[frame="7 10"]

السلام عليكم

ت- الغزوة الثانية:

عبر أبو يوسف يعقوب إلى الأندلس للمرة الثانية سنة 677هـ/1278م، وتوغل بجيشه في أراضي قشتالة إلا أن النصارى استطاعوا أن يصانعوا ابن الأحمر زعيم غرناطة وأن يكسبوه لجانبهم ودخل معهم في أحلاف ضرت بالمسلمين واضطر سلطان المرينيين أن يرجع إلى المغرب بجيشه واستمر ابن الأحمر في تصرفاته الشاذة وعقد تحالفاً مع ملك قشتالة، فسارا إلى أقصى الجنوب لاحتلال "طريف" مدخل الأندلس كلها، واشترط ابن الأحمر على ملك قشتالة أن يسلمه ثغر طريف.
واستطاعت طريف أن تصمد أربعة أشهر إلا أنها اضطرت للخضوع والإستسلام، فطالب بها ابن الأحمر ملك قشتالة، فامتنع عن تسليمها، مع أن ابن الأحمر تنازل له مقابلها عدد من الحصون الهامة، فأدرك ملك غرناطة محمد الفقيه ابن الأحمر عندئذ خطأه الفاحش والمزلق الخطير في الركون إلى وعود ملك قشتالة، وفي مغاضبة المرينيين حلفائه الطبيعيين، واخوانه في الدين والمنهج والتصور والاعتقاد، فعاد يخطب ودّهم من جديد فأرسل الوفود من أجل الصلح مع المرينيين واعتذر عن مسلكه في شأن طريف، وأجابهم السلطان أبو يوسف المريني إلى طلبهم وبقي ملك غرناطة على عهده مع المرينيين حتى توفي - محمد الفقيه - في شعبان سنة 701هـ/ أيار مايو 1302 بعد حكم دام أكثر من ثلاثين سنة.

ومما يذكر أن أبا يوسف المنصور أرسل ابنه الأمير أبا يعقوب في أسطول مريني ضخم في أوائل سنة 678هـ 1279م، وانتصر على الأسطول القشتالي وحرر الجزيرة الخضراء. ولما تم الصلح مع ابن الأحمر أصبحت مالقة قاعدة لبني مرين ومحطة لعبور جندهم إلى الأندلس للجهاد.
عبر أبو يوسف المنصور - عبوره الرابع - في صفرسنة 684هـ إلى الأندلس، وجاهد في البر والبحر، وأرغم شانجة الرابع ملك قشتالة على طلب السلم، فأرسل شانجة وفداً من الأحبار يفوض السلطان المريني على مايراه ووضعت شروط أهمها مسالمة المسلمين كافة وعدم الاعتداء على الأندلس.

توفي أبو يوسف يعقوب المنصور المريني سنة 685هـ/ 1285م، بعد حياة حافلة بالجهاد في المغرب والأندلس . هذه نبذة مختصرة عن حياته تغمده الله عز وجل برحمته :

كان رحمه الله صواما قواما ، دائم الذكر ، كثير الفكر ، لا يزال في أكثر نهاره ذاكرا ، وفي أكثر ليله قائما يصلي ، وسبحته في يده لا يزايلها اكثر أوقاته مكرماً للصالحين ، كثير الرأفة والحنين على الضعفاء والمساكين ، متواضعا في ذات الله تعالى لأهل الدين ، متوقفا في سفك الدماء ، كريما جوادا ، وكان مظفَّرا منصورا الراية ، ميمون النقيبة ، لم تهزم له راية قط ، ولم يكسر له جيش ، ولم يغز قط عدوا إلا قهره ، ولا لقي جيشا إلا هزمه ودمَّره ، ولا قصد بلداً إلا فتحه.

ولا ننسى أنه كان خطيبا يؤثر في نفوس جنده ، شجاعا مقداماً يبدأ الحرب بنفسه عليه رحمة الله .
لقد كان من صنف يوسف بن تاثفين ، وأبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي.

قال عنه ابن كثير في وفيات عام 685 هـ : (أبو يوسف المريني سلطان بلاد المغرب ، خرج على الواثق بالله أبي دبوس فسلبه الملك بنظام مراكش ، واستحوذ على بلاد الاندلس والجزيرة الخضراء ، في سنة ثمان وستين وستمائة واستمرت ايامه إلى محرم هذه السنة ، وزالت على يديه دولة الموحدين بها)

نتيجة للمصالح المشتركة بين بني مرين وبني الأحمر ملوك غرناطة استطاعوا ان يصلوا إلى نتائج حسنة ومهمة للتعاون المشترك والتنسيق العريض لرد الخطر النصراني القادم ، من مملكة قشتالة ولذلك رأت القيادتان المرينية والغرناطية ضرورة وضع قوات من المجاهدين في الأندلس للإقامة فيها ، ليكونوا على أهبة الاستعداد من اجل الجهاد والدفاع عن مسلمي الاندلس، فظهر ما يعرف في تاريخ الأندلس بمشيخة الغزاة وهذا تعريف أطلق على الجنود المرابطين للذود عن العقيدة والدين وأطلق على اسم زعيمها شيخ الغزاة.

وتزعم بنو العلاء (من أقارب السلطان المريني) قيادة المشيخة ، وهو منصب عسكري تولى رياسة المشيخة عبدالله بن ابي العلاء حتى استشهد سنة 693هـ، فكانت لأخيه أبي سعيد عثمان بن العلاء.

عن هذه المشيخة يذكر المقَّري في نفح الطيب أنه "لم يزل ملوك بن مرين يُعينون أهل الأندلس بالمال والرجال ، وتركوا منهم حصة معتبرة من أقارب السلطان بالأندلس غُزاة ، فكانت لهم وقائع في العدو مذكورة ، ومواقف مشهورة ، وكان عند ابن الأحمر منهم جماعة بغرناطة ، عليهم رئيس من بيت ملك بني مرين يسمّونه شيخ الغُزاة".

توفي محمد (الثاني) الفقيه سنة 701 هـ (1301م) فخلفه ولده أبو عبدالله محمد الملقب بالمخلوع الذي خلع سنة 708 هـ ليتولى الحكم أخوه نصر وبويع وكان مجبولا على طلب الهدنة محبا للعلم وأهله يخط التقاويم الصحيحة ، ويصنع بيده الآلات الطريفة ، نازل طاغية قشتالة على الجزيرة الخضراء ، وطاغية أراغون في ثغر المريّة ، فهزم النصارى في المريّة ، وانتصروا عليه في الجزيرة الخضراء حيث سقط جبل طارق في أيديهم بعد حصارٍ طويل مضنٍ دام حتى آخر سنة 709 هـ .

وفي عهد أخيه، ثم عهده حصل جفاءٌ وعداءٌ بينه وبين بني مرين حكّام المغرب بواسطة جواسيس النصارى المندسين بين المسلمين ، واستغل النصارى ذلك التنافر ، فشددوا على مملكة غرناطة الخناق ، فاضطر السلطان نصر بن محمد إلى دفع الجزيرة لهم فثار الشعب في وجهه ، وكان أن خلع سنة 713هـ ورشح الخارجون عليه للملك بدلا عنه: أبا الوليد إسماعيل بن فرج ، وحفيد إسماعيل بن يوسف أخي محمد يوسف راس الأسرة النصرية ، ومؤسس دولتها.

[/frame]