نصفك الشرير

ماذا لو خرج منك نصفك الشرير فأفسد وطغى ؟
هذا ما حاول الأديب الانجليزي ( روبرت ستيفنسون ) إظهاره في روايته الشهير
( دكتور جيكل ومستر هايد ) وقد لاقت الرواية صدى واسعا مازال أثره باقيا حتى اليوم ،
ولفتت نظر علماء النفس لنجاح المؤلف في توضيح
فكرة الصراع بين الخير والشر داخل نفس الإنسان .

فقد كان ( جيكل ) طيبا مسالما ومثاليا طوال الوقت أما نصفه الآخر ( الخفي ) أو ( هايد )
فكان عربيدا قاسيا لا يأبه بأحد سوى نفسه ومصلحته ومتعته ويدوس على من يقف في سبيله ،
بداخلنا جميعا تلك النوازع وتتضح بشدة في المواقف الصعبة ، عندما تدخل في خصومة مع أحد
أو تتعارض معه مصلحتك تقع في صراع حاد بين أن تكون طيبا مسالما أو أن تدافع
عن نفسك بشراسة ولا تفرط في حقك حتى لو ظلمت غيرك .

يقول تعالى

( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها )

في داخل العائلة أحيانا توزع الأدوار ، فيقوم شخص بدور الطيب دائما ويحتكر الآخر دور الشرس ،
وذلك في حالات المعايشة الكاملة مثل الزواج ، هذه الزوجة طيبة ومسالمة جدا لأنها في إطار أسرتها
قد تركت الجانب الصراعي للزوج وهي تعرف أنه سوف يؤديه ببراعة ، بدليل أنه في حالة غياب الزوج
لسفر طويل أو غيره تجدها قد تغيرت وتقمصت شخصيته ، وظهرت لها أنياب للدفاع عن حقوق الأسرة .

من حق الجميع الحفاظ علي حقوقهم دون إلحاق الأذى بغيرهم ، ولكن كيف يتم ذلك ؟
ذلك هو السؤال المعلق الذي احتار فيه البشر منذ بدء الخليقة حتى يومنا هذا ، منذ ابني آدم الذي
قتل أحدهما الآخر ، حتى لحظتنا الراهنة التي تعج بالحروب والصراعات الخارجية والداخلية أيضا ،
وحتى داخل الأسرة الواحدة التي تمتلئ بمشاحنات يومية لا تنتهي أبدا وتحار فيها القلوب والألباب .

من صاحب الحق ؟ الابن الذي يريد مساعدة أبيه القادر ماديا في كل شئ ؟
أم الأب الذي يريد ابنه رجلا معتمدا علي نفسه ؟
من صاحب الحق ؟ القريب الفقير المتطلع ؟ أم الغني الذي يريد العطاء بحساب ؟
من صاحب الحق ؟ المدرس الذي يحصل على دخله الحقيقي من الدروس الخصوصية ؟
أم أولياء الأمور الذين يجأرون بالشكوى من وطأة التعليم ( المجاني ) ؟

القاعدة الشرعية لا ضرر ولا ضرار ، وعلم النفس الحديث يقول ( اعرف حدودك ودافع عنها )
فلا تظلم ولا تقبل الظلم ، لا تجور على حدود غيرك ولا تسمح لأحد بتجاوز حدودك أو انتهاكها ،
لأن الظلم هو الظلم وليس من الطيبة أن ترضاه لنفسك .

هذه النقطة بالذات ( الحدود ) هي التي اجتهد فيها الناس وتوارثوها عبر الأجيال ،
فهناك أسر نجحت في إرساء حدودا عرفية يلتزم بها الجميع ، فيها احترام الكبير واعتباره مرجعية
يعود لها الجميع عند الاختلاف ، وإقرار أصول للتعامل تتسم بضبط النفس والهدوء ،
واستخدام الألفاظ المهذبة وكبح الانفعال عند الغضب ، والرضا بما قسمه الله بغير تطلع ،
والرغبة في مساعدة الغير وأساس كل ذلك هو الشعور بالانتماء للأسرة لما تمنحه
من أمان واحترام وتقدير ومساندة لكل أفرادها .

هذا هو ما نعنيه عندما نقول ( أبناء الأصول ) ،
معناها نجاح في التربية واكتساب مهارات اجتماعية
تتسم بالرقي والتهذيب وتتفق تماما مع كل ما أمر به الإسلام من حسن الخلق ،

ليس كل من أنجب نجح في تكوين عائلة ، ولا كل البشر يستحقون وصف أناس ،
لقد نجح هؤلاء السعداء في ترويض الجانب الشرير وإخفائه والسيطرة عليه
وحسن استخدامه أيضا كطاقة منظمة للدفاع عن الحدود بالأصول ،
ولم يسمحوا لأنفسهم بإطلاق ذلك الجانب ليعربد ويفسد ، واستطاعوا حل المعادلة الصعبة
في تزكية النفس وتقويتها ونقل تلك الخبرة الثمينة للأجيال الأحدث ببراعة ونجاح .

نصفك الشرير

( خذ العفو و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين )

إنه أمر إلهي بمكارم الأخلاق والتي تعد البطانة والخلفية المناسبة للتدين الحق.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام )

فإذا أضيف لهؤلاء الأشخاص ذوي التربية الجيدة والنفوس السوية والعائلات المحترمة
( الالتزام الديني الحقيقي ) فهذه هي الصورة المشرفة والمشرقة للمسلم .

منقول


kwt; hgavdv