[frame="1 10"]ثالثا: معركة الأرَكْ:(الأرك): حصن على بعد عشرين كيلومترا إلى الشمال الغربي من قلعة رباح، على أحد فروع نهر وادي آنه ، وهي نقطة الحدود بين قشتالة والأندلس في حينه . تجهز الفونسو الثامن ملك قشتالة للقاء الجيش الإسلامي منذ سمع بعبور الموحدين وطلب العون من ملكي ليون وونبارة واستفز كل ملوك أسبانيا المسيحية واستصرخ البابا في روما وقدمت إليه جيوش من فرنسا والمانيا وهولندا وغيرها من الديار الأوربية ووافته جنود اوربية كبيرة يقودها فرسان ذو خبرة عسكرية طويلة وتجربة ماهرة وممتازة في الحروب ضد المسلمين حتى لقد قدرت القوات الأوربية التي احتشدت في مواجهة القوات الإسلامية بـ (150 ألف جندي) تزيد عن ثلاث أضعاف القوات الإسلامية وتحركت تلك القوات ونزلت في الأرك ، ونزل أبو يوسف يعقوب المنصور على مقربة من المعسكر القشتالي ، ومرّت عدة أيام لم يقع فيها إشتباك.
خطة الموحدين :إجتمع المجلس الحربي الإستشاري للموحدين برئاسة زعيمهم أبو يوسف يعقوب المنصور وتناقشوا في الخطة التي يجب اتباعها في المعركة ، واستمع الزعيم لرأي الجميع ، ثم التفت إلى زعماء الأندلس ، وطلب رأي ابي عبدالله بن صناديد ، لقد كان من أعقلهم وأخبرهم بمكائد الحروب ، وكان أبو يوسف المنصور يفضل آراء الأندلسيين في معرفة أفضل الخطط لمحاربة النصارى ، إذ أنهم يخوضون الحرب مع جيرانهم بلا انقطاع ، فهم لذلك أعرف الناس بطرق النصارى ومكائدهم ، وكان من راي ابن صناديد أنه يجب أن توضح خطة موحدة لتسيير دفة الحرب ، إذ كان هذا التوحيد والنظام والتنسيق التام ينقص الموحدين في حروبهم السابقة ، ولا سيما في معركة شنترين ، وأنه يجب أن يختار أمير الموحدين قائدا عاما للجيش كله ، فوقع اختيار المنصور على كبير وزرائه ابي يحي بن أبي حفص ، الذي امتاز بالفطنة وصفاء الذهن والشجاعة في كثير من الحروب والوقائع .
وكذلك يجب أن يتولى قيادة الأندلسيين زعمائهم ، وهو ما لم يتبع دائما ، فكان يترتب على ذلك اضطراب الصفوف اثناء المواقع ، وكانت حماسة الأندلسيين تهبط حينما يتولى الأجانب قيادتهم ، على أنه مع ذلك كانوا يؤلفون قسما مستقلا من الجيش ينضوي تحت لواء القائد العام أبي يحي بن أبي حفص، ولما كان الأندلسيون والموحدون أو الجند المغاربة النظاميون يؤلفون قوة الجيش الرئيسية ، فقد نصح عبدالله بن صناديد بان يتولى هؤلاء لقاء العدو ومواجهة هجومه الأول ، وأما بقية الجيش وهي المؤلفة من قبائل البربر ، ومعظمهم غير النظاميين ، وجمهرة كبيرة من المحاربين والمجاهدين فيجب أن تكون قوة احتياطية للموحدين الأندلسيين ، تقوم بالعون والإمداد . أما أبو يوسف المنصور فيستطيع بحرسه أن يرجح كفة الموقعة كلها ، ويجب ان يرابط بقوته وراء التلال على مسافة قريبة ، ثم ينقض فجأة بجنوده المتوثبين على الأعداء المتبعين ، ويبادر بحضوره إلى تدعيم النصر المكسوب ، كل هذه الآراء أبداها الزعيم الأندلسي ، وأعجب أبو يوسف المنصور بها ، فوافق عليها ، وأمر بتنفيذها.
قلت: وهذه الخطة شبيهة بخطة المرابطين التي وضعوها في معركة الزلاّقة عام 479 هـ وهذا يدل على اهتمام أبي عبدالله ابن صناديد بالدراسة التاريخية الواعية .
وفي تلك الأثناء كان ألفونسو يستعد لمهاجمة المسلمين ونتيجة للأعداد الضخمة التي في حوزته رأى أن يترك أساليب الأسبان القديمة في الحرب ، وهي تقضي بتجنب الإشتباك في المواقع والإمتناع في القلاع ، حتى ترغم قوى المسلمين الجرارة على الإنسحاب ، إما لنفاد المؤن ، أو لتفشي الأمراض، أو لحلول الشتاء ، ولكن ألفونسو رأى - وهو سيد جيش ضخم حسن الأهبة - أنه من العار أن ينسحب أمام العدو ، خصوصا وقد كان يؤمل أن يستطيع بقيادته أن يحرز نصرا باهرا على جيش الموحدين.
وفي 9 شعبان 591هـ/8 تموز (يولية) 1195 كانت موقعة الأرك الفاصلة الحاسمة . وفي صباح هذا اليوم ، أذاع أبو يوسف يعقوب المنصور بين سائر الجند ، لكي يذكي حماستهم للقتال ، خبر حلم رآه في الليلة السابقة ، مفاده أنه رأى في نومه فارسا بهي الطلعة ، على فرس أبيض يخرج من باب فتح في السماء ، وبيده راية خضراء ، وقد انتشرت في الآفاق ، يقوله له : إنه من ملائكة السماء السابعة ، وإنه جاء يبشره بالنصر بحول الله .
ونظم أبو يوسف يعقوب المنصور جيشه ، الذي قدرته الروايات الأوربية الكنسية بستمائة ألف مقاتل وهذا بالطبع مبالغ فيه ، فقد كان في الأغلب يساوي عدد جيش النصارى، فاحتل الموحدون - أو القوات النظامية - القلب ، واحتل الجناح الأيسر الجند العرب أو احفاد فاتحي المغرب المسلمين ، ومعهم زناته وبعض القبائل الأخرى تحت ألويتهم الخاصة ، واحتل الجناح الأيمن قوى الأندلس بقيادة عبدالله بن صناديد . وتولى أبو يوسف المنصور قيادة القوة الاحتياطية مكونة من صفوة الجند والحرس الملكي ، ورفعت صفوف المتطوعين ومعظمها مكون من الجنود الخفيفة ، ولا سيما حملة النبال ، تحت أعلامها الخضراء ، وهو لون الموحدين ، إلى المقدمة ، لتفتتح القتال ، وهم جميعا يضطرمون شوقا إلى الفوز بالشهادة في سبيل الله تعالى(1) . وحين كمل الحشد قال القائد العام للجند إن المنصور أمير المؤمنين يقول لكم : "اغفروا له - فإن هذا موضع الغفران - وتغافروا فيما بينكم ، وطيبوا نفوسكم وأخلصوا لله نياتكم"
فبكى الناس وأعظموا ما سمعوه من أميرهم المؤمن المخلص ، وما جرى من حسن معاملتهم وعدله بينهم.
وقام وخطب وحرض على الجهاد وبين فضله ومكانته وقدره ، وأخذ الناس مواقعهم وقد تنورت بصائرهم ، وخلصت لله ضمائرهم وسرائرهم ، وقويت أنفسهم وعزائمهم ، وتضاعفت نجدتهم وإقدامهم.
ونظم ملك قشتالة في تلك الأثناء جنده المتوثبة إلى القتال ، وكانت قلعة الأرَك تحمي موقعه من جانب ، وتحميه من الجانب الآخر بعض التلال ، ولا يمكن الوصول إليه إلا بواسطة طرق ضيّقة وعرة ، وكان الجيش القشتالي يحتل موقعا عاليا ، وكانت هذه ميزة له في بدء القتال.
ولما تقدمت صفوف المسلمين المهاجمة إلى سفح التل الذي يحتله ملك قشتالة ، واندفعت إليه بحاول اقتحامه على اثر كلمات قائدها الملتهبة ، انقض زهاء سبعة او ثمانية الآف من الفرسان القشتاليين المثقلين بالدروع على المسلمين كالسيل الجارف المندفع من علٍ.
وفي البيان المغرب في معرض الحديث عن القشتاليين، لما رأوا الجيش الاسلامي في سهل الأرك، وهم في المرتفع المشرف عليه: "فهبطوا من مراكزهم كالليل الدامس والبحر الزاخر، أسرابا تتلوها أسرابٌ، وأفواجا تعقبها أفواج، ليس إلا الصهيل والضجيج والحديد على وقع العجيج، فدفعوا حتى انتهوا إلى الأعلام، فتوقفت كالجبال الراسيات، فمالوا على الميسرة فتزحزح قوم من المطوعة وأخلاط من السوقة والأحرجة، فصعد غبارها الى الجو، فقال "أبو يوسف، المنصور لخاصته ومن طاف به: جددوا نياتكم وأحضروا قلوبكم ثم تحرك وحده وترك ساقته على حالها، وسار منفرداً من خاصته مقدما بشهامته ونجدته، ومر على الصفوف والقبائل، وألقى اليهم بنفسه كلاماً وجيزاً في الهجوم على عدوهم والنفوذ إليه، وعاد الى موضعه وساقته" لقد رد المسلمون هجمات القشتاليين مرتين، ولكن العرب والبربر استنفذوا جميع قواهم لرد هذا الهجوم الشرس، ولما عززت صفوف النصارى بقوى جديدة، هجموا للمرة الثانية، وضاعفوا جهودهم واقتحموا صفوف المسلمين وفرقوها، وقتلوا قسما منها، واضطر الباقون إلى التقهقر والتراجع، وأكرم الله الآف من المسلمين بالشهادة، منهم القائد العام أبو يحيى بن أبي حفص، الذي سقط شهيد وهو يقاتل بمنتهى الشجاعة والرجولة والعزة والبسالة، وظن النصارى أنهم أحرزوا النصر بعد أن حطموا قلب جيش الموحدين، ولكن الجناح الأيمن للمسلمين بقيادة القائد الأندلسي أبي عبدالله بن صناديد انقض على النصارى انقضاض الأسد على فريسته وأصابوا قلب جيشه القشتالي إصابة دامغة وكان ملك قشتالة يقود قلب جيشه بنفسه ويحيط به عشرة آلاف فارس، منهم فرسان الداوية وفرسان قلعة رباح، لقد استمرت المعركة وهي حامية الوطيس ساعات متتالية واستبدل المسلمون النقص في العدد، بالاقدام والشجاعة، حتى أنه لما زحف زعيم الموحدين في حرسه وقواته الاحتياطية، ورد تقدم الفرسان القشتاليين واضطرهم إلى الفرار في غير انتظام، لم يغادر ألفونسو وفرسانه عشرة الآلاف مكانهم في القلب، ذلك لأنهم أقسموا جميعاً بأن يموتوا ولا يتقهقروا، فاستمرت المعركة على اضطرامها المروع، والفريقان يقتتلان تحت سحب كثيفة من الغبار، وأرجاء المكان تدوى بوقع حوافر الخيل، وقرع الطبول، وأصوات الأبواق، وصلصلة السلاح، وصياح الجند، وأنين الجرحى.
وأيقن الموحدون بالنصر حينما انحصرت المقاومة في فلولا من النصارى التفت حول ملك قشتالة. وهجم أمير الموحدين في مقدمة جيشه لكي يجهز على هذه البقية، أو يلجئها إلى الفرار، فنفذ الى قلب الفرسان النصارى، والعلم الأبيض يخفق أمامه منقوشاً عليه: "لا إله إلا الله محمد رسول الله، لاغالب إلا الله". ولم يشأ الفونسو بالرغم من اشتداد ضغط المسلمين عليه من كل صوب، ومواجهته لخطر الهلاك والسحق المحقق، أن ينقذ نفسه بالفرار، وأن يتحمل عار الهزيمة، وتساقط معظم الفرسان النصارى حول ملكهم مخلصين لعهدهم، ولكن بقية قليلة منهم استطاعت أن تنجو وأن تقتاد الملك بعيداً عن الميدان، وأن تنقذ بذلك حياته
يتبــــع[/frame]






رد مع اقتباس
المفضلات