رابعاً: المجال الفلسفي:

أ) شهدت هذه المرحلة بدايات المشروع التحديثي العقلاني المادي الذي يستند إلى الإيمان بالكل المادي الثابت المتجاوز ذي الهدف والغاية، وهذا الكل يمكن أن يكون كلاً إنسانياً أو طبيعياً/مادياً في مرحلة الثنائية الصلبة ثم يصبح الطبيعة/المادة أو أي مطلق علماني يُعبِّر عن نفسه من خلال تجليات مختلفة في مرحلة الواحدية المادية الصلبة. ويمكن القول بأن الحداثة ليست تبنِّي العلم والتكنولوجيا وحسب وإنما هي تبني العلم والتكنولوجيا المنفصلين عن القيمة، المتجاوزين للغائية الإنسانية، باعتبارهما المرجعية النهائية للإنسان، والحداثة تعني أيضاً انفصال الإنسان عن كل النزعـات الكـونية وفـصل كل العـلاقات التقليدية وإخضاعها هي والمنظومات القيمية لعـمليات التفـاوض المسـتمرة. وتم إنجاز الإصلاح الديني وبداية علمنة الدين وتهميش المقدَّس وعزله في رقعة الحياة الخاصة، على أن تحرر الحياة العامة من كل المقدَّسات، وهو ما يُسمَّى «نزع القداسة عن الكون». وظهرت الرؤية المعرفية العلمانية الشاملة التي ألَّهت الإنسـان، وهي رؤية تقـوم مقـام الديانة العــالمية (بالإنجليزية: وورلد رليجون world religion) التي تتسم بالشمول، وتتفرع عنها منظومات معرفية وجمالية أخلاقية ومعيارية كاملة في جميع المجالات. ولذا نجد أن لها سفر التكوين الخاص بها (أصل الأنواع) وأنبياؤها (بنتام وداروين وماركس) وقصتها الكبرى (التقدم المستمر) وخيرها (إمتاع الذات) وشرها (قمعها) وجنتها (اليوتوبيا التكنولوجية) وجهنمها (التخلف المادي).

وقد ظهرت من داخل هذه المنظومة ثنائية الإنسان والطبيعة الصلبة حيث يشغل الإنسان المُتألِّه مركز الكون (أو تشغل الطبيعة/المادة المركز). ولكن ما حدث في واقع الأمر أن الإنسان الأبيض (وليس الإنسان ككل) ألَّه نفسه وأصبح مرجعية ذاته واحتل المركز وقام بحوسلة الطبيعة وبقية البشر ومن ثم تحولت الرؤية المعرفية العلمانية إلى رؤية علمانية إمبريالية. ورغم مادية المنظومة المعـرفية العلمـانية الإمبريالية فإن ثمة نزعة طوباوية مثالية تظهر داخلها (انتصار الاشـتراكية في المعسكر الشرقي والدفاع عن العدالة الاجتماعية، أو الهيمنة الإمبريالية في المعسكر الغربي والدفاع عن عبء الرجل الأبيض ورسالة أوربا الحضارية).

ومنذ البداية نشب صراع بين مركزي الكون (الإنسان والطبيعة) فأكدت النزعة الهيومانية أسبقية العقل على الطبيعة/المادة وحرية الإرادة الإنسانية ومقدرة الإنسان على معرفة قوانينها وغزوها والهيمنة عليها والوصول إلى معرفة كلية يمكنه أن يُرشِّد حياته المادية والأخلاقية في ضوئها، وباسمها يستطيع الإنسان أن يقمع رغباته ويرجئها وأن يتجاوز ذاته الطبيعية/المادية. وظهرت أخلاقيات مادية (المنفعة المادية ـ البقاء للأصلح ـ صراع الطبقات). وقد واكب كل هذا إيمان بأن الكون معقول، وله هدف وغاية. ومن ثم تَزايَد الإيمان بالتَقدُّم وبأن التاريخ له مسار واضح حتمي، ينتهي بانتصار الإنسان (الإنسان الأبيض على وجه التحديد) وهذه هي مرحلة البطولة المادية. وفي هذه التربة نشأت حركة التنوير بين أعضاء الجماعات اليهودية واليهودية الإصلاحية.