السلام عليكم

كانت مصر في تلك الفترة لاتستطيع أن ترسل قواتها إلى الأندلس لأسباب عديدة إلا أن حاكمها المملوكي استعمل الضغط السياسي، فأرسل راهبين لسفارة مصرية مملوكية، إلى البابا أنوصان الثامن، وإلى ملوك النصرانية ليبين لهم أن النصارى في بلاد المسلمين في منتهى الأمان والاطمئنان والحرية والحماية، والمسلمون تسفك دماؤهم، وتستحل حرمتهم، وتغزا أراضيهم في الأندلس وتوعد سلطان المماليك فرديناند إن لم يغيِّر خطته وسياسته تجاه غرناطة، وإلا اضطر إلى تغيير سياسته حيال النصارى في بلاد المسلمين كمعاملة بالمثل استقبل فرديناند السفيرين، ولم يعبأ بوعيد السلطان الأشرف، ولم يغيِّر خطته، ولكنه كتب إليه في أدب المجاملة: "أنهما - فرديناند وزوجه ايزبيلا - لايفرقان في المعاملة بين رعاياهما المسلمين والنصارى، ولكنهما لايستطيعان صبراً على ترك أرض الآباء والأجداد في يد الأجانب، وأن المسلمين إذا شاؤوا حياة في ظل حكمهما راضين مخلصين، فإنهم سوف يلقون منهما مايلقاه الرعايا الآخرون من الرعاية".

وفشلت المحاولة الدبلوماسية، وتركت غرناطة تلاقي قضاءها المحتوم، ولم ينفذ السلطان تهديده، فلم يضطهد أحداً، لأن الإسلام لايجيز له ذلك. وأخذت المدن تتساقط تباعاً بيد فرديناند، فسقطت المرية في عام 895هـ/1890م واستسلمت بشروط هي أنموذج لشروط سقوط باقي القواعد الإسلامية واهمها:

1- أن يحتفظ المسلمون بدينهم وشريعتهم وأموالهم.
2- تخفف عنهم أعباء الضرائب.
3- ألا يولى عليهم يهودي.
4- ألا يدخل نصراني في "الجماعة الإسلامية"
5- وأن يختار الأولاد الذين يولدون من أمهات نصارى الدين الذي يريدون عند البلوغ.. وغيرها من الشروط إلا إن النصارى لايلتزمون بشيء من ذلك بل يسبون النساء ويسترقون الرجال ويغتصبون الأموال. وسقطت الثغور التي كانت تصل غرناطة بالمغرب حيث كانت تفد بعض المتطوعة، وانقطعت الصلة نهائياً بعدوة المغرب والشمال الإفريقي وتطور سير الأحداث وخضع ابو عبدالله الزغل لملك قشتالة على الرغم من شجاعته وبسالته وبقي الزغل يحكم وادي آش تحت حماية ملك قشتالة، ولم تقبل نفسه الأبيه هذا الوضع المهين، فترك الأندلس مهاجراً إلى المغرب، ونزل وهران، ثم استقر في تلمسان حزيناً على ضياع الأندلس.

وبقيت غرناطة وعلى عرشها أبو عبدالله الصغير تنتظر مصرعها والضربة القاضية من النصارى.

في سنة 895هـ/1890م، أرسل الملكان الكاثوليكيان - فرديناند وزوجه ايزابيلا - وفداً يطلب تسليم غرناطة من أبي عبدالله الصغير، فثارت نفس أبي عبدالله الصغير لهذا الغدر والخيانة، وأدرك فداحة الخطأ الذي ارتكبه في محالفة هذا الملك الغادر، ومعاونته على بني دينه وعقيدته ووطنه فرفض الانقياد والخضوع وقرر المقاومة وسار فرديناند بجيش تراوح ما بين 50-80 ألفاً، مع مدافع وعُدَد ضخمة، وذخائر وأقوات، وعسكر على ضفاف نهر شنيل على مقربة من غرناطة في 12 جماد الثانية سنة 896هـ/سنة 1491م، وأتلف الزروع والحقول والقرى كي لاتمد غرناطة بأي طعام، وحاصر غرناطة المدينة الوحيدة المتبقية من عز تليد وملك مديد ضارب في ذاكرة التاريخ السحيق وأصبحت محاطة بالعدو من كل جهاتها.

لقد استبسل المسلمون وتحملوا الحصار بل خرجوا لقتال العدو المحاصر وافسدوا عليه خططه وتدابيره.
وظهر في تلك المقاومة موسى بن أبي غسّان والذي قرر الموت دون الاستسلام ومن أقواله في ذلك: (ليعلم ملك النصارى أن العربي قد ولد للجواد والرمح، فإذا طمع إلى سيوفنا فليكسبها، وليكسبها غالية، أما أنا فخير لي قبر تحت أنقاض غرناطة في المكان الذي أموت فيه مدافعاً عنه، من أفخر قصور نغنمها بالخضوع لأعداء الدين".

وتولى موسى قيادة الفرسان المسلمين، يعاونه نعيم بن رضون، ومحمد بن زائدة، وتولى آل الثغري حراسة الأسوار، وتولى زعماء القصبة والحمراء حماية الحصون.

وحل الشتاء، وقلت المؤن، والذخائر ودخل الوزير المسؤول عن غرناطة "أبو القاسم عبدالملك" مجلس أبي عبدالله الصغير، وقال: إن المؤن الباقية لاتكفي إلا لأمد قصير، وإن اليأس قد دبَّ إلى قلوب الجند والعامة، والدفاع عبث لايجدي.

ولكن موسى بن أبي غسَّان قرر الدفاع ما أمكن، فقال للفرسان "لم يبقى لنا سوى الأرض التي نقف عليها، فإذا فقدناها فقدنا الاسم والوطن".

استمر الحصار سبعة أشهر، واشتد الجوع والحرمان والمرض، واعيد تقويم الموقف في بهو الحمراء، فأقر الملأ التسليم إلا موسى بن أبي غسان الذي قال بحزم: "لم تنضب كل مواردنا بعد.. ولنقاتل العدو حتى آخر نسمة، وإنه لخير لي أن أحصى بين الذين ماتوا دفاعاً عن غرناطة من أن أحصى بين الذين شهدوا تسليمها..".

وكانت هذه الكلمات الصادقة تخاطب أناس انهزموا في داخلهم وخارت عزائمهم، وضعفت معنوياتهم، فقرروا المفاوضة والتسليم، وكلف لهذه المهمة الأليمة الوزير أبو القاسم عبدالملك جاء في نفح الطيب: "وفي ثاني ربيع الأول من السنة - أعني سنة سبع وتسعين وثمانمائة - استولى النصارى على الحمراء ودخلوها بعد أن استوثقوا من أهل غرناطة بنحو خمسمائة من الأعيان رهناً خوفاً من الغدر، وكانت الشروط سبعة وستين منها: تأمين الصغير والكبير في النفس والأهل والمال وإبقاء الناس في أماكنهم ودورهم ورباعهم وعقارهم، ومنها إقامة شريعتهم على ماكانت، ولايحكم على احد منهم إلا شريعتهم وأن تبقى المساجد كما كانت والأوقاف كذلك، وأن لايدخل النصارى دار مسلم ولايغصبوا أحداً، وأن لايولى على المسلمين نصراني أو يهودي ممن يتولى عليهم من قبل سلطانهم قبل وأن يفتك جميع من أسرى في غرناطة من حيث كانوا، وخصوصاً أعياناً نصَّ عليهم، ومن هرب من أسارى المسلمين ودخل غرناطة لاسبيل عليه لمالكه ولاسواه، والسلطان يدفع ثمنه لمالكه، ومن أراد الجواز للعُدْوة ولا يُمنْع، ويجوزون في مدة عُينت في مراكب السلطان لايلزمهم إلا الكراء ثم بعد تلك المدة يعطون عشر مالهم من الكراء، وأن لايؤخذ أحد بذنب غيره، وأن لايقهر من أسلم على الرجوع للنصارى ودينهم، وأن من تنصَّر من المسلمين يُوقف أياما حتى يطهر حاله ويحضر له حاكم من المسلمين وآخر من النصارى، فإن أبى الرجوع إلى الإسلام تمادى على ما أراد، ولايعاقب من قتل نصرانيا أيام الحرب، ولا يؤخذ منه ماسلب من النصارى أيام العداوة، وترفع عنهم جميعهم المظالم والمغارم المحدثة، ولايطلع نصراني للسور، ولا يتطلع على دور المسلمين، ولايدخل مسجداً من مساجدهم، ويسير المسلم في بلاد النصارى آمناً في نفسه وماله، ولايجعل علامة كما يجعل اليهود وأهل الدجن.

ولايمنع مؤذن ولا مُصَلِّ ولا صائم ولاغيره من أمور دينه، ومن ضحك منهم يُعاقب، ويتركون من المغارم سنين معلومة، وأن يوافق على كل الشروط صاحب رومة ويضع خط يده ويقول المقري بعد هذا: "وأمثال هذا مما تركنا ذكره" من الشروط.