صفحة 5 من 5 الأولىالأولى 12345
النتائج 41 إلى 46 من 46
 

العرض المتطور

  1. #1
    مراقبة الأقسام العامة
    أمـــة الله غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 15
    تاريخ التسجيل : 1 - 10 - 2007
    الدين : الإسلام
    الجنـس : أنثى
    المشاركات : 14,900
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    التقييم : 10
    معدل تقييم المستوى : 33

    افتراضي




    نظام الطبقات الجائر

    أما نظام الطبقات فلم يعرف في تاريخ أمة من الأمم نظامًا أشد قسوة وأعظم فصلاً بين طبقة وطبقة، وأشد استهانة بشرف الإنسان من النظام الذي اعترفت به الهند دينيًّا ومدنيًّا، وخضعت له آلافًا من السنين ولا تزال، وقد بدت طلائع التفاوت الطبقي في آخر العهد الويدي بتأثير الحرف والصنائع وتوارثها، وبحكم المحافظة على خصائص السلالة الآرية المحتلة ونجابتها، وقبل ميلاد المسيح بثلاثة قرون ازدهرت في الهند الحضارة البرهمية، ووُضِعَ فيها مرسومٌ جديدٌ للمجتمع الهندي، وأُلِّفَ فيه قانون مدني وسياسي اتفقت عليه البلاد، وأصبح قانونًا رسميًّا ومرجعًا دينيًّا في حياة البلاد ومدنيتها، وهو المعروف الآن بـ (منوشاستر).

    يقسم هذا القانون أهل البلاد إلى أربع طبقات ممتازة البراهمة: طبقة الكهنة ورجال الدين، شتري رجال الحرب، ويش رجال الزراعة والتجارة، شودر رجال الخدمة. ويقول منو مؤلف هذا القانون: "إن القادر المطلق قد خلق لمصلحة العالم البراهمة من فمه، وشتري من سواعده، وويش من أفخاذه، والشودر من أرجله، ووزع لهم فرائض وواجبات لصلاح العالم. فعلى البراهمة تعليم ويد، وتقديم النذور للآلهة، وتعاطي الصدقات، وعلى الشتري حراسة الناس والتصدق، وتقديم النذور، ودراسة "ويد" والعزوف عن الشهوات، وعلى ويش رعي السائمة، والقيام بخدمتها، وتلاوة ويد، والتجارة والزراعة، وليس لشودر إلا خدمة هذه الطبقات الثلاث.
    - امتيازات طبقة البراهمة

    وقد منح هذا القانون طبقة البراهمة امتيازات وحقوقًا ألحقتهم بالآلهة، فقد قال: إن البراهمة هم صفوة الله وهم ملوك الخلق، وإن ما في العالم هو ملك لهم فإنهم أفضل الخلائق وسادة الأرض، ولهم أن يأخذوا من مال عبيدهم شودر – من غير جريرة – ما شاءوا، لأن العبد لا يملك شيئًا، وكل ماله لسيده. وإن البرهمي الذي يحفظ رك ويد "الكتاب المقدس" هو رجل مغفور له ولو أباد العوالم الثلاثة بذنوبه وأعماله، ولا يجوز للملك حتى في أشد ساعات الاضطرار والفاقة أن يجبي من البراهمة جباية أو يأخذ منهم إتاوة، ولا يصح لبرهمي في بلاده أن يموت جوعًا، وإن استحق برهمي القتل لم يجز للحاكم إلا أن يحلق رأسه، أما غيره فيقتل.

    أما الشتري فإن كانوا فوق الطبقتين "ويش وشودر" ولكنهم دون البراهمة بكثير؛ فيقول "منو":
    إن البرهمي الذي هو في العاشرة من عمره يفوق الشتري الذي ناهز مائة، كما يفوق الوالد ولده.
    - المنبوذون الأشقياء

    أما شودر "المنبوذون" فكانوا في المجتمع الهندي – بنص هذا القانون المدني الديني - أحط من البهائم وأذل من الكلاب؛ فيصرح القانون بأن "من سعادة شودر أن يقوموا بخدمة البراهمة، وليس لهم أجر وثواب بغير ذلك. وليس لهم أن يقتنوا مالاً أو يدخروا كنزًا، فإن ذلك يؤذي البراهمة، وإذا مَدَّ أحدٌ من المنبوذين إلى برهمي يدًا أو عصًا ليبطش به قُطِعَتْ يدُه، وإذا رفسه في غضب فُدِعَتْ رجله، وإذا هَمَّ أحدٌ من المنبوذين أن يجالس برهميًّا، فعلى الملك أن يكوي استه وينفيه من البلاد، وأما إذا مسه بيد أو سبه فيقتلع لسانه، وإذا ادعى أنه يعلمه سُقِيَ زيتًا فائرًا، وكفارة قتل الكلب والقطة والضفضعة والوزغ والغراب والبومة ورجل من الطبقة المنبوذة سواء".
    مركز المرأة في المجتمع الهندي

    وقد نزلت النساء في هذا المجتمع منزلة الإماء، وكان الرجل قد يخسر امرأته في القمار، وكان بعض الأحيان للمرأة عدة أزواج، فإذا مات زوجها صارت كالموءودة لا تتزوج، وتكون هدف الإهانات والتجريح، وكانت أَمَةَ بيت زوجها المُتوفَّى وخادم الأحماء، وقد تحرق نفسها على إثر وفاة زوجها تفاديًا من عذاب الحياة وشقاء الدنيا. وهكذا صارت هذه البلاد المخصبة أرضًا وعقولاً - التي وصفها بعض مؤرخي العرب بكونها معدن الحكمة، وينبوع العدل والسياسة، وأهل الأحلام الراجحة، والآراء الفاضلة؛ لبعد عهدها عن الدين الصحيح، وضياع مصادره، وتحريف رجال الدين، واتباع هوى النفوس، ونزعات الشهوات - مسرحًا للجهل الفاضح، والوثنية الوضيعة، والقسوة والهمجية، والجور الاجتماعي الذي ليس له مثيل في الأمم، ولا نظير في التاريخ.

    هكذا عاشت الأمم التي لم تَستَنِر بنور الإسلام؛ سدرت في جاهليتها وغيها، وغرق الناس في بحور الجهل والظلم والشهوات التي أردتهم المهالك، واستعبد بعضهم بعضًا، وصاروا في دركة أحط من الحيوانات، وبهذا يظهر الفرق بين مصر التي عمرها الإسلام وأضاء أركانها؛ فانتقلت من حال إلى حال، وبين الأمم التي لم يصلها الفاتحون، ولم تعرف نور الإسلام.






  2. #2
    مراقبة الأقسام العامة
    أمـــة الله غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 15
    تاريخ التسجيل : 1 - 10 - 2007
    الدين : الإسلام
    الجنـس : أنثى
    المشاركات : 14,900
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    التقييم : 10
    معدل تقييم المستوى : 33

    افتراضي


    التسامح الديني

    وهذا جانب جديد من جوانب النزعة الإنسانية في حضارتنا الخالدة، جديد في تاريخ العقائد والأديان، وجديد في تاريخ الحضارات القديمة التي ينشِئُها دين معين أو أمة معينة، لقد أنشأ الإسلام حضارتنا فلم يضق ذرعًا بالأديان السابقة، ولم يتعصب دون الآراء والمذاهب المتعددة، بل كان شعاره {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر:17-18]. ومن أجل ذلك كان من مبادئ حضارتنا في التسامح الديني:

    1- أن الأديان السماوية كلها تستقي من معين واحد: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:13].

    2- وأن الأنبياء إخوة لا تفاضل بينهم من حيث الرسالة، وأن على المسلمين أن يؤمنوا بهم جميعًا: {قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة:136].

    3- وأن العقيدة لا يمكن الإكراه عليها، بل لا بد فيها من الاقتناع والرضا {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّين} [البقرة:256]
    {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِين} [يونس:99].

    4- وأن أماكن العبادة للديانات السماوية محترمة، يجب الدفاع عنها وحمايتها كحماية مساجد المسلمين
    {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج:40].

    5- وأن الناس لا ينبغي أن يؤدي اختلافهم في أديانهم إلى أن يقتل بعضهم بعضًا، أو يعتدي بعضهم على بعض، بل يجب أن يتعاونوا على فعل الخير ومكافحة الشر
    {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَان} [المائدة:2].

    أما الفصل بينهم فيما يختلفون فيه، فالله وحده هو الذي يحكم بينهم يوم القيامة: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [البقرة:113].

    6- وأن التفاضل بين الناس في الحياة وعند الله بمقدار ما يقدم أحدهم لنفسه، وللناس من خيرٍ وبِرٍّ "الخلق كلهم عيال الله
    فأحبهم إليه أنفعهم لعياله" (رواه البزار)، {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13].

    7- وأن الاختلاف في الأديان لا يحول دون البر والصلة والضيافة {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة:5].

    8- وإن اختلف الناس في أديانهم، فلهم أن يجادل بعضهم بعضًا فيها بالحسنى، وفي حدود الأدب والحجة والإقناع {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت:46]. ولا تجوز البذاءة مع المخالفين، ولا سب عقائدهم ولو كانوا وثنيين {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:108].

    9- فإذا اعتدى على الأمة في عقيدتها، وجب رد العدوان لحماية العقيدة ودَرْءِ الفتنة {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة:193]، {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ} [الممتحنة:9].

    10- فإذا انتصرت الأمة على من اعتدى عليها في الدين، أو أراد سلبها حريتها، فلا يجوز الانتقام منهم بإجبارهم على ترك دينهم
    أو اضطهادهم في عقائدهم، وحسبهم أن يعترفوا بسلطان الدولة، ويقيموا على الإخلاص لها حتى يكون "لهم ما لنا وعليهم ما علينا".

    هذه هي مبادئ التسامح الديني في الإسلام الذي قامت عليه حضارتنا، وهي توجب على المسلم أن يؤمن بأنبياء الله ورسله جميعًا، وأن يذكرهم بالإجلال والاحترام، وأن لا يتعرض لأتباعهم بسوء، وأن يكون معهم حسن المعاملة، رقيق الجانب، لين القول، يحسن جوارهم، ويقبل ضيافتهم، وأوجب الإسلام على الدولة المسلمة أن تحمي أماكن عبادتهم، وأن لا تتدخل في عقائدهم، ولا تجور عليهم في حكم، وتسويهم بالمسلمين في الحقوق والواجبات العامة، وأن تصون كرامتهم وحياتهم ومستقبلهم كما تصون كرامة المسلمين وحياتهم ومستقبلهم.

    وعلى هدي الرسول الكريم في تسامحه الديني ذي النزعة الإنسانية الرفيعة، سار خلفاؤه من بعده، فإذا بنا نجد عمر بن الخطاب وقد شكت إليه امرأة مسيحية من سكان مصر أن عمرو بن العاص قد أدخل دارها في المسجد كرهًا عنها، فسأل عَمْرًا عن ذلك؛ فيخبره أن المسلمين كثروا وأصبح المسجد يضيق بهم، وفي جواره دار هذه المرأة، وقد عرض عليها عمرو ثمن دارها وبالغ في الثمن فلم ترضَ، مما اضطر عمرو إلى هدم دارها وإدخاله في المسجد، ووضع قيمة الدار في بيت المال تأخذه متى شاءت.

    ومع أن هذا مما تبيحه قوانيننا الحاضرة، وهي حالة يعذر فيها عمرو على ما صنع، فإن عُمر لم يرضَ ذلك، وأمر عَمرًا أن يهدم البناء الجديد من المسجد، ويعيد إلى المرأة المسيحية دارها كما كانت!!
    هذه هي الروح المتسامحة التي سادت المجتمع الذي أظلته حضارتنا بمبادئها، فإذا بنا نشهد من ضروب التسامح الديني ما لا نجد له مثيلاً في تاريخ العصور حتى في العصر الحديث!!

    ومن مظاهر التسامح الديني أيضًا أن كانت المساجد تجاور الكنائس في ظل حياتنا الخالدة، وكان رجال الدين في الكنائس يعطون السلطة التامة على رعاياهم في كل شئونهم الدينية والكنسية، لا تتدخل الدولة في ذلك
    بل إن الدولة كانت تتدخل في حل المشاكل الخلافية بين مذاهبهم، وتنصف بعضهم من بعض، فقد كان الملكانيون يضطهدون أقباط مصر في عهد الروم ويسلبونهم كنائسهم، حتى إذا فتحت مصر ردَّ المسلمون إلى الأقباط كنائسهم وأنصفوهم.
    أما حرية رجال الدين في طقوسهم، وإبقاء سلطاتهم على رعاياهم دون تدخل الدولة في ذلك، فقد شعر المسيحيون من سكان البلاد بالحرية في ذلك ما لم يشعروا ببعضه في حكم الروم.
    - ابن عمرو بن العاص والقبطي

    يذكر ابن عبد الحكم أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب t، فقال له: يا أمير المؤمنين، عائذ بك من الظلم. قال: عذت معاذًا. قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط،ويقول: أنا ابن الأكرمين. فكتب عمر إلى عمرو يأمره بالقدوم عليه هو وابنه، فقدما، فقال عمر: أين المصري؟ خذ السوط فاضرب. فجعل يضربه بالسوط، ويقول عمر:اضرب ابن الأكرمين. قال أنس: فضرب فوالله لقد ضربه ونحن نحب ضربه، فما أقلع عنه حتى تمنينا أنه يرفع عنه. ثم قال عمر للمصري: ضع على صلعة عمرو.
    فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ابنه الذي ضربني، وقد اشتفيت منه. فقال عمر لعمرو:
    مُذ كَمْ تعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا ؟! قال: يا أمير المؤمنين، لم أعلم ولم يأتني.





  3. #3
    مراقبة الأقسام العامة
    أمـــة الله غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 15
    تاريخ التسجيل : 1 - 10 - 2007
    الدين : الإسلام
    الجنـس : أنثى
    المشاركات : 14,900
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    التقييم : 10
    معدل تقييم المستوى : 33

    افتراضي


    الأوضاع المالية


    يقول الدكتور ألفرد. ج. بتلر عن الحكم الروماني في مصر: "إن حكومة مصر الرومية لم يكن لها إلا غرض واحد، وهو أن تبتز الأموال من الرعية لتكون غنيمة للحاكمين، ولم يساورها أن تجعل قصد الحكم توفير الرفاهية للرعية، أو ترقية حال الناس والعلو بهم في الحياة، أو تهذيب نفوسهم، أو إصلاح أمور أرزاقهم، فكان الحكم على ذلك حكم الغرباء لا يعتمد إلا على القوة، ولا يحس بشيء من العطف على الشعب المحكوم".
    هذه هي أوضاع مصر المالية في ظل الحكم الروماني، ولكن ماذا عن وضع مصر المالي في عهد عمرو بن العاص t؟

    نحب أن نقرر -بادئ الأمر- أن المسلمين لم يأتوا إلى مصر لابتزاز أموال أهلها، ولا لاستنزاف ثرواتهم، وقد اتضح منذ المفاوضات المبكرة مع المقوقس أنهم ليسوا طلاب دنيا، ولا راغبي مال، وإنما هم أهل دعوة ورسالة سامية، وقد كانت هذه المعاني سياسة ثابتة في عهد عمر بن الخطاب t الذي كان يميل إلى فتح البلدان صلحًا إذا أمكن تجنب فتحها عنوة، فقد ذكَّر عمرو جنده بما أوصى به عمر من التريث وقبول الصلح، وتقديم ذلك على القتل والفتح العمد، وكذلك بعد أن تسور الزبير حصن بابليون، وفتح بابه بالقوة، قال لعمرو: اقسم مصر، فقد فتحت بغير عهد. فرفض عمرو، فلما ألح الزبير على عمرو أن يقسمها كما قسم الرسولخيبر، سأل عَمْرو عُمَر، فقال: أقرها حتى يغزو منها حبل الحبلة.

    بل إنه عَامَلَ الإسكندرية -على الرغم من أنها فتحت عنوة- معاملة ما فتح صلحًا، وقد اتضح من خلال بنود الاتفاقات المعاهدات التي عقدها المسلمون مع أهل البلاد أنهم يَعِدُون بانتهاج سياسة عادلة، ويحفظون ممتلكات الناس، ويرعون حرمتهم، ولذلك فإنه لا غرو أن يسأل عمرو -بناء على طلب عمر- بنيامين النصيحة الخالصة لمعرفة أحسن السبل التي تدار بها شئون مصر الاقتصادية ويحقق الرخاء والاستقرار لأهلها، فقد كتب عمرو متسائلاً: من أين تأتي عمارة مصر وخرابها؟

    فقال بنيامين: "تأتي عمارتها وخرابها من وجوه خمسة: أن يستخرج خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من زروعهم، ويرفع خراجها في إبان واحد عند فراغ أهلها من عصر كرومهم، وتحفر في كل سنة خُلُجها، وتسد ترعها وجسورها، ولا يُقْبَلُ مَحْلُ أهلها (يريد البغي)، فإذا فعل هذا عمرت، وإن عمل فيها بخلافه خربت".
    ولعل ما ورد في نص الصلح الرسمي الذي عقد بين المسلمين والمقوقس بعد فتح الحصن، ما يبين لنا بوضوح ملامح السياسة المالية للمسلمين في مصر.


    الأوضاع الاقتصادية

    - الزراعة

    تعتمد مصر منذ القدم على حرفة الزراعة اعتمادًا أساسيًّا، وقد كان المسلمون يعرفون خيرات مصر الوفيرة، فقد أُثِرَ عن عمرو بن العاص (رضي الله عنه) قوله: "ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة". وأثر عن ابنه عبد الله قوله: "من أراد أن يذكر الفردوس أو ينظر إلى مثله، فلينظر إلى أرض مصر حين يخضر زرعها، وتخرج ثمارها".
    وقد اشتهرت مصر بزراعة الكثير من المحاصيل الزراعية مثل: القمح والخضروات والفاكهة والكتان، وإلى جانب الاهتمام بالزراعة كان
    الاهتمام بنظم الري، فقد أقام المصريون والمسلمون السدود والجسور، وحفروا الترع والخلجان، وقاسوا مياه فيضان النيل وبنوا القناطر.

    ومعلوم أن المسلمين مُنِعُوا في عهد عمر بن الخطاب t من مزاولة الأنشطة الاقتصادية عامة، خاصة الزراعة حتى لا ينشغل الجند عن واجبهم الأول الجهاد في سبيل الله، وكان في مقابل ذلك يكفل لهم عمر (رضي الله عنه) معاشهم ومعاش أولادهم وذويهم، إلى جانب ما يحصلون عليه من غنائم حربية، وكان لا يسمح لهم بالخروج إلى الريف ومخالطة الناس إلا في وقت الربيع يرعون خيولهم ودوابهم، ثم يعودون إلى أماكن سُكناهم ثانية.

    وقد ذكر ابن عبد الحكم: أن شريك بن سُمَيّ الغطفي عمل بالزراعة رغم نهي الخليفة عمر عن ذلك، فأرسله عمرو إلى المدينة
    فتعهد أمامه ألا يعود مرة أخرى؛ فعفا عنه عمرو t، ورده إلى مصر ثانية.

    ومما يشهد بالخير للمسلمين من فاتحي مصر أنهم لم يصادروا أراضي القبط الزراعية، ولم يستولوا عليها لأنفسهم، وكان من أكبر مظاهر اهتمام المسلمين بالزراعة حرصهم على قياس مياه النيل، ومعرفة مدى ارتفاع الفيضان أو انخفاضه في كل عام؛ لما لذلك من أثر كبير في الزراعة وأسعار المحاصيل وحياة الناس، فبنى عمرو بن العاص t مقياسًا للنيل بأسوان، وآخر في دَنْدَرة في ولايته الأولى، وسينشئ مقياسًا ثالثًا في أَنْصِنا في ولايته الثانية والأخيرة على مصر.


    - الصناعة

    مما لا جدال فيه أن اشتهار مصر بزراعة القطن والكتان ساعد على ازدهار صناعة المنسوجات القطنية والكتانية بها، وحذق صناعها في عمل الثياب، كما كانت كسوة الكعبة المشرفة الثمينة تجلب من قباطي مصر المشهورة، وهناك عدة مدن مصرية بالدلتا مشهورة بالغزل والنسيج مثل تِنِّيس ودمياط والإسكندرية.

    وعرفت مصر بصناعة الورق عند الفتح الإسلامي، وكان ورق البردي معروفًا بمصر، ومستخدمًا في الكتابة، وموجودًا بكثرة في الدلتا والفيوم، ويغلب على الظن أن المسلمين استخدموه، وطوعوه لمتطلبات حياتهم.



    - التجارة

    من الطبيعي أن تزدهر التجارة المصرية تبعًا لانتعاش الزراعة والصناعة، ولا شك أن موقع مصر الممتاز بين الشرق والغرب ووجود نهر النيل وإسهامه في نقل السلع والبضائع جعل لمصر أهمية تجارية، بالإضافة إلى سواحلها الممتدة على البحرين الأحمر والأبيض، وقد حظيت الفسطاط العاصمة والإسكندرية بأهمية تجارية كبرى، وساعد حفر خليج أمير المؤمنين في الربط بين بحر القلزم (الأحمر) ونهر النيل، فربط مصر بشبه الجزيرة العربية، ووصل القمح بسهولة إلى الحجاز عند القحط ووقوع المجاعات، كما قدمت تجارة وسلع آسيا، وشرق أفريقيا من توابل ودهون وعطور ولؤلؤ وجواهر غيرها، وعن طريق خليج الإسكندرية تأتي تجارة البحر الأبيض من أخشاب ومعادن كالحديد والنحاس وغيرها، وأخيرًا فقد وجدت في مصر أسواق كثيرة لتصريف السلع ومختلف الحرف.


    - الوضع الثقافي

    دخل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مصر على رأس الجيش الذي فتحها، وكان على رأس الجيش كما نعلم عمرو بن العاص، وابنه عبد الله، والزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعقبة بن عامر الجهني، وغيرهم كثير ممن لا يتسع المجال لذكرهم وحصرهم.

    ولا شك أن هؤلاء الصحابة البررة كانوا لا يتطلعون إلى التنعم بغنى مصر وثرائها، والتقلب في نعائمها، وإنما كانت لهم أهداف أغلى وأسمى من ذلك كله، ألا وهي تبليغ دعوة الإسلام نقية خالصة إلى العالمين، ومن هنا ندرك عظم الدور الحضاري الذي لعبوه، والذي يتمثل في تعليم المصريين الكتاب والسنة.

    فقد اهتم عمرو بن العاص t بإنشاء المسجد الجامع في الفسطاط، وقد ضَمَّتْ أَرْوِقَتُهُ هؤلاء الصحابة الأعلام يتلون كتاب الله، ويُقرِئُونه الناس، ويروون حديث رسول اللهويشرحونه، ويبصرون الناس بفقه الإسلام وأحكامه.

    لقد استوطن كثير من الصحابة أرض مصر الطيبة، وانقطعوا لتعليم الناس أمور دينهم، يخالطون الناس ويخالطونهم؛ ليضربوا لهم أروع الأمثلة على أخلاق الإسلام وحسن معاملاته، وحقيقة تعاليمه ومبادئه، فيرى الناس عمليًّا ما يسمعونه من مواعظ وتوجيهات نظرية، فيكون لذلك أكبر الأثر في نشر الإسلام ولغته عن طريق العلم الصحيح، والقدوة الحقة.

    وممن أسهم بدور فعال في إثراء الحركة العلمية في مصر في تلك الفترة الصحابي الجليل الفقيه المقرئ المفسر المجاهد عقبة بن عامر الجهني (ت 58هـ/ 677م) الذي أثرى الحياة الفكرية في مصر، وروى عنه المصريون كثيرًا من أحاديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تغلب عليها المسحة الفقهية مما جعلهم يعدونه مفتي مصر آنذاك.

    لم تزدهر الحركة العلمية في مصر في عهد عمرو بن العاص فحسب، وإنما استمر ازدهارها وإيناعها، وآتت أكلها كذلك في عهد عبد الله بن سعد بن أبي سرح، الذي كثرت فيه الفتوحات الخارجية، ووفد إلى مصر الكثير من الصحابة والتابعين، الذين مروا بها، وهم في طريقهم إلى المغرب للجهاد في سبيل الله، وكانوا ينتهزون الفرصة فيروون على مسامع الناس في مصر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك أثناء رباطهم بالإسكندرية وأثناء الفتوح بالمغرب، وكذلك عند عودتهم منها إلى مصر، ومنها إلى الجزيرة العربية، ويذكر السيوطي أن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما دخل مصر في خلافة عثمان بن عفان t، وروى المصريون عنه أحاديث بها، كما أنه شارك في فتح المغرب.


    إبطال العادات السيئة بمصر في عهد عمرو بن العاص

    لما فتحت مصر أتى أهلُها إلى عمرو بن العاص حين دخل بَئُونة من أشهر القبط، فقالوا له: أيها الأمير، إن لنيلنا هذا سُنَّةً لا يجري إلا بها.
    فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إذا دخلت ثنتا عشرة ليلة من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها، فأرضينا أباها، وحملنا عليها من
    الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النيل.

    قال لهم: إن هذا لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما كان قبله.
    فأقام أهل مصر شهر بَئُونة، وأَبِيب، ومِسْرَى لا يجري قليلاً ولا كثيرًا حتى همَّوا بالجلاء عنها، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص كتب إلى عمر
    بذلك، فكتب إليه عمر: "إنك قد أصبت؛ لأن الإسلام يهدم ما كان قبله".
    وكتب بطاقة داخل كتابه، وكتب إلى عمرو: "إني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي، فألقها في النيل".

    فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص، أخذ البطاقة فإذا فيها: "من عبد الله أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد: فإن كنت تجري من قِبَلَََك فلا تجرِ، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك، فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك"، فألقى البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيوم، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج؛ لأنه لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل، فلما ألقى البطاقة أصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة، فقطع الله تلك السُّنَّةَ السُّوء عن أهل مصر إلى اليوم.





  4. #4
    مراقبة الأقسام العامة
    أمـــة الله غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 15
    تاريخ التسجيل : 1 - 10 - 2007
    الدين : الإسلام
    الجنـس : أنثى
    المشاركات : 14,900
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    التقييم : 10
    معدل تقييم المستوى : 33

    افتراضي


    غضب قيصر الروم.. ودخول المقوقس في المعاهدة


    كتب المقوقس إلى ملك الروم يعلمه بذلك، فجاءه من ملك الروم جوابه على ذلك يقبح رأيه وعجزه ويرد عليه ما فعل، ويقول: "إنما أتاك من العرب اثنا عشر ألفًا، وبمصر من بها من كثرة عدد القبط ما لا يحصى، فإن كان القبط كرهوا القتال وأحبوا أداء الجزية إلى العرب واختاروهم علينا، فإن عندك بمصر من الروم بالإسكندرية ومن معك أكثر من مائة ألف معهم العدة والقوة، والعرب وحالهم وضعفهم على ما قد رأيت فعجزت عن قتالهم، ورضيت أن تكون أنت ومن معك من الروم على حال القبط أذلاء! ألا تقاتلهم أنت ومن معك من الروم حتى تموت أو تظهر عليهم، فإنهم فيكم -على قدر كثرتكم وقوتكم، وعلى قدر قلتهم وضعفهم- كأكلة، فناهضهم القتال ولا يكون لك رأي غير ذلك". وكتب ملك الروم بمثل ذلك إلى جماعة الروم.

    قال المقوقس: والله إنهم على قلتهم وضعفهم أقوى وأشد منا على كثرتنا وقوتنا، إن الرجل الواحد منهم ليعدل مائة رجل منا، وذلك أنهم قوم الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، يقاتل الرجل منهم وهو مستقتل يتمنى ألا يرجع إلى أهله ولا بلده ولا ولده، ويرون أن لهم أجرًا عظيمًا فيمن قتلوا منا، ويقولون إنهم إن قُتِلُوا دخلوا الجنة، وليس لهم رغبة في الدنيا، ولا لذة إلا قدر بُلْغَة العيش من الطعام واللباس، ونحن قوم نكره الموت ونحب الحياة ولذتها، فكيف نستقيم نحن وهؤلاء؟! وكيف صبرنا معهم؟! واعلموا -معشر الروم- والله أني لا أخرج مما دخلت فيه ولا صالحت العرب عليه، وأني لأعلم أنكم سترجعون غدًا إلى رأيي وقولي، وتتمنون أن لو كنتم أطعتموني، وذلك أني قد عاينت ورأيت وعرفت ما لم يعاين الملك ولم يره ولم يعرفه. ويحكم! أما يرضى أحدكم أن يكون آمنًا في دهره على نفسه وماله وولده بدينارين في السنة؟!

    ثم أقبل المقوقس على عمرو بن العاص وقال له: إن الملك قد كره ما فعلتُ وعَجَّزني، وكتب إليّ وإلى جماعة الروم ألا نرضى بمصالحتك، وأمرهم بقتالك حتى يظفروا بك أو تظفر بهم، ولم أكن لأخرج مما دخلت فيه وعاقدتك عليه، وإنما سلطاني على نفسي ومن أطاعني، وقد تمَّ صلح القبط بينك وبينهم ولم يأتِ من قِبَلِهم نقض، وأنا مُتمّ لك على نفسي، والقبط متمون لك على الصلح الذي صالحتهم عليه وعاهدتهم، وأما الروم فأنا منهم براء. وأنا أطلب إليك أن تعطيني ثلاث خصال".
    قال عمرو: "ما هن؟"
    قال: لا تنقض بالقبط وأدخلني معهم وألزمني ما لزمهم، وقد اجتمعت كلمتي وكلمتهم على ما عاهدتك عليه، فهم يتمون لك على ما تحب. وأما الثانية إن سألك الروم بعد اليوم أن تصالحهم فلا تصالحهم حتى تجعلهم فيئًا وعبيدًا؛ فإنهم أهل ذلك لأني نصحتهم فاستغشوني، ونظرت لهم فاتهموني.

    وأما الثالثة أطلب إليك إن أنا مت أن تأمرهم يدفنونني في كنيسة أبي يُحَنَّس بالإسكندرية". فقال عمرو: "هذه أهونهن علينا".
    فأنعم له عمرو بن العاص بذلك، وأجابه إلى ما طلب على أن يضمنوا له الجسرين جميعًا، ويقيموا له الأضياف والأنزال
    والأسواق والجسور ما بين الفسطاط إلى الإسكندرية، ففعلوا.





  5. #5
    مراقبة الأقسام العامة
    أمـــة الله غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 15
    تاريخ التسجيل : 1 - 10 - 2007
    الدين : الإسلام
    الجنـس : أنثى
    المشاركات : 14,900
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    التقييم : 10
    معدل تقييم المستوى : 33

    افتراضي


    تحقيق النصر.. ونجاح الفتح

    وعندما أتى عَمرًا الكتابُ جمع الناس، وقرأ عليهم كتاب عمر، ثم دعا أولئك النفر، فقدمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهروا
    ويصلوا ركعتين، ثم يرغبوا إلى الله عز وجل ويسألوه النصر؛ ففعلوا ففتح الله عليهم.

    ويقال: إن عمرو بن العاص استشار مَسْلَمَة بن مُخَلَّد في قتال الروم بالإسكندرية، فقال له مسلمة: أرى أن تنظر إلى رجل له معرفة وتجارب
    من أصحاب رسول الله، فتعقد له على الناس، فيكون هو الذي يباشر القتال ويكفيك. قال عمرو: ومن ذلك؟ قال: عبادة بن الصامت.
    فدعا عمرو عبادةَ فأتاه وهو راكب فرسه، فلما دنا منه أراد النزول، فقال له عمرو: عزمت عليك لا تنزل؛ فَنَاوِلْنِي سِنَانَ رُمحِك. فناوله إياه، فنزع عمرو عمامته عن رأسه وعقد له، وولاه قتال الروم، فتقدم عبادة مكانه، فقاتل الروم حتى فتح الله على يديه الإسكندرية من يومهم ذلك.

    يقول جنادة بن أبي أمية: دعاني عبادة بن الصامت يوم الإسكندرية، وكان على قتالهم، فأغار العدو على طائفة من الناس ولم يأذن لهم بقتالهم، فسمعني فبعثني
    أحجز بينهم، فأتيتهم فحجزت بينهم، ثم رجعت إليه، فقال: أَقُتِلَ أَحَدٌ من الناس هنالك؟ قلت: لا. فقال: الحمد لله الذي لم يقتلْ أحدًا منهم عاصيًا.

    لقد عانت الإسكندرية من الحصار، وأَدَّى ذلك إلى هبوط معنويات الجند والقادة، خاصة بعد وفاة هرقل، فأسرع المقوقس بالسفر
    إلى مصر على رأس جنده لتسليم المدينة، ورافقه عدد من القساوسة، وبذلك فتح الله الإسكندرية على المسلمين.

    صورة رائعة من حضارة المسلمين في التعامل مع الأعداء

    تمَّ هذا الفتح عَنْوة، ولكن عمرًا جعل أهلها ذمة على أن يخرج مَن يخرج، ويقيم من يقيم باختيارهم، شأن المسلمين مع أهالي معظم البلاد التي فتحوها
    وإنما عامل عمرو المصريين معاملة من فُتِحَتْ بلادُهم صلحًا ليستجلب محبتهم، وتتألف الهدنة التي عقدها المقوقس مع عمرو بن العاص من أمرين:

    الأمر الأول: شروط تسليم مدينة الإسكندرية، ومنها:
    - أن يدفع أهل الإسكندرية الجزية المستحقة عليهم دينارين كل عام.
    - أن يحافظ المسلمون على الكنيسة المسيحية، فلا يتعرضون لها بسوء، ولا يتدخلون في شئونها.
    - أن يتمتع أهل الإسكندرية بالحريات الدينية.
    - أن تعقد هدنة مدتها 11 شهرًا، يبقى المسلمون في أثنائها عند مواقعهم الأولى.
    - أن يكف الروم عن القتال، وألا يحاولوا استرداد مصر، ولا تعود إليها قوة حربية.
    - أن ينسحب البيزنطيون، ويأخذون معهم أموالهم وأمتعتهم عن طريق البحر.

    وإذا تمَّ الانسحاب دخلت قوات المسلمين واحتلت المدينة.
    - أن يكون عند المسلمين من الروم 150 جنديًّا، و50 مدنيًّا رهينة؛ لتنفيذ المحافظة على الجالية اليهودية، وكان عددها عظيمًا.
    - أن يرحل جند الروم من الإسكندرية في البحر على أن يحملوا متاعهم وأموالهم، ومن أراد الرحيل برًّا فليدفع كل شهر جزءًا معلومًا من المال
    ما بقي في أرض مصر أثناء رحلته.

    الأمر الثاني
    أن المعاهدة القديمة التي عقدها المقوقس مع عمرو بن العاص y بحصن بابليون، ستطبق على القطر المصري كله، وتصبح معاهدة يدخل فيها جميع المصريين من حيث تأمين أهل مصر على أنفسهم ومِلَّتهم وأموالهم وكنائسهم وصُلُبِهم وبَرِّهم وبحرهم، بما يضمن منح المصريين حقوقهم وحرياتهم، وقد حمل "قيرس" شروط الصلح إلى "تيودور" وهو القائد الأعلى للجيش للموافقة عليها، وأُرسِلت إلى قنسطانز فأقرها، ولكن الروم بعد ذلك لم يحترموا هذه المعاهدة؛ فقد أرسل الإمبراطور جيشًا بقيادة "منويل"، فاحتلها وقتل حاميتها.

    وبالفعل تمَّ تنفيذ الاتفاق، وأخلى الروم الإسكندرية، ورحلوا عنها قبل حلول الموعد المحدد لانتهاء الهدنة بين الطرفين
    إذ تمَّ إخلاؤها بتاريخ السابع عشر من سبتمبر سنة 642م.

    تأمين حدود مصر

    لقد حرص عمرو بن العاص y على تأمين الإسكندرية من هجمات الأعداء المباغتة، فجعل نصف جنده معه بالفسطاط، وأمر النصف
    الآخر بالمرابطة بسواحل مصر، خاصة الإسكندرية، بحيث يتم ذلك بالتبادل صيفًا وشتاءً، مدة ستة أشهر لكل فريق مع توفير المساكن اللازمة للإقامة هناك.

    وبعد أن فرغ المسلمون من فتح مصر، رأى عمرو بن العاص y ضرورة تأمين حدودها من جهة الغرب، وبخاصة أن الروم قد أُجبِرُوا على الخروج منها، وهم يتحينون الفرصة لاستعادتها. ولما كانوا يبسطون نفوذهم وسلطانهم على المناطق التي تقع غرب مصر حتى المحيط الأطلنطي، كان لا بد من تأمين تلك الحدود؛ لذلك كان من الضروري استمرار الفتح غربًا لارتباط تلك المناطق الوثيق بمصر؛ فقد كانت أنطابُلُس (برقة) وطرابلس قد انفصلتا عن الإمبراطورية البيزنطية منذ عهد موريس 583- 602م، وكانتا شبه مستقلتين وتابعتين لمصر رسميًّا، وأيدتا "جريجوريوس" لدى انفصاله عن الإمبراطورية البيزنطية.





  6. #6
    مراقبة الأقسام العامة
    أمـــة الله غير متواجد حالياً
    رقم العضوية : 15
    تاريخ التسجيل : 1 - 10 - 2007
    الدين : الإسلام
    الجنـس : أنثى
    المشاركات : 14,900
    شكراً و أعجبني للمشاركة
    التقييم : 10
    معدل تقييم المستوى : 33

    افتراضي


    من موقع قصة الإسلام
    سلسلة فتح مصر بقلم د. راغب السرجاني
    أسأل الله أن يجعله في ميزان حسنات د/ راغب السرجاني





 

صفحة 5 من 5 الأولىالأولى 12345

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. رسول الله في كتب السابقين !( فى كتب الهندوس) د . راغب السرجانى
    بواسطة عبدالرحمن السلفى في المنتدى البشارات الحق بمبعث سيد الخلق
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 2012-06-09, 02:30 PM
  2. قصة الحروب الصليبية مع د. راغب السرجاني
    بواسطة kholio5 في المنتدى ثمار النصرانية
    مشاركات: 16
    آخر مشاركة: 2011-04-16, 01:17 PM
  3. عناية الاسلام بالنفس الانسانية : د. راغب السرجانى
    بواسطة بن الإسلام في المنتدى القسم الإسلامي العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 2011-01-19, 11:26 AM
  4. جميع مقالات الدكتور راغب السرجاني
    بواسطة أمـــة الله في المنتدى القسم الإسلامي العام
    مشاركات: 95
    آخر مشاركة: 2010-10-31, 01:37 PM
  5. ظهور التتار / د/ راغب السرجاني
    بواسطة أمـــة الله في المنتدى منتدى التاريخ
    مشاركات: 105
    آخر مشاركة: 2010-10-31, 04:57 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
RSS RSS 2.0 XML MAP HTML