(الأنعام :125)
وروى ابن عمر : أن جبريل عليه السلام قال للنبي –صلى الله عليه وسلم – ما الإيمان ؟ قال : ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره ) . فقال جبريل : صدقت . رواه مسلم وقال النبي –صلى الله عليه وسلم – ( آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره ) ومن دعاء النبي –صلى الله عليه وسلم – الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر ( وقني شر ما قضيت ) ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه بل يجب أن نؤمن بأن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثة الرسل قال الله تعالى ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ )(النساء : 165)
ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك , وأنه لم يجبر أحدا على معصية , ولا اضطره إلى ترك طاعة قال تعالى ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا )(البقرة :286) وقال تعالى ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )(التغابن :16) وقال تعالى ( الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ )(غافر :17) فدل على أن للعبد فعلا وكسبا يُجزى على حسنه بالثواب , وعلى سيئه بالعقاب , وهو واقع بقضاء الله وقدره " ا.هـ لمعة الاعتقاد /194 مطبوع ضمن الجامع للمتون العلمية .


وقال الشيخ السعدي –رحمه الله تعالى – ذاكرا شبهة الجبرية ومجيبا عنها : " إن الجميع يقولون بما جاء به الكتاب والسنة , من إثبات الأصلين : ( أحدهما ) : الاعتراف بأن جميع الأشياء كلها - أعيانها , وأوصافها , وأفعالها - بقضاء وقدر , لا تخرج عن مشيئة الله وإرادته , بل : ما شاء الله كان , وما لم يشأ لم يكن . ( والأصل الثاني ) : أن أفعال العباد - من الطاعات , والمعاصي , وغيرها - واقعة بإرادتهم وقدرتهم : وأنهم لم يجبروا عليها : بل هم الذين فعلوها بما خلق الله لهم : من القدرة : والإرادة . ويقولون : لا منافاة بين الأمرين : فالحوادث كلها - التي من جملتها أفعال العباد - بمشيئة الله وإرادته : والعباد هم الفاعلون لأفعالهم , المختارون لها . فهم الذين اختاروا فعل الخيرات وفعلوها , واختاروا ترك المعاصي فتركوها . والآخرون اختاروا فعل المعاصي وفعلوها , واختاروا ترك الأوامر فتركوها . فاستحق الأولون المدح والثواب , واستحق الآخرون الذم والعقاب . ولم يجبر الله أحدا منهم على خلاف مراده واختياره . فلا عذر للعاصين إذا عصوا وقالوا : إن الله قدرها علينا , فلنا بذلك العذر . فيقال لهم : إن الله قد أعطاكم المكنة والقدرة على كل ما تريدون , وأنتم - بزيغكم وانحرافكم - أردتم الشر ففعلتموه : والله قد حذركم , وهيأ لكم كل سبب يصرف عن معاصيه : وأراكم سبيل الرشد فتركتموه , وسبيل الغي فسلكتموه . وإذا أردت زيادة إيضاح لهذا المقام : فإنه من المعلوم لكل أحد : أن كل فعل يفعله العبد , وكل كلام يتكلم به - فلا بد فيه من أمرين : قدرة منه على ذلك الفعل والقول : وإرادة منه . فمتى اجتمعا : وجدت منه الأقوال والأفعال . والله تعالى هو الذي خلق قدرة العبد , وإرادة العبد : وخالق السبب التام , خالق للمسبب . فالله تعالى خالق أفعال العباد , والعباد هم الفاعلون لها حقيقة . فهذا الإيراد الذي أورده هذا المشكك , وما أشبهه - : من الإيرادات التي يحتج بها أهل المعاصي , بالقدر - يجيبونهم بهذا الجواب , المفحم , فيقولون : دلت أدلة الكتاب والسنة الكثيرة : على أن الله خالق كل شيء وعلى كل شيء قدير وأن كل شيء بقضاء وقدر : الأعيان , والأوصاف , والأفعال . ودلت - أيضا - أدلة الكتاب والسنة : أن العباد هم الفاعلون لفعلهم حقيقة , بقدرتهم واختيارهم . فإنه تعالى نسب إليهم , وأضاف إليهم كل ما فعلوه : من إيمان وكفر , وطاعة ومعصية . وإنه تعالى مكنهم من هذا , ومن هذا . ولكنه تعالى حبب إلى المؤمنين الإيمان وزينه في قلوبهم , وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان : وولى الآخرين ما تولوا لأنفسهم : حيث اختاروا الشر على الخيرة وأسباب العقاب على أسباب الثواب . وهذا - كما أنه معلوم بالضرورة من الشرع - فهو معلوم بالحس الذي لا يمكن أحدا المكابرة فيه : فإن العبد يفرق بين أفعاله التي يقسر ويجبر ويقهر عليها , وبين أفعاله التي يختارها ويريدها , ويحب حصولها " ا.هـ الدرة البهية شرح القصيدة التائية ( 149) .

وسئل شيخنا العلامة ابن عثيمين –رحمه الله تعالى – مثل هذا السؤال ( هل الإنسان مسير أو مخير ؟ ) فأجاب –رحمه الله تعالى - " على السائل أن يسأل نفسه هل أجبره أحد على أن يسأل هذا السؤال وهل هو يختار نوع السيارة التي يقتنيها‏ ؟‏ إلى أمثال ذلك من الأسئلة وسيتبين له الجواب هل هو مسير أو مخير ‏ثم يسأل نفسه هل يصيبه الحادث باختياره‏ ؟‏ هل يصيبه المرض باختياره‏ ؟‏ هل يموت باختياره ‏؟‏ إلى أمثال ذلك من الأسئلة وسيتبين له الجواب هل هو مسير أو مخير ‏. والجواب‏:‏ أن الأمور التي يفعلها الإنسان العاقل يفعلها باختياره بلا ريب واسمع إلى قول الله تعالى-‏:‏ ‏ ( فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً )(النبأ:39)- وإلى قوله تعالى ( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ )(آل عمران :152) وإلى قوله تعالى ‏( وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) (الإسراء:19) وإلى قوله تعالى ( فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) (البقرة :196) حيث خير الفادي فيما يفدي به‏ .‏ ولكن العبد إذا أراد شيئاً وفعله علمنا أن الله -تعالى -قد أراده -لقوله -تعالى-‏:‏ ‏( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ )28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (التكوير:29) فلكمال ربوبيته لا يقع شيء في السموات والأرض إلا بمشيئته تعالى ‏، وأما الأمور التي تقع على العبد أو منه بغير اختياره كالمرض والموت والحوادث فهي بمحض القدر وليس للعبد اختيار فيها ولا إرادة ‏.‏ والله الموفق‏." ا.هـ

وقال –رحمه الله تعالى – " هل الإنسان مسير أو مخير ؟ وهل له إرادة أو ليس له إرادة ؟ فنقول : الإنسان مخير إن شاء آمن وإن شاء كفر بمعنى أن له الاختيار وإن كان ليس سواءً لا يستوي الكفر والإيمان لكن له اختيار أن يختار الإيمان أو أن يختار الكفر وهذا أمرٌ مشاهدٌ معلوم فليس أحدٌ أجبر الكافر على أن يكفر وليس أحدٌ أجبر المؤمن على أن يؤمن بل الكافر كفر باختياره والمؤمن آمن باختياره كما أن الإنسان يخرج من بيته باختياره ويرجع إليه باختياره وكما أن الإنسان يدخل المدرسة الفلانية باختياره ويدخل الجامعة الفلانية باختياره وكما أن الإنسان يسافر باختياره إلى مكة أو إلى المدينة أو ما أشبه ذلك وهذا أمرٌ لا إشكال فيه ولا جدال فيه ولا يمكن أن يجادل فيه إلا مكابر نعم هناك أشياء لا يمكن أن تكون باختيار الإنسان كحوادث تحدث للإنسان من انقلاب سيارة أو صدم أو سقوط بيتٍ عليه أو احتراق أو ما أشبه هذا هذا لا شك أن لا اختيار للإنسان فيه بل هو قضاءٌ وقدر ممن له الأمر ولهذا عاقب الله سبحانه وتعالى الكافرين على كفرهم لأنهم كفروا باختيارهم ولو كان بغير اختيارٍ منهم ما عوقبوا ألا ترى أن الإنسان إذا أكره على الفعل ولو كان كفراً أو على القول ولو كان كفراً فإنه لا يعاقب عليه لأنه بغير اختيارٍ منه ألا ترى أن النائم قد يتكلم وهو نائم بالكفر وقد يرى نفسه ساجداً لصنم وهو نائم ولا يؤاخذ بهذا لأن ذلك بغير اختياره فالشيء الذي لا اختيار للإنسان فيه لا يعاقب عليه فإذا عاقب الله الإنسان على فعله السيئ دل ذلك على أنه عوقب بحقٍ وعدل لأنه فعل السيئ باختياره , وأما توهم بعض الناس أن الإنسان مسير لا مخير من كون الله سبحانه وتعالى قد قضى ما أراد في علمه الأزلي بأن هذا الإنسان من أهل الشقاء وهذا الإنسان من أهل السعادة فإن هذا لا حجة فيه وذلك لأن الإنسان ليس عنده علمٌ بما قدر الله سبحانه وتعالى إذ أن هذا سرٌ مكتوم لا يعلمه الخلق فلا تعلم نفسٌ ماذا تكسب غداً وهو حين يقدم على المخالفة بترك الواجب أو فعل المحرم يقدم على غير أساس وعلى غير علم لأنه لا يعلم ماذا كتب عليه إلا إذا وقع منه فعلاً فالإنسان الذي يصلي لا يعلم أن الله كتب له أن يصلي إلا إذا صلى والإنسان السارق لا يعلم أن الله كتب عليه أن يسرق إلا إذا سرق وهو لم يجبر على السرقة ولم يجبر المصلي على الصلاة بل صلى باختياره والسارق سرق باختياره ولما حدث النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بأنه ( ما من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار ) قالوا : يا رسول الله ألا ندع العمل ونتكل ؟ قال : ( لا اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له ) فأمر بالعمل والعمل اختياري وليس اضطرارياً ولا إجبارياً فإذا كان يقول - عليه الصلاة والسلام- ( اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له ) نقول للإنسان اعمل يا أخي صالحا اعمل صالحاً حتى يتبين أنك ميسر لعمل أهل السعادة وكلٌ بلا شك إن شاء عمل عملاً صالحاً وإن شاء عمل عملاً سيئاً ولا يجوز للإنسان أن يحتج بالقدر على الشرع فيعصي الله ويقول هذا أمرٌ مكتوب علي يترك الصلاة مع الجماعة ويقول هذا أمر مكتوب علي يشرب الخمر ويقول هذا أمر كتب علي يطلق نظره في النساء الأجنبيات ويقول هذا أمرٌ مكتوبٌ علي ما الذي أعلمك أنه مكتوبٌ عليك فعملته , أنت لم تعلم أنه كتب إلا بعد أن تعمل لماذا لم تقدر أن الله كتبك من أهل السعادة فتعمل بعمل أهل السعادة , وأما قول السائل هل للإنسان إرادة ؟ نقول : نعم له إرادة بلا شك قال الله تبارك وتعالى ( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ )(آل عمران : 152) وقال تعالى ( وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) (الإسراء : 19) وقال تعالى ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ) (الشورى :20) والآيات في هذا معروفة وكذلك الأحاديث معروفة في أن الإنسان يعمل باختيار وإرادة ولهذا إذا وقع العمل الذي فيه المخالفة من غير إرادة ولا اختيار عفي عنه قال الله تعالى ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا )(البقرة :28) فقال الله : قد فعلت . وقال تعالى ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ ) (الأحزاب :5) وهذا أمرٌ ولله الحمد ظاهر ولا إشكال فيه إلا على سبيل المنازعة والمخاصمة , والمنازعة والمخاصمة منهيٌ عنهما إذا لم يكن المقصود بذلك الوصول على الحق وقد خرج النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذات يوم على أصحابه وهم يتنازعون في القدر فتأثر من ذلك عليه الصلاة والسلام لأن هذا النزاع لا يؤدي إلى شيء إلا إلى خصومة وتطاول كلام وغير ذلك وإلا فالأمر واضح ولله الحمد." ا.هـ

كما سئلت اللجنة الدائمة عن ذلك ؟

فأجابت اللجنة : أولاً : ثبت أن الله - تعالى - وسع كل شيء رحمة وعلماً وكتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة ، وعمت مشيئته وقدرته كل شيء، بيده الأمر كله لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا راد لما قضى وهو على كل شيء قدير، وقد دلَّ على ذلك وما في معناه نصوص من الكتاب والسنة، وهي كثيرة معروفة عند أهل العلم، ومن طلبها من القرآن ودواوين السنة وجدها، من ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (العنكبوت:62) وقوله (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) ( الزمر:62]، وقوله: "إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" [القمر:49]، وقوله: "وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً" [الإنسان:30]، وقوله: "يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39]، وقوله:"( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير ) الحديد:22]، وقوله: " "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) (يونس99) وقوله: "(وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ) (السجدة: 13)

ومما ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في ذلك ما حث على الذكر به عقب الصلاة من قول: "لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" البخاري (844) ومسلم (593)، وكذا ما جاء في حديث عمر – رضي الله عنه – من سؤال جبريل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن الإيمان فأجاب النبي – صلى الله عليه وسلم – بقوله: "الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" مسلم (8)، فهذه النصوص وما في معناها تدل على كمال علمه - تعالى - بما كان وما هو كائن وتقديره كل شؤون خلقه، وعلى عموم مشيئته وقدرته، ما شاءه – سبحانه - كان وما لم يشأ لم يكن.

ثانياً: ثبت أن الله حكيم في خلقه وتدبيره وتشريعه، رحيم بعباده، وأنه - تعالى - أرسل الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وأنزل الكتب وشرع الشرائع وأمر كلاً منهم أن يبلغها أمته، وأنه - تعالى - لم يكلف أحداً إلاَّ وسعه، رحمة منه وفضلاً، فلا يكلف المجنون حتى يعقل، ولا الصغير حتى يبلغ، وعذر النائم حتى يستيقظ، والناسي حتى يذكر، والعاجز حتى يستطيع ومن لم تبلغه الدعوة حتى تبلغه، رحمة منه تعالى وإحساناً.


وثبت عقلاً وشرعاً الفرق بين حركة الصاعد على سلم مثلاً والساقط من سطح مثلاً، فيؤمر الأول بالمضي إلى الخير وينهى عن المضي إلى الشر والاعتداء، بخلاف الثاني فلا يليق في شرع ولا عقل أن يوجه إليه أمر أو نهي، وثبت الفرق أيضاً بين حركة المرتعش لمرضه وحركة من ليس به مرض، فلا يليق شرعاً ولا عقلاً أن يوجه إلى الأول أمر ولا نهي فيما يتعلق في الرعشة، لكونه ملجأ مضطراً إليه، بل يرثى لحاله ويسعى في علاجه، بخلاف الثاني فقد يحمد كما في حركات العبادات الشرعية، وقد ينهى كما في حركات العبادة غير الشرعية وحركات الظلم والاعتداء، فتكليف الله عباده ما يطيقون فقط وتفريقه في التشريع والجزاء بين من ذكروا وأمثالهم دليل على ثبوت الاختيار والقدرة والاستطاعة لمن كلفهم دون من لم يكلفهم.


ثم إن الله - تعالى - حكم عدل علي حكيم لا يظلم مثقال ذرة، جواد كريم يضاعف الحسنات ويعفو عن السيئات، ثبت ذلك بالفعل الصريح والنقل الصحيح فلا يتأتى مع كمال حكمته ورحمته وواسع مغفرته أن يكلف عباده دون أن يكون لديهم إرادة واختيار لما يأتون وما يذرون وقدرة على ما يفعلون، ومحال في قضائه العادل وحكمته البالغة أن يعذبهم على ما هم إلى فعله ملجؤون وعليه مكرهون، وإذاً فقدر الله المحكم العادل وقضاؤه المبرم النافذ من عقائد الإيمان الثابتة التي يجب الإذعان لها وثبوت الاختيار للمكلفين وقدرتهم على تحقيق ما كلفوا به من القضايا التي صرح بها الشرع وقضى بها العقل، فلا مناص من التسليم بها والرضوخ لها، فإذا اتسع عقل الإنسان لإدراك السر في ذلك فليحمد الله على توفيقه، وإن عجز عن ذلك فليفوض أمره لله، وليتهم نفسه بالقصور في إدراك الحقائق فذلك شأنه في كثير من الشؤون، ولا يتهم ربه في قدره وقضائه وتشريعه وجزائه فإنه - سبحانه - هو العلي القدير الحكيم الخبير، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ) (180) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) (181) )وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الصافات:182) وليكف عن الخوض في ذلك الشأن خشية الزلل والوقوع في الحيرة، وليقنع عن رضا وتسليم بجواب النبي – صلى الله عليه وسلم – لأصحابه – رضي الله عنهم - لما حاموا حول هذا الحمى، فقالوا: يا رسول الله ، أفلا نتكل؟ فقال لهم : "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" رواه البخاري (4949) من طرق عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال : كنا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في بقيع الغرقد في جنازة فقال: "ما منكم من أحد إلاَّ وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار"، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل، فقال: "اعملوا فكل ميسر لما خُلق له"، ثم قرأ قوله تعالى: "فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى"، إلى قوله تعالى: "فسنيسره للعسرى"، ورواه أيضاً مسلم (2647) وأصحاب السنن الترمذي (2136)، وابن ماجة (78)، وأحمد (621( .وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.

الكاتب: الشيخ د.نايف بن أحمد الحمد

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء : عبد الله بن قعود[عضو ] عبد الله بن غديان [عضو] عبد الرزاق عفيفي [نائب رئيس اللجنة] عبد العزيز بن عبد الله بن باز [ الرئيس ] ا.هـ والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء : عبد الله بن قعود[عضو ] عبد الله بن غديان [عضو] عبد الرزاق عفيفي [نائب رئيس اللجنة] عبد العزيز بن عبد الله بن باز [ الرئيس ] ا.هـ والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

جــواد
2008-03-17, 10:22 PM
(( وربك يخلق مايشاء ويختار ما كان لهم الخيرة )) ..
ليس لاحد الخيرة في مسألة الخلق . لان الله هو الذي يخلق ما يشاء ويختار ..
ولن يحاسبك الله على قصرك . ولن يعاتبك على طولك . ولن يعاقبك لانك لم توقف الشمس في مدارها ..
ولكن مجال المساءلة هو مجال التكليف . وانت في هذا المجال حر . وهذه هي الحدود التي نتكلم فيها .
انت حر ان تقمع شهوتك وتلجم غضبك وتقاوم نفسك وتزجر نياتك الشريرة وتشجع ميولك الخيرة ..
انت تستطيع ان تجود بمالك ...
انت تستطيع ان تكذب او تصدق ..
وتستطيع ان تكف بصرك عن عورات الاخرين ..
وتستطيع ان تمسك لسانك عن الغيبة او النميمة ..
في هذا المجال نحن احرار ..
وفي هذا المجال نحاسب ونسأل ..
الحرية التي يدور حولها البحث هي الحرية النسبية وليست الحرية المطلقة ..
حرية الانسان في مجال التكليف ..
وهذه الحرية حقيقة ودليلنا عليها شعورنا الفطري بها في داخلنا ..
فنحن نشعر بالمسئولية والندم على الخطأ .. وبالراحة للعمل الطيب ..
ونحن نشعر كل لحظة اننا نختار ونوازنبين احتمالات متعددة .
بل ان وظيفة عقلنا الاولى هي الترجيح والاخيار بين البديلات ..
ونحن نفرق بشكل واضح بين يدنا وهي ترتعش بالحمى ..
ويدنا وهي تكتب خطاباً .
فنقول ان الحركة الاولى جبرية قهرية .. والحركة الثانية حرة اختيارية .
ولو كنا مسيرين في الحالتين لما استطعنا التفرقة ..
ويؤكد هذه الحرية ما نشعر به من استحالة اكراه القلب على شيء لايرضاه تحت أي ضغط ..
فيمكنك ان تُكره امرأة على بالتهديد والضرب على ان تخلع ثيابها ..
ولكنك لاتستطيع بأي ضغط او تهديد ان تجعلها تحبك من قلبها ..
ومعنى هذا ان الله اعتق قلوبنا من كل صنوف الاكراه والاجبار وانه فطرها حرة ..
ولهذا جعل القلب والنية عمدة الاحكام .
فالمؤمن الذي ينطق بعبارة الشرك والكفر تحت التهديد والتعذيب لايحاسب على ذلك طالما ان قلبه من الداخل مطمئن بالايمان وقد استثناه الله من المؤاخذة في قوله تعالى :
(( الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان )) ..
والوجه الاخر من الخلط في هذه المسألة ان بعض الناس يفهم حرية الانسان بانها علو على المشيئة ..
وانفراد بالامر ..
فيتهم القائلين بالحرية بانهم اشركوا بالله وجعلوا له انداداً يأمرون كأمره . ويحكمون كحكمه .
وهذا مافهمته انت ايضاً .
فقلت بتعدد المشيئات . وهو فهم خاطيء . فالحرية الانسانية لا تعلو المشيئة الالهية ..
ان الانسان قد يفعل بحريته ما ينافي الرضا الالهي ولكنه لايستطيع ان يفعل ما ينافي المشيئة ..
الله اعطانا الحرية ان نعلو على رضاه ( فنعصيه ) ..
ولكن لم يعط احداً الحرية في ان يعلو على مشيئته . وهنا وجه اخر من وجوه نسبية الحرية الانسانية ..
وكل ما يحدث منا داخل في المشيئة الالهية وضمنها . ..وان خالف الرضا الالهي وجانب الشريعة ..
وحريتنا ذاتها كانت منحة الهية وهبة منحها لنا الخالق باختياره ولم نأخذها منه كرهاً ولا غصباً ..
ان حريتنا كانت عين مشيئته ..
ومن هنا معنى الاية :
(( وما تشاءون الا ان يشاء الله )) ..
لان مشيئتنا ضمن مشيئته . ومنحة منه . وهبة من كرمه وفضله .
فهي ضمن ارادته لا ثنائية ولا تناقض . ولا منافسة منا لامر الله وحكمه ..
والقول بالحرية بهذا المعنى لاينافي التوحيد . ولا يجعل لله انداداً يحكمون كحكمه ويأمرون كامره ..
فأن حرياتنا كانت عين امره ومشيئته وحكمه ...
والوجه الثالث للخلط ان بعض من تنالوا مسألة القضاء والقدر والتيسير والتخيير .
فهموا القضاء والقدر بأنه اكراه للانسان على غير طبعه وطبيعته ..
وهذا خطأ وقعت فيه انت ايضاً ..
وقد نفى الله عن نفسه الاكراه بآيات صريحة :
(( ان نشاء ننزل عليهم من السماء آية فظلت اعناقهم لها خاضعين )) ..
والمعنى واضح انه كان من الممكن ان نكره الناس على الايمان بالايات الملزمة . ولكننا لم نفعل .
لانه ليس في سنتنا الاكراه ..
(( لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ))
(( ولو شاء لربك لآمن من في ارض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ))
ليس في سنة الله الاكراه ..
والقضاء والقدر لايصح ان يفهم على انه اكراه للناس على غير طبعائهم . وانما على العكس ..
الله يقضي على كل انسان من جنس نيته . ويشاء له من جنس مشيئته . ويريد له من جنس ارادته .
لا ثنائية . تسيير الله هو عين تخيير العبد .
لانه الله يسير كل امرىء على هوى قلبه وعلى مقتضى نياته .
( من كان يريد حرث نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها )
( وفي قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا )
( والذين اهتدوا زادهم هدى )
وهو يخاطب الاسرى في القرآن :
( ان يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما اخذ منكم )
الله يقضي ويقدر . ويجري قضاؤه وقدره على مقتضى النية والقلب . ان شراً فشر وان خيراً فخير ..
ومعنى هذا انه لا ثنائية .. التسيير هو عين التخيير . ولا ثنائية ولا ثناقض ..
الله يسيرنا الى ما اخترناه بقلوبنا ونياتنا . فلا ظلم ولا اكراه ولا جبر . ولا قهر لنا على غير طبائعنا .
( فاما من اعطى واتقى * وصدقى بالحسنى * فسنيسره لليسرى * واما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى )
( وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى )
هنا تلتقى رمية العبد والمرية المقدورة من الرب . فتكون رمية واحدة ..
وهذا مفتاح لغز القضاء والقدر على العبد النية . وعلى الله التمكين . ان خيراً فخير وان شرا فشر .
والحرية الانسانية ليست مقداراً ثابتاً . ولكنها نسبية قابلة للزيادة .
الانسان يستطيع ان يزيد من حريته بالعلم .
باختراع الوسائل والمواصلات استطاع الانسان ان يطوي الارض . ويهزم المسافات ويخترق قيود الزمان والمكان .
وبدراسة قوانين البيئة استطاع ان يتحكم فيها ويسخرها لخدمته .
وعرف كيف يهزم الحر والبرد والظلام . وبذلك يضاعف من حرياته في مجال الفعل .
العلم كان وسيلة الى كسر القيود والاغلال واطلاق الحرية .
اما الوسيلة الثانية فكانت الدين . الاستمداد من الله بالتقرب منه .
والاخذ عنه بالوحي والتلقي والتأييد .
وهذه وسيلة الانبياء ومن في دربهم .
سخر سليمان الجن وركب الريح وكلم الطير بمعونة الله ومدده .
وشق موسى البحر .. واحيا المسيح الموتى . ومشى على الماء . وابراء الاكمه والابرص والاعمى .
ونقرأ عن الاولياء اصحاب الكرامات الذين تطوى لهم الارض وتكشف لهم المغيبات ,
وهي درجات من الحرية اكتسبوها بالاجتهاد في العبادة والتقرب الى الله والتحبب اليه .
فافاض عليهم من علمه المكنون ..
انه العلم مرة اخرى ..
ولكنه هذه المرة العلم (( اللدني ))
ولهذا يلخص ابو حامد الغزالي مشكلة المخير والمسير قائلاً في كلمتين :
( الانسان مخير فيما يعلم .. مسير فيما لايعلم )
وهو يعني بهذا انه كلما اتسع علمه اتسع مجال حريته .
سواء كان العلم المقصود هو العلم الموضوعي او العلم اللدني .
ويخطيء المفكرون الماديون اشد الخطأ حينما يتصورن الانسان اسير الحتميات التاريخية والطبقية ..
ويجعلون منه حلقة في سلسلة من الحلقات لافكاك له . ولا مهرب من الخضوع لقوانين الاقتصاد
وحركة المحتمع . كانما هو قشة في تيار بلا ذراعين وبلا ارادة .
والكلمة التي يرددونها ولايتعبون من ترديدها وكأنها قانون ( حتمية الصراع الطبقي )
وهي كلمة خاطئة في التحليل العلمي . لانه لاحتميات في المجال الانساني ..
وانما على الاكثرترجيحات واحتمالات . وهذا هو الفرق بين الانسان والتروس .. والآلات والاجسام المادية ..
فيمكن التنبؤ بكسوف الشمس بالدقيقة والثانية ..
ويمكن التنبؤ بحركاتها المستقبلية على مدى الايام والسنين ..
اما الانسان فلا يمكن ان يعلم احد ماذا يضمر وماذا يخبيء في نياته ..
وماذا يفعل غداً او بعد غد .
ولايمكن معرفة هذا الا على سبيل الاحتمالات والترجيح والتخمين .
وذلك على فرض توفر المعلومات الكافية للحكم .
وقد اخطأت جميع تنبؤات كارل ماركس ..
فلم تبدا الشيوعية في بلد متقدم كما تبأ . بل في بلد متخلف .
ولم يتفاقم الثراع بين الراسمالية والشيوعية . بل تقارب الاثنان الى حالة من التعايش السلمي .
واكثر من هذا فتحت الشيوعية ابوابها لراس المال الامريكي ..
ولم تتصاعد التناقضات في المجتمع الراسمالي الى الافلاس الذي توقعه كارل ماركس .
بل على العكس . اذدهر الاقتصاد الراسمالي ووقع الشقاق والخلاف بين اطراف المعسكر الاشتراكي ذاته ..
اخطأت حسابات ماركس جميعها دالة بذلك على خطأ منهجه الحتمي .
وراينا صراع العصر الذي يحرك التاريخ هو الصراع اللاطبقي بين الصين وروسيا .
وليس الصراع الطبقي الذي جعله ماركس عنوان منهجه .
وكلها شواهد على فشل الفكر المادي في فهم الانسان والتاريخ .
وتخبطه في حساب المستقبل . وجاء كل ذلك نتيجة خطأ جوهري .
هو ان الفكر المادي تصور ان الانسان .. ذبابة في شبكة الحتميات .
ونسي تماماً ان الانسان حر . وان حريته حقيقية ...
اما كلام الماديين عن حكم البيئة والمجتمع والظروف . وان الانسان لا يعيش وحده ولا تتحرك حريته في فراغ .
نقول رداً على هذا الكلام :
ان حكم البيئة والمجتمع والظروف كمقاومات للحرية الفردية انما يؤكد المعنى الجدلي لهذه الحرية ولا ينفيه ..
فالحرية الفردية . لا تؤكد ذاتها الا في وجه مقاومة تزحزحها .
اما اذا كان الانسان يتحرك في فراغ بلا مقاومة ومن أي نوع . فأنه لايكون حراً بالمعنى المفهوم للحرية ..
لانه لن تكون هناك عقباة يتغلب عليها ويؤكد حريته من خلالها ...

****

من كتاب حوار مع صديقي الملحد ..
د.مصطفى محمود

ذو الفقار
2008-03-17, 10:39 PM
موضوع غاية في الأهمية وإضافة رائعة جداً

نرجوا التركيز على المواضيع الإسلامية والدعوية كما نركز على المواضيع العامة والثقافية

جزاكِ الله خيراً أختي الزنبقة
ولك الأجر أخي القلم الصارم

حياكما الله

زنبقة الاسلام
2008-03-18, 08:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
جزاك الله كل خير اخي القلم الصارم على اضافتك المميزه
حياك الله اخي ذو الفقار وبارك الله فيك

صفاء
2008-03-19, 01:10 AM
جزاك الله كل خير اختي الغالية زنبقة وبارك الله فيك على الموضوع القيم :p01sdsed22:
واسال الله الا يحرمك الاجر والثواب
حياك الله اختي

زنبقة الاسلام
2008-03-19, 04:33 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
جزاك الله كل خير اختي الحبيبة صفاء

واسال الله الا يحرمك الاجر والثواب
اللهم امين

ossama
2008-03-19, 05:58 PM
ماشاء الله ولا قوة الا بالله

زنبقة الاسلام
2008-03-19, 06:04 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اهلا اخي اسامه نورت الموضوع
اشتقنا لمرورك العطر
بارك الله فيك

فدائية الاسلام
2008-03-23, 09:14 PM
الله يعطيك العافية اختي زنبقة الاسلام

زنبقة الاسلام
2008-03-23, 10:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الله يعافيك اختي الحبيبة الفدائيه
منورة المووع وبارك الله فيك