الطبيعة / المادة
«الطبيعة/المادة» مصطلح نستخدمه كثيراً في هذه الموسوعة بدلاً من مصطلح «الطبيعة». ومفهوم الطبيعة مفهوم أساسي في الفلسفات المادية التي تدور في إطارالمرجعية الكامنة، وخصوصاً في الغرب، فكلمة «طبيعة» داخل السياق الفلسفي الغربي لاتشير إلى الأحجار والأشجار والسحب والقمر والتلقائية والحرية، وإنما هي كيان يتسمببعض الصفات الأساسية التي يمكن تلخيصها فيما يلي:

1
ـ تتسم الطبيعةبالوحدة، فهي شاملة لا انقطاع فيها ولا فراغات، وهي الكل المتصل وما عداها مجرد جزءناقص منها، فهي لا تتحمل وجود أية مسافات أو ثغرات أو ثنائيات. وجماع الأشياءوالإجراءات التي توجد في الزمان والمكان هو الطبيعة، وهي مستوى الواقع الوحيد ولايوجد شيء متجاوز لها أو دونها أو وراءها، فالطبيعة نظام واحد صارم.

2
ـتتسم الطبيعة بالقانونية (لكل ظاهرة سبب وكل سبب يؤدي إلى نفس النتيجة في كل زمانومكان)، أي أن الطبيعة بأسرها متسقة مع نفسها، فهي تتحرك تلقائياً بقوة دفع نابعةمنها، وهي خاضعة لقوانين واحدة ثابتة منتظمة صارمة مطردة وآلية، قوانين رياضية عامةواضحة، حتمية لا يمكن تعديلها أو التدخل فيها، وهي قوانين كامنة فيها.

3
ـالحركة أمر مادي، ومن ثم، لا توجد غائية في العالم المادي (حتى لو كانت غائيةإنسانية تسحب خصوصيات النشاط البشري على الطبيعة المادية).

4
ـ لا تكترثالطبيعة بالخصوصية ولا التفرد ولا الظاهرة الإنسانية ولا الإنسان الفرد واتجاهاتهورغباته، ولا تمنح الإنسان أية مكانة خاصة في الكون، فهو لا يختلف في تركيبه عنبقية الكائنات ويمكن تفسيره في كليته بالعودة إلى قوانين الطبيعة. والإنسان الفرد (أو الجزء) يذوب في الكل (الطبيعي/المادي) ذوبان الذرات فيها، أي أن الطبيعة تلغيتماماً الحيز الإنساني.

5
ـ الإيمان بأنه لا توجد غيبيات ولا يوجد تَجاوُزللنظام الطبيعي من أي نوع، فالطبيعة تحوي داخلها كل القوانين التي تتحكم فيها وكلما نحتاج إليه لتفسيرها؛ فهي علة ذاتها، تُوجَد في ذاتها، مكتفية بذاتها وتُدرَكبذاتها، وهي واجبة الوجود.

يُلاحَظ أن الطبيعة، حسب هذا التعريف الفلسفي،هي نظام واحدي مغلق مكتف بذاته، تُوجَد مقومات حركته داخله، لا يشير إلى أي هدف أوغرض خارجه، يحوي داخله كل ما يلزم لفهمه. وهو نظام ضروري كلي شامل تنضوي كل الأشياءتحته، وضمن ذلك الإنسان الذي يُستوعَب في عالم الطبيعة ويُختزَل إلى قوانينها بحيثيصبح جزءاً لا يتجزأ منها ويختفي ككيان مركب منفصل نسبياً عما حوله وله قوانينهالإنسانية الخاصة (ولذا فالرغبة في العودة إلى الطبيعة هي تعبير عن النزعة الجنينيةفي الإنسان). وهذه هي الصفات الأساسية للمذهب المادي. ولذا، فنحن نرى أن كلمة «المادة» يجب أن تحل محل كلمة «الطبيعة» أو أن تُضاف الواحدة للأخرى، وذلك لفك شفرةالخطاب الفلسفي الذي يستند إلى فكرة الطبيعة، ولكي نفهمه حق الفهم وندرك أبعادهالمعرفية المادية.

ولعل كثيراً من اللغط الفلسفي ينكشف إذا استخدمنا كلمة «مادي» بدلاً من كلمة «طبيعي»، فبدلاً من «المذهب الطبيعي» نقول «المذهب المادي»،وبدلاً من «القانون الطبيعي» نقول «القانون المادي»، وبدلاً من «الإنسان الطبيعي» يمكننا أن نقـول «الإنسـان المادي»، وبدلاً مـن «الطبيعيـة (بالإنجليزية: ناتشوراليزم naturalism)» نقول «مادية». وحينئذ، فإننا نؤكد أن الإنسان الطبيعي، فيواقع الأمر، شخص يُعرَّف في إطار وظائفه الطبيعية البيولوجية ويعيش حسب قوانينالحركة المادية ويُرَدُّ إليها، ولذا فهو يجمع براءة الذئاب وتلقائية الأفعى وحيادالعاصفة وتَسطُّح الأشياء وبساطتها. وحينما نقول «العودة للطبيعة»، فنحن نقصد أنالعودة ستكون لقوانين الطبيعة، أي قوانين المادة. وقد فك هتلر شفرة الخطاب الفلسفيالغربي بكفاءة غير عادية حينما قال يجب أن نكون مثل الطبيعة، والطبيعة لا تعرفالرحمة أو الشفقة، وقد تبع في ذلك كلاً من داروين ونيتشه.