8- ولم يكن الخلاف خلافاً (علمياً) مع الدين فحسب ، بل كان أيضاً خلافاً أخلاقياً وسياسياً مع الكنيسة التي تتحدث باسم هذا الدين. لأسباب مثل هذه اعتقد كثير من المؤمنين بوجود الخالق والمدافعين عن هذا الإيمان؛ أنه ينبغي أن لا يربط الإيمان بالله بالدين.

قال أحد مؤرخي الإلحاد في الحضارة الغربية:

" أن يكون هذا [ أي الدفاع عن وجود الخالق ] من غير لجوء إلى الكنيسة ، كان يبدو بدهياً ؛ فقد كانت الكنيسة جزءاً من المشكلة ، جزءاً من المرض الذي كان يصيب كل معرفة بالله ، لا جزءاً من العلاج . لقد كانت الكنائس هي الأرض التي أنبتت الإلحاد" (1)
--------
(1) Atheism, Buckley, P.38.
--------



9- وكان من أكبر أسباب الإلحاد : بعض القواعد الفكرية التي أصلَّ لها ودافع عنها فلاسفة مشهورون محترمون مؤثرون، كانوا في أنفسهم مؤمنين لكن قواعدهم الفكرية تلك كانت في حقيقتها قواعد للإلحاد؛ ولذلك اقتنع كثير ممن جاء بعدهم بتلك القواعد الفكرية وأسسوا عليها إلحادهم، واعتبروا إيمان أولئك الفلاسفة الذين قعَّدوها أمراً شخصياً لا يتناسب مع ما قعَّدوا من قواعد عقلية.

كان من هؤلاء الفلاسفة (ديكارت) الذي أتى بنظرية للطبيعة ، ومن ثم للعلوم الطبيعية، فحواها : أن الطبيعة – بعد أن خلقها الله – صارت مستقلة تماماً بقوانينها التي أودعها إياها، ولم يعد الخالق يتدخل في شؤونها أو يوقف فاعليتها !!

صار الخالق إذن شيئاً بعيداً عن حياة الناس اليومية واهتماماتهم الحالية !!

صار شيئاً يمكن أن تستمر الحياة من غير لجوء إليه أو حتى تذكره !!

ولم يعد من ضرورة لذكره إلا إذا كان الحديث عن بداية الخلق .

لم يلبث هذا الخالق السلبي أن تحوَّل عند كثير من العلماء الطبيعيين إلى مجرد اسم مجازي للمبدأ أو المبادئ التي يقوم عليها نظام الطبيعة.


إن كثيراً من الناس يظنون أن إينشتاين كان مؤمناً بالله حين يسمعون ذكره لله في عبارات مثل قوله المشهور: " إن الإله الرب لا يقامر". لكن إينشتاين إنما كان يستعمل هذه العبارة مجازاً ليعرب عن رفضه للنظرية التي تقول بان المصادفة حقيقة موضوعية في بنية الكون وليست أمراً نسبياً خاصاً بالمشاهد للكون.


وفي أيامنا هذه قال الفيزيائي (جورج سميث) الذي اكتشف وجود (تجعدات) في الإشعاع الكوني الخلفي ترجع إلى ثلاثمائة ألف سنة الأولى لعمر الكون، والتي كانت النواة التي تكونت منها الأجسام الكونية بحسب نظرية الانفجار العظيم، قال وهو يعلن ذلك الاكتشاف ويشرحه لغير المختصين في مؤتمر صحفي عام 1992:

"إذا كنت متديناً فكأنك ترى الله".

وكانت هذه العبارة من بين كل ما قال في شرح اكتشافه هي التي تناقلتها وسائل الإعلام ونشرتها على نطاق واسع في العالم كله. لكنه حين كتب كتابه المسمَّى: (تجعدات في الزمان) قال – وكأنه يعتذر لإخوانه الفيزيائيين -:

" في علم الكون يتلاقى علم الطبيعة بالفلسفة ، عندما يقترب البحث من السؤال الأقصى عن وجودنا فإن الخطوط الفاصلة بينهما تكاد تنطمس.

إن إينشتاين الذي وهب نفسه للتفسير العقلاني للكون، قال ذات مرة: "إنني أريد أن أعرف كيف خلق الله العالم ؟ أريد أن اعرف أفكارهلقد قصد أن يكون هذا مجازاً، لقد كان يعبر به عن المدى العميق الذي ذهب إليه في البحث. ولقد كانت ملاحظتي التي كثر الاستدلال بها مصوغة في هذا القالب نفسه" (1)
------
(1) تجعدات في الزمان، جورج سميث، ص 289.
------


وكان منهم ( كانط ) الذي زعم أن مبدأ السببية مبدأ خاص بعالمنا هذا.

إن مسلك هؤلاء الفلاسفة يدل على حقيقة ينبغي أن نعتبر بها ، وهي أن الإنسان قد يكون في نفسه مؤمناً – أو منتسباً إلى جماعة المؤمنين – ويكون في بعض فكره كافراً.

وشأن الفكر هنا كشأن السلوك ؛ فالإنسان يكون مؤمناً لكنه يكون منطوياً على جاهلية ، ويتصرف تصرفاً جاهلياً لا يتناسب مع إيمانه ، بل يتناقض مع ذلك الإيمان. ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " (2) ؟ كذلك الفكر ، لكن الانحراف الفكري أعظم خطراً على المنحرف وعلى غيره من الانحراف السلوكي.
------
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب: الزنا وشرب الخمر، رقم 2475، ومسلم في كتاب
الإيمان، باب: في بيان نقصان الإيمان بالمعاصي، رقم 57.
-------



لقد مر المسلمون في تاريخهم بتجارب من هذا النوع :

لقد كان الجهمية مثلاً معلنين للإسلام بل كان فيهم عُبُّاد ، لكن تصورهم لصفات الله – تعالى – كان تصوراً إلحادياً ، كما ذكرنا قبل هنيهة.

فلولا أن الله تعالى أنقذ الأمة بجهابذة من علماء السنَّة بينَّوا زيف ما يقولون عقلاً ونقلاً لربما كان لهم في تاريخنا أثر مثل أثر أولئك الفلاسفة الغربيين.

لقد استطاع علماء السنَّة أن يبينوا أن القواعد التي قعَّدها الجهمية زائفة عقلاً، وأنه يلزم عنها الإلحاد.




تابع