السلام عليكم\
ما كان يجري في مجلس رسول – صلى الله عليه وسلم -:
نبعت ينابيع الهدى والحكمة والتشريع من مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن منبره، ولقد كان أكثر ما رواه أصحابه عنه مما سمعوه منه في مجلسه؛ لذلك يكثر أن تجد في الأحاديث المروية عن الصحابة أن يقول الصحابي: "بينما نحن جلوس عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم -".
وكان يقع التحاكم عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم - في مجلسه، وقد حكم فيه بين المسلمين كثيراً، وبين اليهود في قصة الرجم؛ إذ جاءه اليهود برجل وامرأة زنيا فأمر بهما، فرجما في موضع الجنائز من المسجد.
وكانت تفد عليه الوفود وهو في مجلسه، ويأتيه سفراء المشركين من أهل مكة، ويَعْتَوِرُه العُفاة، وأصحاب الحاجات.
في الشفاء أن أعرابيَّاً جاء يطلب من النبي – صلى الله عليه وسلم - شيئاً فأعطاه ثم قال له: أأحسنت إليك؟ قال الأعرابي: لا ولا أجملت، فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم - أَنْ كُفُّوا، ثم قام ودخل منزله وأرسل إليه وزاده، فقال له: أأحسنت إليك؟ قال: نعم.
ثم هو - أيضاً - مجلس أدب ينشد فيه الشعر وتضرب فيه الأمثال.
ولقد أنشد كعب بن زهير قصيدته المشهورة فلما بلغ إلى وصف راحلته فقال:
قنواء في حرتيها للبصير بها عِتْقٌ مبينٌ وفي الخدين تسهيل
فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: ما حرتاها؟ فقال بعضهم: عيناها، وسكت بعضهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هما أذناها.
ولما بلغ كعب قوله في مدح المهاجرين:
لا يقع الطعن إلا في نحورهم وما لهم عن حياض الموت تهليل
نظر رسول الله – صلى الله عليه وسلم - إلى من حوله من قريش نظر من يومئ إليهم أن اسمعوا هذا المدح.
وروى الترمذي عن جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال: جالست رسول الله – صلى الله عليه وسلم - أكثر من مرة وكان أصحابه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون من أمر الجاهلية وهو ساكت، وربما تبسم معهم.
وقد ورد في الأثر أن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم - إذا دخلوا عليه كانوا لا يفترقون إلا عن ذَواق، ويخرجون أدلة.
للعلماء اختلاف في تأويله، فحمله بعضهم على ظاهره، أي لا يفترقون إلا بعد أن يطعموا طعاماً قليلاً؛ ولذلك عبر عنه بذَواق، وهو بفتح الذال الشيء المَذُوق من تمر أو نحوه أو ماء.
وقد ورد في حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم - إذ أتى بِجُمَّار نخلة...إلخ. أي أتى به ليؤكل في مجلسه، ولذلك ترجم البخاري هذا الحديث: باب أكل الجمار، وفي حديث الموطأ عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: جاء رجل إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يذكر أنه وقع على أهله في نهار رمضان إلى أن قال: فبينما نحن على ذلك إذ أُتي النبي – صلى الله عليه وسلم - بعرق فيه تمر... إلخ.
والعَرَِق بفتح العين وفتح الراء ويجوز كسرها هو المكتل أي الزنبيل. وتأوله الأنباري، وابن الأثير، وغير واحد أنه أراد أنهم لا يتفرقون إلا عن علم تعلموه يَقُوْم لأنفسهم مقامَ الطعامِ والشراب للأجسام في الانتعاش والالتذاذ؛ فجرى الكلام على طريقة الاستعارة.