التحديث والحداثة وما بعد الحداثة والمنظومات الحلولية الكمونية المادية
يذهب معظم الدارسين إلى أن المشروع التحديثي (العقلاني المادي) هو مشروع غربي بالدرجة الأولى، ومن ثم يرون أن من يريد التحديث عليه استيراد النماذج الغربية. كما أن هناك من يذهب إلى القول بأن المشروع التحديثي العقلاني المادي إذا كان غربياً، فنحن إذن "بروحانياتنا وإسلامنا" محصنون (والحمد لله) ضده. والنموذج التفسيري الكامن في كلتا الرؤيتين هو نموذج تراكمي وليس توليدياً، يرى أن المعرفة كلها مكتسبة من الخارج (وأن المعرفة الحديثة مكتسبة من الغرب) وينكر أن بعض جوانب المعرفة الأساسية (حديثة أم قديمة) تُولَد من داخل عقل الإنسان نفسه.
ونحن نفضل استخدام نموذج توليدي في تحليل الظواهر الإنسانية لأنه أكثر تفسيرية وتركيبية، دون أن نرفض بطبيعة الحال النماذج التحليلية التراكمية. فمن غير الممكن إنكار أن النموذج التحديثي العقلاني المادي له جذور غربية واضحة، وأنه وصل إلى أول تَحقُّق تاريخي له في الحضارة الغربية من خلال ظروف (سياسية واقتصادية وحضارية) وبخاصة أنه انتقل من العالم الغربي إلى بقية العالم بل اكتسحه اكتساحاً (لأسباب خاصة بالحضارة الغربية من بينها نجاحه المادي في المجتمع الغربي الذي يستند إلى نجاحه في تجربته الإمبريالية) ولكن تفسير جاذبية النموذج التحديثي على أساس تراكمي لا يكفي لتفسير ظاهرة الاكتساح هذه. ونحن نرى أن أحد أهم أسباب نجاحه على المستوى العالمي هو أن جذوره كامنة في النفس البشرية ذاتها.
وقد تحدثنا عن أن الإنسان يتنازعه اتجاهان: النزعة الجنينية والنزعة الربانية. أما النزعة الجنينية فهي الرغبة في الهروب من عبء الهوية والتركيبية والتعددية والخصوصية والمسئولية والإنسانية المشتركة والقيم الإنسانية والأخلاقية العالمية والحدود (بمعنى العقوبة وبمعنى التعريف وبمعنى الحدود النفسية) والزمان والمكان والمقدرة على التجاوز حتى يعود الإنسان إلى عالم الطفولة الأولى والإنسان الطبيعي، بل إلى ما قبل الطفولة الأولى داخل رحم الأم؛ عالم سائل بسيط لا تُوجَد فيه أية حاجة للتجاوز، إذ لا أبعاد له ولا تُوجَد فيه كليات أو مطلقات أو ثوابت؛ عالم يهبط الإنسان فيه ويستقر في قاعه، لا يُوجَد فيه حيز إنساني أو زمان أو ثغرات أو جدل أو حدود أو صراع أو فارق زمني بين المثير والاستجابة؛ عالم بلا ذاكرة لا قيمة فيه ولا قداسة ولا دَنَس ولا عدل ولا ظلم ولا حق ولا حقيقة؛ عالم من الصيرورة الدائمة التي تشكل الثبات الوحيد؛ عالم من الأيقونات المكتفية بذاتها والتي لا تشير إلى إله، فهي تَجسُّد بلا لوجوس؛ عالم خال من الثنائيات قبل أن يُمنَح آدم المقدرة على تسمية الأشياء، حين كان إنساناً طبيعياً ذا بُعد واحد، جزءاً من الطبيعة يُعرَّف في ضوء وظائفه البيولوجية، قطعة من الطين (مادة أولية) لم ينفخ الإله بعد فيها من روحه، ولذا فهو لم يكن يعي بعد أصله الإلهي والمسافة بين الخالق والمخلوقات وبين الدال والمدلول والمحرمات والمباحات والحقيقة والزيف والحق والباطل والعدل والظلم، عالم يشبه ذلك العالم الذي يحلم به دريدا: عالم براءة الصيرورة ـ عالم الإشارات بلا حقيقة وبلا أصل. وكما يقول رورتي، فإنه "عالم مادي تماماً، خال من القداسة، لا يَعبُد الإنسان فيه شيئاً ولا حتى نفسه "، أي أنه عالم خال من الكليات الميتافيزيقية والمادية، ومن النزعات الدينية والإنسانية (يمكن العودة لوصف لاكان للمتخيل ولوصف بياجيه لمراحل تَطوُّر الطفل لإدراك معالم المرحلة الجنينية).




رد مع اقتباس
المفضلات