تدري الله يحدث أمراً



كتبه الشيخ: سلطان العمرى

في صلاة فجر أحد الأيام كنت أستمع لإمامنا وهو يقرأ بنا في الركعة الأولى من سورة الطلاق حتى بلغ (( لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا )) [ الطلاق: 1 ] .
حينها وجدت خيالي يسبح في ظلال هذه الآية..
يا ترى كم هي الأقدار التي تألمنا لها وقت نزولها وجرت لها دموعنا ورُفعت في طلبها أيدينا, ولكن يا ترى هل كان لدينا نور هذه الآية (( لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا )) [ الطلاق: 1 ] ؟
حينما نحزن لفقد قريب أو مرض حبيب أو فوات نعمة أو نزول نقمة , قد ننسى أو نجهل أنه قد يكون وراء تلك الأزمة " منحة ربانية وعطية إلهية ".
جولة في ظلال هذه الآية :
نعم (( لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا )) [ الطلاق: 1 ] .
- تلك الأخت التي نزلت بها مصيبة الطلاق وأصابها الخوف من المستقبل وما فيه من آلام , نقول لها (( لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا )) [ الطلاق: 1 ] لعل بعد الفراق سعادة وهناء , لعل بعد الزوج زوج أصلح منه وأحسن منه , ولعل الأيام القادمة تحمل في طياتها أفراح وآمال .
- ذلك الزوج الذي عانى من زوجته , وصبر عليها , ولكنها لم تبال بحقوقه , وطالما نست أو تناست حسناته , حتى كان الطلاق هو الخيار له , نهمس له ونقول (( لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا )) [ الطلاق: 1 ] نعم فلعل الله يمنحك زوجة أخرى تحسن التعامل معك , وتساعدك على تحقيق أهدافك وتجعلك تشعر بأنك رجل لك مكانتك واحترامك .
- تلك الأم التي فقدت بر أبنائها , وتألمت لعقوقهم , نقول لها (( لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا )) [ الطلاق: 1 ] فلعل الله أن يهديهم ويشرح صدورهم ويأتي بهم لكي يكونوا بك بررة وخدام , فافتحي يا أمنا باب الأمل وحسن الظن بالرب الرحيم الرؤوف الودود .
- هناك خلف القضبان يرقد علماء ودعاة وأحباب وأولياء, والقلب يحزن والعين تدمع لحالهم , ولكن ومع ذلك نقول (( لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا )) [ الطلاق: 1 ] فلعل الله أن يمنحهم في خلوتهم " حلاوة الأنس به ولذة الانقطاع إليه " ولعل ما وجدوا خير مما فقدوا , وهذا ابن تيمية الذي نزل السجون يصرح بأنه وجد فيها من الأنس ما لو كان لديه ملء مكانه ذهباً لما وفى حق من تسببوا له بذلك .
- في المستشفيات مرضى طال بهم المقام , وأحاطت بهم وبأقاربهم الأحزان , فلكل واحد منهم نقول (( لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا )) [ الطلاق: 1 ] فلعل الصبر رفع الدرجات في جنان الخلد , ولعل الرضا أوجب لك محبة الرحمن , ولعل الشفاء قد قرب وقته وحان موعده .
- في ذلك المنزل أسرة تعاني من مصيبة الديون وتكالب الأزمات المالية, فرسالتي لراعي تلك الأسرة (( لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا )) [ الطلاق: 1 ] فعليك بالصبر والدعاء وملازمة التقوى , فلعل الفرج قريب وما يدريك ماذا تحمل الأيام القادمة من أرزاق من الرزاق سبحانه وتعالى .
والجولات تطول لتفاصيل حياة الناس الذين يحتاجون إلى التذكير بهذه الآية العظيمة (( لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا )) [ الطلاق: 1 ] .
ونصوص القرآن تضمنت (( إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا )) [ الشرح: 6 ] و (( سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا )) [ الطلاق: 7 ] .
فالله الله في تربية النفس على الرضا بالأقدار*
, والنظر للحياة من زاوية الأمل , والاعتقاد بأن الأيام القادمة تحمل معها ألواناً من السعادة والفرح والبهجة والأرزاق .
ومضة : لا يقلق من كان له أب فكيف بمن كان له رب .

تدري الله يحدث أمراً

لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا .

هذه الجملة تعليل لجملة فطلقوهن لعدتهن وما ألحق بها مما هو إيضاح لها وتفصيل لأحوالها . ولذلك جاءت مفصولة عن الجمل التي قبلها .

ويجوز كونها بدلا من جملة ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه بدل اشتمال لأن ظلم النفس بعضه حاصل في الدنيا وهو مشتمل على إضاعة مصالح النفس عنها . وقد سلك في هذه الآية مسلك الترغيب في امتثال الأحكام المتقدمة بعد أن سلك في شأنها مسلك الترهيب من مخالفتها .

فمن مصالح الاعتداد ما في مدة الاعتداد من التوسيع على الزوجين في مهلة النظر في مصير شأنهما بعد الطلاق ، فقد يتضح لهما أو لأحدهما متاعب وأضرار من انفصام عروة المعاشرة بينهما فيعد ما أضجرهما من بعض خلقهما شيئا تافها بالنسبة لما لحقهما من أضرار الطلاق فيندم كلاهما أو أحدهما فيجدا من المدة ما يسع للسعي بينهما في إصلاح ذات بينهما .

والمقصود الإشارة إلى أهم ما في العدة من المصالح وهو ما يحدثه الله من أمر بعد الطلاق ، وتنكير أمر للتنويع .

أي أمرا موصوفا بصفة محذوفة ، أي أمرا نافعا لهما .

وهذا الأمر هو تقليب القلوب من بغض إلى محبة ، ومن غضب إلى رضى ، ومن إيثار تحمل المخالفة في الأخلاق مع المعاشرة على تحمل آلام الفراق وخاصة إذا كان بين المتفارقين أبناء ، أو من ظهور حمل بالمطلقة بعد أن لم يكن لها أولاد فيلز ظهوره أباه إلى مراجعة أمه المطلقة . على أن في الاعتداد والإسكان مصالح أخرى كما علمته آنفا .

[ ص: 307 ] والخطاب في قوله لا تدري لغير معين جار على طريقة القصد بالخطاب إلى كل من يصلح للخطاب ويهمه أمر الشيء المخاطب به من كل من قصر بصره إلى حالة الكراهية التي نشأ عليها الطلاق ولم يتدبر في عواقب الأمور ولا أحاط فكره بصور الأحوال المختلفة المتقلبة كما تدري الله يحدث أمراً : فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا .

ولعل كلمة ( لا تدري ) تجري مجرى المثل فلا يراد مما فيها من علامة الخطاب ولا من صيغة الإفراد إلا الجري على الغالب في الخطاب وهو مبني على توجيه الخطاب لغير معين .

و ( لعل ) ومعمولاها سادة معلقة فعل ( تدري ) عن العمل .


تدري الله يحدث أمراً


م/ن
من
موقع
اسلام ويب
و
مصادر اخرى





( gh j]vd gug hggi dp]e fu] `g; HlvhW )