المُقلـِّدون

ما عرف التاريخ أبداً أمة، أو فكرة قامت على أكتاف المُقلدين..

فالمُقلد يرى أن دوره الوحيد هو الحفاظ على أفكار أسلافه، ومعلِّميه..

يرى أن الخير – كل الخير – في الإتباع، وأن الشر – كل الشر – في الابتداع..

لا يستطيع المقلد أن يفرق بين ما ينهى الله عن الابتداع فيه من أمور العقيدة والعبادة،
وبين ما اجتهد مُعلِّمُه فيه من وسائل، وأساليب، تجدد أمر الدين؛ فيضع الجميع في سلة واحدة،
فلا يفارق اجتهاد معلمه – فيما يستحق الاجتهاد – قدر أنملة..

يفعل المقلد ذلك رغم أنه يعلم – يقيناً – أن أستاذه متهم بالابتداع فيما اجتهد؛
لأنه خرج عن مألوف زمانه، وتقليد علمائه..

والمُقلد لا يرى متغيرات؛ فكل تعاليم أستاذه ثوابت؛
فـ “الاسم” ثابت، و”الشعار” ثابت، و”الوسيلة” ثابتة..

كما أن المقلد جندي ينتظر توجيهاً من أستاذه، وإرشاداً من قائده؛
فإن ساقته الأقدار إلى القيادة ظل مطيعاً لأستاذه – وإن غاب، وغابت ظروفه –
وطلب من جنوده تقليد ما رآه، واتباع ما سمعه..

وإن اقتضت القيادة على “المقلد القائد” أن يكتب، أو يرشد،
تراه يستشهد بما قال “الأستاذ”، وبما فعل “الأستاذ”..

فالمقلد ضيق الأفق.. ناظر تحت قدميه..

لا يملك من المهارات الكثير.. وإن ملك من المهارات شيئاً فهي في الحركة فقط؛
لأن روحه روح جندي وإن تولى القيادة..

لذا فالمقلد يرى في الفكر خطراً، وفي التجديد خطلاً..

ويسهل على أعداء المقلد خداعه؛ فردود أفعاله محفوظة؛ لأن قضيته ما زالت فيما مضى؛
فيسرف العدو في الهجوم عليه من الباب الذي يتمترس خلفه؛ فيتلقى الصدمات، والضربات،
وهو ثابت لا يتزحزح.. صلب لا يلين!! وهو لا يدري – لضيق أفقه – أن عدوه يحفر أنفاقاً تحت البيت
تقوض جدرانه، وتخلخل أسسه؛ ولكنه – رغم ذلك – سعيد ببقاء الباب الذي يحفظ على البيت أمنه!!

والمقلد يأنس لمن هم على شاكلته، يقدمهم على أقرانهم؛ لأنهم على دربه سائرون، وعلى عهده محافظون!!

كما يرفض أيضاً أن يشاركه في القيادة من كان له شبهة رأي، أو من أراد أن يستوقف القافلة حيناً،
فيسألها: إلى أين المسير؟!

وللمقلد حجة ضعيفة، تمنعه عن الخروج من جدران بيته المقفول؛ فلا ترى له في عموم الحياة أثراً؛
فهو في داره يصعد، ويهبط، يجول ويصول، وخارج بيته ترمد عينه، ويضعف سمعه،
ولا تقوى على حمله قدماه؛ فيؤثر السلامة، ويترك أمر الخروج لـ “مبتدعين”
اقتضت الحاجة أن يبقوا معه في الدار التي يسكنها..

إخواني.. أخواتي

إذا أردتم أن تروا نور الشمس، ورحابة الدنيا..
وإذا أردتم أن تخرجوا للدنيا الكنوز التي في حوزتكم، واللآلئ التي في خزائنكم..
فاطلبوا من هؤلاء التنحي؛ فالبيت كاد أن يخر سقفه على ساكنيه..


منقول

hglErgJ~A],k