إن التحليل الماركسى بمفاهيمه ومقولاته ومصطلحاته واضح أشد الوضوح، فالدكتور يعزو كل شىء إلى العوامل الاقتصادية والاجتماعية، ولسانه يلهج بمصطلحات "البنية التحتية" و"وسائل الإنتاج" و"الأيديولوجية"... ولا أظن القارئ محتاجا من هذه الناحية إلى أن أضيف شيئا إلى ما قرأ، فهو مستغن بنفسه عن الشرح والتوضيح. ولكن يمكننا مع ذلك أن نلاحظ خلو كلام الحنفاء من الحديث عن العرب والأخطار التى تتهددهم من الداخل ومن الخارج على السواء، فقد كان كلامهم محصورا فى الوعظ العام وتوجيه الأنظار إلى الدلائل الكونية والدعوة إلى التوحيد، ثم لا شىء آخر، فلا حديث عن صراعات قبلية ولا احتلال حبشى ولا تهديد فارسى أو رومى قط. كما أن القرآن يخلو من هذه الموضوعات. بل إنه لا وجود فيه من أوله إلى آخره للعرب أو حتى لاسمهم، فضلا عن أن يكون لهم على صفحاته أى وضع متميز على الإطلاق. والكلام فيه إنما هو عن البشرية كلها، على عكس العهد القديم مثلا، الذى يدور كله على بنى إسرائيل وكأنهم هم الدنيا بأسرها فلا توجد أمة سواهم. كما تكرر فيه النص على أنه عليه الصلاة والسلام مبعوث إلى العالمين أجمعين فى كل زمان ومكان: "قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ" (الأنعام/ 90)، "وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ" (يوسف/ 104)، "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" (الأنبياء/ 107)، "تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا" (الفرقان/ 1)، "قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ* إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ" (ص/ 86- 87)، "وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ* وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ" (القلم/ 51- 52)، "إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ" (التكوير/ 27)، "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ" (سبأ/ 28).

وبالمثل نجد فى الحديث هذه النصوص التى تدل بأجلى بيان على أن رسالته صلى الله عليه وسلم هى للناس كافة، وليست للعرب وحدهم كما يزعم الملتاثون الذين فى قلوبهم مرض ويحسبون أنهم قادرون على التخفى بمرضهم، وهيهات: "يا أيها الناس، ألا إن ربكم عز وجل واحد. ألا وإن أباكم واحد. ألا لا فضل لعربي على عجمي. ألا لا فضل لأسود على أحمر إلا بالتقوى. ألا قد بلغت؟ قالوا: نعم. قال: ليبلِّغ الشاهدُ الغائب"، "أُعْطِيتُ خمسا لم يُعْطَهُنّ أحد من الأنبياء قبلي: نُصِرْتُ بالرعب مسيرة شهر، وجُعِلَتْ لي الأرض مسجدا وطَهُورا، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لي الغنائم، وكان النبي يُبْعَث إلى قومه خاصة، وبُعِثْتُ إلى الناس كافة، وأُعْطِيتُ الشفاعة"، "كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى أبرويز ملك فارس يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. أدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حَيًّا ويحقَّ القول على الكافرين. أسلم تَسْلَم، فإن أَبَيْتَ فعليك إثم المجوس"، ومن رواية أبى سفيان: "انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فينا أنا بالشأم إذ جيء بكتاب من النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل. قال: وكان دحية الكلبي جاء به فدفعه إلى عظيمُ بُصْرَى، فدفعه عظيمُ بُصْرَى إلى هرقل. قال هرقل: هل هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقالوا: نعم. قال: فدُعِيتُ في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل، فأجلسنا بين يديه، فقال: أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا. فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خلفي، ثم دعا بترجمانه فقال: قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كَذَبني فكذِّبوه. قال أبو سفيان: وايم الله لولا أن يُؤْثِروا عليّ الكذب لكذبت. ثم قال لترجمانه: سَلْهُ كيف حَسَبُه فيكم؟ قال: قلت: هو فينا ذو حسب. قال: فهل كان من آبائه مَلِكٌ؟ قال: قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: أيتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قال: قلت: بل ضعفاؤهم. قال: يزيدون أو ينقصون؟ قال: قلت: لا بل يزيدون. قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا. قال: فهل قاتلتموه؟ قال: قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قال: قلت: تكون الحرب بينا وبينه سجالا، يصيب منا ونصيب منه. قال: فهل يغدر؟ قال: قلت: لا، ونحن منه في هذه المدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: والله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه. قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قلت: لا. ثم قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه فيكم، فزعمت أنه فيكم ذو حسب. وكذلك الرسل تُبْعَث في أحساب قومها. وسألتك: هل كان في آبائه ملك، فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك قلتُ: رجل يطلب ملك آبائه. وسألتك عن أتباعه: أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. وهم أتباع الرسل. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمتَ أنْ لا، فعرفتُ أنه لم يكن ليَدَعَ الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله. وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ فزعمت أنْ لا. وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب. وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون. وكذلك الإيمان حتى يتم. وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قاتلتموه، فتكون الحرب بينكم وبينه سجالا، ينال منكم وتنالون منه. وكذلك الرسل تُبْتَلَى، ثم تكون لهم العاقبة. وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أنه لا يغدر. وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك: هل قال أحد هذا القول قبله؟ فزعمت أنْ لا. فقلت: لو كان قال هذا القول أحد قبله، قلت: رجل ائتم بقول قيل قبله. قال: ثم قال: بم يأمركم؟ قال: قلت: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف. قال: إن يَكُ ما تقول فيه حقا فإنه نبي. وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أَكُ أظنه منكم. ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه. ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. وليبلغن مُلْكُه ما تحت قدمي. قال: ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه، فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فاني أدعوك بدعاية الإسلام. أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك اثم الأريسيين. و"يا أهل الكتاب تعالَوْا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله... إلى قوله: اشهدوا بأنا مسلمون". فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط، وأمر بنا فأُخْرِجْنا. قال: فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمر ابن أبي كبشة. إنه ليخافه ملك بني الأصفر. فما زلت موقنا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيظهر حتى أدخل الله عليَّ الاسلام..."، "ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزا يُعِزّ الله به الإسلام، وذلا يُذِلّ الله به الكفر".

أما تفسير أبو زيد لحركة الحنفاء التى كانت تدعو إلى الرجوع لدين إبراهيم تفسيرا ماركسيا اقتصاديا وقوله إنهم كانوا يعملون على التوحد لمواجهة الأخطار الاقتصادية المبيرة للعرب وما يتصل بهذا من تحديد العرب مجموعة من الشهور يمتنعون فيها عن القتال للحفاظ على وسائل الإنتاج الاقتصادى من الدمار الكامل، مما كان من نتيجته ازدهار التجارة فى هذه الشهور (مفهوم النص/ 73، 74، 79)، فأقل ما يوصف به أنه كلام فارغ. ذلك أن الحنفاء، كما رأينا، لم يكونوا يبحثون عن وحدة عربية، بل كانوا مجرد منكرين للوثنية. وهذه الوثنية، على العكس مما يقوله أبو زيد، كانت توحد العرب على دين واحد. ولم نسمع أن أيا من الحنفاء قد دعا إلى تلك الوحدة الموعومة، بل كان كل ما يصنعونه هو وعظ الناس وعظا عاما ثم لا شىء بعد ذلك. كما أن رحلتى اليمن والشام إنما كانتا تتمان فى الشتاء والصيف (على الترتيب)، ومعروف أن الفصول الأربعة من شتاء وصيف وربيع وخريف إنما تتبع التقويم الشمسى لا القمرى، الذى كانت تجرى عليه العرب فى تنظيم الأشهر الحرم كما هو معلوم. ولا أظننا بحاجة إلى التدليل على أن الشتاء والصيف يستغرقان ستة أشهر باعتبارهما نصف العام، على حين أن الشهور الحرم تستغرق أربعة فقط، علاوة على أن الأشهر الحرام الأربعة ليست متصلة، ومن ثم لم تكن كافية لتأمين الرحلتين على أى وضع حتى لو توافقت وشهور الرحلتين: توافقا دائما (بأن يكون التقويمان واحدا: شمسيا أو قمريا) أو كل عدة عقود. وهو ما يدل على أن كلام الباحث هو كلام منهار بطبيعته. أما الكلأ والماء فلا علاقة لتوفرهما أو لشحهما بحرب أو سلم، أو أشهر حرام أو أشهر حلال، فالأمطار لن تتوقف أو تهطل طبقا للحرب أو السلم وغير ذلك من الأسباب الاجتماعية أو السياسية، بل لأسباب مناخية طبيعية. ولكيلا أترك بابا لعُشّاق المراء أقول إن نصر أبو زيد قد أكد مرارا وتكرارا أن الحنفاء، بما فيهم النبى طبعا، كانوا يبحثون عن دين إبراهيم. فهل كان على "أجندة" إبراهيم (وأرجو أن يتسامح معى القارئ فى استخدام تلك الكلمة الأجنبية هذه المرة من نفسى)،هل كان من "أجندته" توحيد العرب؟ بس خلاص!

ويدعى د. نصر أبو زيد أيضا (ص77 من "مفهوم النص") أن كلمتى "رَبٌّ" (أى الإله) وخَلَق (بمعنى الإيجاد من العدم) كلمتان قرآنيتان جديدتان، إذ كان معنى "الرب" قبلا هو صاحب الشىء، ومعنى "خَََلََق" هو صمم الشىء وقدّره قبل تنفيذه لا أوجده من عدم بعد أن لم يكن موجودا. وهذا غير صحيح، فكلمة "رب" فى الشعر الجاهلى موجودة بهذا المعنى،

كقول الأسود بن يعفر النهشلى:
أقول لما أتاني هُلْكُ سيدنا * لا يبعد الله رب الناس مسروقا

وقول الفِنْد الزّمّانى:
فَاخْسَأَوا لَيسَ لَكُم بَيتٌ عَلى * مِثلِنا اللَهُ لَهُ رَبٌّ وَجارُ

وقول حاتم الطائى:
سَقى اللَهُ رَبُّ الناسِ سَحّا وَديمَةً * جَنوبَ السَراةِ مِن مَآبٍ إِلى زُغَر

وزيد بن عمرو بن نُفَيْل:
أَرَبّا واحِدا أَم أَلفَ رَبٍّ * أَدينُ إِذا تَقَسَّمَتِ الأُمورُ

وقول شتيم بن خويلد الفزارى:
لا يُبْعِدِ اللَهُ رَبُّ العِبا دِ وَالمِلحِ ما وَلَدَت خالِدَه

وقول عبد بن مالك النعمان:
يا رَبُّ أنتَ على الأنام مُسَلِّطٌ * لو شئْتَ أضحَوْا هامِدينَ جُمودا

وقول عروة بن الورد:
قَليلٌ ذَنبُهُ وَالذَنبُ جَمٌّ * وَلَكِن لِلغِنى رَبٌّ غَفورُ

وقول لقيط بن شيبان:
إِذا ما اِمرؤٌ أَهَدى لِمَيتٍ تَحِيَّةً * فَحَيّاكَ رَبُّ الناسِ عَنّي أَدهَمُ

وقول ميثاء المجاشعية:
يا ربّ ربَّ البيت والحـُجّاجِ

وفى القرآن الكريم: "ولئن سالتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله"، وقد تكررت مرات، مما يدل على أنهم كانوا يعرفون أن "خلق" تعنى أوجد من العدم وأنها، بهذا المعنى، خاصة بالله سبحانه: "وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ" (العنكبوت/ 61)، "وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ" (لقمان/ 25)، "وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" (الزمر/ 28)، "وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ" (الزخرف/ 9). وكان زيد بن عمرو يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله وأنزل من السماء ماءً وأنبت لها من الأرض نباتا ثم تذبحونها على غير اسم الله! إنكارا لذلك وإعظاما له".

وفى شعر الجاهلية ورد هذا الفعل بهذا المعنى كقول حذيفة الهذلى:
أَلا يا فَتىً ما نازَلَ القَومَ واحِدا * بِنَعمانَ لَم يُخلَق ضَعيفا مُثَبَّرا

وقول عدى بن زيد:
أَلا مَن مُبلِغُ النُعمانِ عَنّي * عَلانِيَةً فَقَد ذَهَبَ السِرارُ
بِأَنَّ المَرءَ لَم يُخلَق حَديدًا * وَلا هَضبا تَرَقّاهُ الوَبارُ

وقول قس بن ساعدة الإيادى:
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي * لَم يَخلُقِ الخَلقَ عَبَثْ

وفى ذات الكتاب نراه ينفى أن يكون للقرآن وجود فى اللوح المحفوظ طبقا لما جاء فى سورة "البروج": "بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)". صحيح أن بعض علمائنا القدامى قد تجاوزوا حدود العقل البشرى حين قالوا إن كل حرف من القرآن فى ذلك اللوح يمائل فى الضخامة جبل قاف، مما أعطى د. نصر الفرصة كى يسخر من الفكرة كلها، وكان عليه أن يميز بين ما قاله القرآن فى هذا الموضوع وما قاله أولئك العلماء، الذين هم فى نهاية المطاف بشر، فكلامهم مجرد اجتهاد لا يلزمنا أن نخر عليه موافقين بالضرورة. وما داموا لم يَرَوْا ذلك اللوح المحفوظ، وما دام القرآن قد سكت عن هذا التفصيل، وسكت عنه الرسول، فلماذا يقحمون أنفسهم فى أمر من أمور الغيب الذى لا نعلمه نحن ولا هم؟ يقول الدكتور: "ولا شك أن هذه الزيادات والإضافات قد ساهمت مع ما سبقت الإشارة إليه من تصورِ وجودٍ خطىٍّ سابقٍ للنص فى اللوح المحفوظ، كل حرف بقدر جبل قاف، فى تكريس تصور للنص يتباعد به عن الواقع الذى أنتجه، والثقافة التى تشكل من خلالها إلى هذا التصور الذى يجعل النص معطًى سابقًًا كاملاً مكتملا فُرِض على الواقع بقوة إلهية لا قِبَل للبشر بها. وكان من شأن هذا التصور أن يؤدى إلى عزل النص عن حركة الواقع تدريجيا، وذلك بتحويله من نص لغوى دالّ إلى مجرد شىء مقدس، إلى مصحف يستمد قداسته من مجرد وجوده تمثيلا لأصله القديم الماثل فى عالم الأرواح والمثل" (ص76).

وهذا الكلام يتعارض تعارضا مع القرآن وحديثه عن اللوح المحفوظ. والواقع أن د. نصر قد تورط بهذه الطريقة فيما أخذه على بعض العلماء القدامى، إذ أقحم نفسه هو أيضا فيما لا قِبَل له ولا لنا به، وإلا فهل اطلع سيادته على الغيب وتحقق من أن القرآن لا يقول الحق وأنه لا وجود لذلك اللوح المحفوظ فى الواقع؟ وعلى أية حال فلا مشكلة بتاتا فى هذا اللوح المحفوظ، إذ هو سبحانه فوق الزمان والمكان، بل هو خالقهما، فكيف يقيدانه عز وجل؟ وإذا كنا نحن نعيش داخل هذين القفصين فإن الله سبحانه متعالٍ عليهما لأنه خالقهما، فليس هناك بالنسبة له قبلٌ ولا بَعْدٌ. والقول بأن القرآن منتج ثقافى كلام غير مقبول، فنحن لسنا فى مصنع ينتج النصوص الدينية، بل هو كلامه عز وجل. فالقرآن، وإن ظهر لنا فى التاريخ تدريجيا، ليس كذلك بالنسبة إلى الله، وإلا كنا قد حولناه سبحانه وتعالى بهذه الطريقة إلى بشر محصور فى الزمان والمكان لا يظهر أى شىء من الأشياء له إلا قليلا قليلا مع مرور الوقت، إلى أن يتم تشكيله فيراه كاملا لأول مرة مثلنا بالضبط. فهل هذا مما يليق به سبحانه، وهو الأزلى الأبدى الذى لا تحد وجوده ولا علمه ولا قدرته ولا إرادته أية حدود، زمانية كانت هذه الحدود أو مكانية أو... أو...؟ ولقد كان القدماء، ولا نزال نحن أيضا كلنا، اللهم إلا نصر أبو زيد وأمثاله، نؤمن باللوح المحفوظ ولا نرى القرآن منتجا ثقافيا، بل نؤمن بأنه كلام الله، نزل من السماء على الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، ومع هذا فلم يحوله القدماء إلى شىء يتبركون به، وكفى، بل وضعوه موضع التنفيذ من أول وهلة، فكانت تلك الانبعاثة الحضارية التى ليس لها مثيل فى التاريخ، مما يكذّب كل ما قاله د. نصر تكذيبا. ثم فلنفترض أن العرب قد رفضوا القرآن الكريم ولم يؤمن به أحد منهم البتة، أيتصور الكاتب أنه ما كان ليكون للقرآن وجود؟ ألن تنزل الآيات حينئذ على النبى عليه السلام رغم ذلك فتكون حجة على الكافرين؟ وهل سيكون القرآن عندئذ قد فُرِض على الواقع بقوة إلهية؟ إن هذا إنما يكون لو أن الله عز فى علاه أكره الناس على الإيمان بكتابه دون أن يقتنعوا بصحته وبصدق النبى الذى أتاهم به، وهو ما لم يقع، وما كان ليقع، إذ ليس من مبادئ الإسلام فرض الإيمان على أحد، بل من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر.

وفى هذا السياق نرى د. نصر يطنطن كثيرا بأنه إنما يريد أن يقرأ القرآن قراءة تاريخية، بعكس ما يسميه حسب الرطانة الماركسية بـ"القراءة الأيديولوجية"، التى يزعم أنها تنتزع النص القرآنى من سياقه التاريخى والثقافى واللغوى (انظر كتابه: "النص، السلطة، الحقيقة- الفكر الدينى بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة"/ المركز الثقافى العربى/ 1995م/ 6). يقصد قراءة علماء المسلمين منذ خلق الله علما وعلماء فى بلاد الإسلام حتى يوم الناس هذا، سواء كانوا معتزلة أو شيعة أو خوارج أو سنة أو صوفية، رغم أن هؤلاء العلماء بوجه عام لم ينتزعوا النص القرآنى من سياقاته المذكورة، وإن اختلفوا بطبيعة الحال فى مدى الفهم والإخلاص والاجتهاد. وإلا فهل هناك مفسر، اللهم إلا الباطنية وأمثال نصر أبو زيد ممن يريدون القفز فوق السياق التاريخى واللغوى الحقيقى للنص رغم كل مزاعمه عن وجوب مراعاتهما، وهو ما كشفتْه هذه الدراسة دون جعجعة أو ادعاءات فارغة لا يحصد منه القارئ فى آخر اليوم سوى الصداع ووجع الدماغ، أقول: هل هناك مفسر مسلم لا يراعى السياق التاريخى الذى نزل فيه القرآن من السماء على النبى الكريم فيذكر مثلا أسباب النزول التى صاحبت الوحى عند تلقى الرسول له؟ أم هل هناك مفسر يتجاهل الرجوع إلى النصوص العربية المعاصرة لنزول القرآن من شعر جاهلى وغيره للاستعانة بها فى فهم النص القرآنى رغبة فى مراعاة أكبر قدر ممكن من الانضباط فى تناوله وتفسيره؟ أم هل هناك مفسر لا يهتم بالإحاطة بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم أو أصحابه أو التابعون فى شرح ذلك النص؟ أم هل هناك مفسر يهمل، عند كتابة تفسيره، الإلمام بالعادات والتقاليد والتاريخ والجغرافيا والعقيدة فى بلاد العرب فى الجاهلية وصدر الإسلام؟ فبم نسمى هذا كله؟ أليس هو ما يدعى نصر أبو زيد غيابه عن القراءات الأيديولوجية للقرآن الكريم؟ الحق أن أبو زيد هو الذى يريد أن يقفز فوق هذا كله كى ينطلق فيعيث فى النص الإلهى فسادا وإفسادا دون حسيب أو رقيب، متصورا أنه قادر بمثل هذا الكلام الثخين والمصطلحات المبعجرة أن يلقى الرعب فى قلوب القراء. و لكن هيهات، فلا أحد عاقل يأكل من كلامه هذا!

أما فيما يتعلق بما قاله د. نصر أبو زيد عن الإمام الشافعى فى الطبعة الأولى من كتابه عن ذلك الإمام الجليل من أنه كان يتعاون مع الأمويين وأنه قد تولى عملا لهم فى اليمن، مما جعله أضحوكة الكتاب والنقاد المحققين ووضعه عن حق فى مرمى سهامهم، فقد عاد إلى تناول هذا الموضوع فى كتابه: "التفكير فى زمن التكفير" (ط2/ مكتبة مدبولى/ 1995م/ ص171) قائلا بمداورته المعهودة: "ولعل هذا يضطرنا للرد على الضجة الإعلامية الزائفة التى وجدت فى خطإ طباعى فى الكتاب نكتة تقيم الدنيا ولا تقعدها حيث تحولت كلمة "العلويين" إلى "الأمويين" فى صفحة كاملة. ورغم أن هذا خطأ لا يقع فيه تلميذ بليد كما أقر الجميع ورغم أن الصفحة التالية لصفحة الأخطاء تلك تتحدث عن نفور الشافعى من النظام العباسى، خاصة من المأمون، فإن ذلك لم يلفت النظر لأن العين الناظرة لا تقرأ ولا تفهم بل تتصيد. ولم يتنبه المهاجمون إلى أن هذا الخطأ الطباعى المصوَّب فى ثبت التصويبات فى آخر الكتاب لم يتوقف عند إمامهم الأعظم عبد الصبور شاهين لأن النسخة التى كانت بين يديه كانت مصححة باليد علاوة على ثبت التصويبات فى آخر الكتاب.

تنبه بلتاجى وأشار إليه لا على أنه خطأ طباعى بل على أنه "جهل" من الباحث. وقامت جريدة "الشعب" بدور "الطبال" فى الزفة، وعنها نقل مصطفى محمود وعنه نقل محمد الغزالى... وهلم جرا. ثم كانت ثالثة الأثافى "محمد جلال كشك"، الذى راح على مدى خمس مقالات فى "أكتوبر" يعيد ويزيد، ويرغى ويزبد، ويؤلب العامة والخاصة رحمه الله وغفر له. وكان ذلك كله دليلا على إفلاس المتهجمين ودلالة على قدر عقولهم وقدراتهم. هكذا صار هذا الخطأ الطباعى دليلا على تدنى المستوى العلمى للباحث وهبوطه بحيث صار قرار الجامعة بعدم الترقية قرارا صائبا حكيما فى نظر الحكماء من المتاجرين بالإسلام.

ليست ميول الشافعى للعلويين سرا من الأسرار، وليس انحيازه للقرشية والعروبة مما يقدح فى شخص الإمام، لكن المؤكد أن ذلك كله يمثل عناصر "أيديولوجية" فى الخطاب تحتاج للتحليل كشفًا عن بنية هذا الخطاب لإعادة زرعه فى التاريخ بعد أن انفصل عنه، واكتسب بعض الملامح الإطلاقية والقداسة. والدلائل التى يقدمها الكتاب من داخل خطاب الشافعى تتجاوز مسألة قبوله للعمل، بل وسعيه إليه، مع بعض الولاة ممن لهم توجهات قويبة من توجهات الإمام. والمعروف أن الدولة العباسية تقاربت مع العلويين فى مرحلة نشأتها وتثبيت أركانها، وذلك على أساس الانتساب المشترك إلى "البيت النبوى"، فلم يكن الأمر يحتاج لقيام دولة "علوية" لكى يقبل الإمام العمل فيها كما توهم المرحوم جلال كشك. والدلائل التى يقدمها الكتاب على انحيازه الشافعى للقرشية والعروبة عموما عديدة..." (ص171- 172).

هذا ما قاله نصر أبو زيد. وقبل أن أبدأ التعليق على هذا الكلام أود أن ألفت النظر إلى أن الطبعة الأولى من كتابه عن الإمام الشافعى، وهى أمامى الآن، تخلو تماما من أية تصويبات على عكس ما يقول د. نصر. والآن علينا أن نرجع إلى ما كان قد كتبه فى الكتاب المذكور فى طبعته الأولى. فماذا قال؟ لنقرأ معا: "لكن أهم صور التعبير عن انحياز الشافعى للقرشية أنه الفقيه الوحيد من فقهاء عصره الذى تعاون مع الأمويين مختارا راضيا، خاصة بعد وفاة استاذه الإمام مالك بن أنس (179هـ)، الذى كان له من الأمويين موقف مشهود بسبب فتواه بفساد بيعة المكره وطلاقه. وموقف الإمام أبى حنيفة (150هـ) الرافض لأدنى صور التعاون معهم رغم سجنه وتعذيبه يكشف إلى أى حد بلغ رفض الفقهاء لعصبية ذلك النظام ولممارساته القمعية ضد جماهير المسلمين إلا أن يكونوا من مؤيديه وأنصاره بشكل مباشر. سعى الشافعى، على عكس سلفه أبو حنيفة وأستاذه مالك، إلى العمل مع الأمويين، فانتهز فرصة قدوم والى اليمن إلى الحجاز وجعل بعض القرشيين يتوسطون له عنده ليلحقه بعمل، فأخذه الوالى معه وولاه عملا بنجران. وإذا كان موقف مالك وأبى حنيفة من النظام العباسى لم يختلف كثيرا عن موقفهم من الأمويين فإن الشافعى كره منهم تخليهم عن "العروبة"، التى كانت سمة بارزة للنظام الأموى، واستنادهم إلى "الفارسية"، الأمر الذى يبرز لنا النزوع العصبى عند الإمام ويفسر لنا الدفاع السابق عن نقاء النص، ونقاء اللسان العربى من ثم، من آفة الدخيل الوافد من الألفاظ. ومما له دلالة فى هذا الصدد أن رحيل الشافعى إلى مصر تلا استيلاء المأمون على السلطة بعد صراعه الدامى مع أخيه الأمين، وهو الصراع الذى وجدت فيه الشعوبية الثقافية والفكرية تعبيرها العسكرى. تولى المأمون السلطة سنة 198هـ، ورحل الشافعى إلى مصر سنة 199هـ، وكان اختيار مصر بالذات لأن واليها فى ذلك الوقت كان قرشيا هاشميا" (الإمام الشافعى وتأسيس الأيديولوجية الوسطية/ ط1/ دار سينا للنشر/ 1992م/ 16- 17).

ولسوف نأخذ بعذر نصر أبو زيد ونستبدل كلمة "العلويين" بـ"الأمويين" لنرى كيف تستقيم الأمور: "لكن أهم صور التعبير عن انحياز الشافعى للقرشية أنه الفقيه الوحيد من فقهاء عصره الذى تعاون مع العلويين مختارا راضيا، خاصة بعد وفاة استاذه الإمام مالك بن أنس (179هـ)، الذى كان له من العلويين موقف مشهود بسبب فتواه بفساد بيعة المكره وطلاقه. وموقف الإمام أبى حنيفة (150هـ) الرافض لأدنى صور التعاون معهم رغم سجنه وتعذيبه يكشف إلى أى حد بلغ رفض الفقهاء لعصبية ذلك النظام ولممارساته القمعية ضد جماهير المسلمين إلا أن يكونوا من مؤيديه وأنصاره بشكل مباشر. سعى الشافعى، على عكس سلفه أبى حنيفة وأستاذه مالك، إلى العمل مع العلويين، فانتهز فرصة قدوم والى اليمن إلى الحجاز وجعل بعض القرشيين يتوسطون له عنده ليلحقه بعمل، فأخذه الوالى معه وولاه عملا بنجران. وإذا كان موقف مالك وأبى حنيفة من النظام العباسى لم يختلف كثيرا عن موقفهم من العلويين فإن الشافعى كره منهم تخليهم عن "العروبة"، التى كانت سمة بارزة للنظام العلوى، واستنادهم إلى "الفارسية"، الأمر الذى يبرز لنا النزوع العصبى عند الإمام ويفسر لنا الدفاع السابق عن نقاء النص، ونقاء اللسان العربى من ثم، من آفة الدخيل الوافد من الألفاظ. ومما له دلالة فى هذا الصدد أن رحيل الشافعى إلى مصر تلا استيلاء المأمون على السلطة بعد صراعه الدامى مع أخيه الأمين، وهو الصراع الذى وجدت فيه الشعوبية الثقافية والفكرية تعبيرها العسكرى. تولى المأمون السلطة سنة 198هـ، ورحل الشافعى إلى مصر سنة 199هـ، وكان اختيار مصر بالذات لأن واليها فى ذلك الوقت كان قرشيا هاشميا".

وهذه هى ملاحظاتنا على النص بعد تغييره على النحو الذى يريده نصر أبو زيد ليخرج من الورطة العلمية المخزية: ترى متى كان لمالك بن أنس فتوى ضد العلويين تتعلق بفساد بيعة المكره وطلاقه؟ فليدلنا عليها أحد. ثم كيف يغضب العلويون من مثل هذه الفتوى، وهى لا تضرهم فى شىء، إذ لم يكن لهم سلطان البتة: لا سلطان قائم على الإكراه ولا سلطان مستند إلى الشورى؟ بالعكس لقد كانت مثل هذه الفتوى فى مصلحتهم لأن كثيرا من المسلمين كانوا يتعلقون بالعلويين، لكنهم يخشون من إبداء مشاعرهم ومواقفهم تجاههم كما هو معروف. كذلك هل كان للعلويين سلطان فى اليمن جعل الشافعى يوسط أحدهم كى يعينوه فى منصب فى دولتهم هناك؟ طبعا لا. إذن فلا يمكن أن يكون الأمر سهوا كما يزعم الدكتور نصر. ويقول النص أيضا بعد تغييره إلى الوضع الذى يريده نصر أبو زيد: "وإذا كان موقف مالك وأبى حنيفة من النظام العباسى لم يختلف كثيرا عن موقفهم من العلويين فإن الشافعى كره منهم تخليهم عن "العروبة"، التى كانت سمة بارزة للنظام العلوى". ومعنى هذا أن العلويين كان لهم نظام كما يقول النص بكل وضوح. أى أنهم كانوا فى عصر الشافعى ذوى سلطان ودولة، وهو كلام متهافت لا يمكن أن يستقيم ولو لفيمتو ثانية. وفوق ذلك فالذين كانوا يتجهون اتجاها عروبيا ثم جاء العباسيون بعدهم فقربوا الفرس منهم وتوارت العروبة فى عهدهم تدريجيا إنما هم الأمويون، وهذا معروف لا نكران له ولا مراء فيه.

على أننا لن نكتفى بذلك فحسب، بل سوف نضيف إلى ذلك إيراد النص كما أصلحه الدكتور نصر أبو زيد فى الطبعة الثانية لنرى كيف أصلحه، وهل أصلحه طبقا لما ادعى أنه كان عليه فى الأصل أو لا. وهذا كلامه فى هذا الموضوع فى الطبعة الثانية التى صدرت سنة 1996م: "لكن أهم صور التعبير عن انحياز الشافعى للقرشية أنه الوحيد من فقهاء عصره الذى تعاون مع السلطة السياسية مختارا راضيا، خاصة بعد وفاة أستاذه الإمام مالك بن أنس (179هـ)، الذى كان له من الأمويين موقف مشهود بسبب فتواه بفساد بيعة المكره وطلاقه. وموقف الإمام أبى حنيفة (150هـ) الرافض لأدنى صور التعاون معهم رغم سجنه وتعذيبه يكشف إلى أى حد بلغ رفض الفقهاء لعصبية ذلك النظام ولممارساته القمعية ضد جماهير المسلمين إلا أن يكونوا من مؤيديه وأنصاره بشكل مباشر. سعى الشافعى، على عكس سلفه أبى حنيفة واستاذه مالك إلى العمل مع الحكام، فانتهز فرصة قدوم والى اليمن إلى الحجاز وجعل بعض القرشيين يتوسطون له عنده ليلحقه بعمل، فأخذه الوالى معه وولاه عملا بنجران. وإذا كان موقف مالك وأبى حنيفة من النظام العباسى لم يختلف كثيرا عن موقفهم من الأمويين فإن الشافعى تعاون معهم، وإن كره منهم تخليهم عن "العروبة"، التى كانت سمة بارزة للنظام الأموى، واستنادهم إلى الفارسية، الأمر الذى يبرز لنا النزوع العصبى عند الإمام ويفسر لنا الدفاع السابق عن نقاء النص، ونقاء اللسان من ثم، من آفة الدخيل الوافد من الألفاظ. ومما له دلالة فى هذا الصدد أن رحيل الشافعى إلى مصر تلا استيلاء المأمون على السلطة بعد صراعه الدامى مع أخيه الأمين، وهو الصراع الذى وجدت فيه الشعوبية الثقافية والفكرية تعبيرها العسكرى. تولى المأمون السلطة سنة 198هـ، ورحل الشافعى إلى مصر سنة 199هـ، وكان اختيار مصر بالذات لأن واليها فى ذلك الوقت كان قرشيا هاشميا".

وهنا نلاحظ ما يقوله نصر أبو زيد من أن "أهم صور التعبير عن انحياز الشافعى للقرشية أنه الوحيد من فقهاء عصره الذى تعاون مع السلطة السياسية مختارا راضيا، خاصة بعد وفاة أستاذه الإمام مالك بن أنس"، مستبدلا "السلطة السياسية" بـ"الأمويين". ومعنى هذا أن زعمه أنه فى كل مرة يستعمل فيها كلمة "الأمويين" إنما كان يقصد "العلويين" هو زعم كاذب، وإلا فلماذا لم يقل إنه الوحيد من فقهاء عصره الذى تعاون مع العلويين؟ لقد قال بدلا من ذلك إنه الوحيد الذى تعاون مع السلطة السياسية، ومعروف أن العلويين فى ذلك الوقت لم يكن لهم سلطة سياسية بتاتا. فما معنى ذلك سوى أن الرجل يقول أى كلام، والسلام؟ كما نراه يضع العباسيين فى بعض مواضع النص إزاء الأمويين لا إزاء العلويين طبقا لما كان ينبغى أن يفعل حسب كلامه. وفوق هذا فما زال نصر أبو زيد يقول إن لمالك بن أنس من الأمويين موقفا مشهودا بسبب فتواه بفساد بيعة المكره وطلاقه، علاوة على تأكيده أن الإمام أبى حنيفة كان رافضا لأدنى صور التعاون معهم رغم سجنه وتعذيبه. وهذا وذاك غير صحيحين، إذ إن هذين الأمرين قد تما فى عصر العباسيين لا الأمويين، وهو ما لا يجهله أحد ممن له أدنى صلة بالتاريخ الإسلامى. فأما فتوى مالك فمتعلقة بخروج محمد بن عبد الله المعروف بـ"النفس الزكية" على أبي جعفر المنصور، وأما سجن أبى حنيفة وتعذيبه فلأنه رفض تولى منصب القضاء لذلك الخليفة. والسبب فى وقوع كل هذه الأخطاء من نصر أبو زيد ابتداء وبعد التصحيح هو أن الأمر مضطرب لديه أشد الاضطراب، ومن ثم لم يتمكن من إحكام التصحيح الذى اقترحه هو لا سواه، فعدل كلمة أو كلمتين، ولم يستطع أن يبصر الاضطراب فى فكرته كلها فترك كثيرا من الآثار التى تدل على هذا الاضطراب. ثم إن ربط أبو زيد بين ذلك وبين أموية الشافعى المزعومة، إذ كان الأمويون ينزعون منزعا عروبيا على عكس العباسيين، الذين اعتمدوا فى نجاح ثورتهم ضد الأمويين على الفرس، إنما يدل على أن أبوزيد يقصد فعلا الأمويين، ولم يكن الأمر سهوا منه أو غلطة مطبعية من الناسخ كما زعم، وبخاصة أن كلمتى "الأمويين" و"العلويين" متباعدتان لا يمكن أن يخلط الناسخ بينهما أبدا.

ولكى تكتمل الصورة سوف أنقل هنا ما قاله محمد جلال كشك رحمه الله عن هذا الموضوع فى المناظرة التى تمت بينه وبين الدكتور نصر أبو زيد فى إحدى الفضائيات الأمريكية والتى توفى بأزمة قلبية أثناءها. قال كشك موجها كلامه للمذيع، وأنا أنقل هذا الكلام عن موقع كشك نفسه الذى أنشأه باسمه المهندس محمد إلهامى: "الدكتور أبو زيد تقدم للترقية لدرجة أستاذ بكتابين وعدة أبحاث. من هذين الكتابين كتاب صغير عن الإمام الشافعي ودوره في إثبات الوسطية. وهذا الكتاب قائم على فكرة أن الإمام الشافعي متعصب للعروبة وللقرشيين، وقال: إن أهم ما يؤكد تعصب الشافعي للعروبة أنه تعاون مع الأمويين وألح حتى عينهالأمويون واليا على نجران. عُرِض الكتاب على لجنة الترقية: البعض وافق، والبعض اعترض علي ترقيته. عُرِض الأمر على مجلس الجامعة، وهناك أستاذ مثقف رفع صباعه وقال: "يا جماعة، الإمام الشافعي اتولد بعد 18 سنة من زوال الدولة الأموية". أنا لم أصدق، فاشتريت الكتاب ووجدت أن الدكتور قال فعلا بتعامل الإمام الشافعي مع الأمويين فيالصفحة 16 وأنهم عينوه واليا علي نجران. واستدل بنصٍّ زوره علي أبو زهرة علي تعصب الشافعي للقرشيين". وعندما رد المذيع قائلا: "أستاذ جلال، أنا أخشي أن تدخل في تفاصيل أكاديمية،. فلنبق في صلب الموضوع، وهو قضية التطليق" أجابه كشك بقوله: "أنا قلت إن هذهالقضية تشوّش على القضية الأساسية، وهي جهل عضو في هيئة التدريس بإحدي الجامعاتالمصرية ولجوئه إلي التزوير إثباتا لآرائه. ده عامل زي واحد يضبطه الكمساري بينشل في الأتوبيس أو يرتكب فعلاً فاضحا، فيضرب الكمساري بالقلم ويتهمه بسب الحكومة للخروج من المأزق". ثم أضاف بعد قليل قوله: "بقي لنا ستة شهور، والدكتور أبو زيد لم يقل لنا كلمة واحدة عن هذا الخطأ الفاحش. كيف يصح لأستاذ جامعي أن يؤلف بحثا يدور حول فكرة تعاون الإمام الشافعي مع الأمويين، ويستدل من هذا التعاون عليعدة نتائج، ثم يثبت أن الإمام الشافعي وُلِد بعد انتهاء الأموية بأكثر من 18 عاما؟ هل تقبل الجامعات الأمريكية أن تمنح طالبا شهادة جامعية إذا قدم بحثا يثبت فيه تعاون جورج واشنجتون مثلا مع الاستعمار الفرنسي للعلاقات التي كانت تربط واشنجتونبنابليون؟ هل يمكن منحه أي درجة علمية؟" فكان جواب المذيع: لا طبعا".

ومما يدل على أن الأمر يرجع إلى عيب فى علم الدكتور نصر لا إلى سهو عارض عنده أنه أيضا ينسب ترك الشافعى للعراق إلى مصر أيام المأمون إلى اتجاه المأمون إلى الاعتزال وفرضه على الضمائر، على حين كان الشافعى ينفر من هذا الاتجاه، وهو كلام أقرب إلى الهزل والكاريكاتير منه إلى العلم وجِدّه، فقد مات الشافعى عام 204هـ، بينما أظهر المأمون القول بخلق القرآن سنة 212 هـ كما يقول ابن الأثير فى حوادث تلك السنة فى كتابه: "الكامل"، وإن لم يفرض عقيدة الاعتزال مذهبا رسميا للدولة لتبدأ بذلك المحنة المعروفة إلا عام 318هـ، أى بعد ذلك بأربعة عشر عاما كما كتب ابن الأثير أيضا فى حوادث ذلك العام! فكيف يعلل باحث يتشح بوشاح العلم حدثا بحدث آخر لم يقع إلا بعد وقوع الحدث الأول بأعوام؟ إنه بذلك يضع العربة أمام الحصان على عكس ما يريد الله وما يقول به العقل والمنطق. وسلم لى على العلمية والموضوعية والخيبة القوية (وانظر كذلك ترجمة المأمون فى كتاب صلاح الدين الصفدى: "الوافى بالوفيات"، وفى "نهاية الأرب فى فنون الأدب" للنويرى فى حوادث 218هـ، وكلام المستشرق البريطانى وليم موير (William Muir) فى الفصل الذى عقده للخليفة المأمون فى كتابه: "The Caliphate: Its Rise, Decline, and Fall" حيث تناول محنة خلق القرآن فى عهده بدءا من إعلانه فى 212هـ موقفه المساند للمعتزلة، ثم عمله بعد ذلك بست سنين على فرض هذا المذهب على العلماء، وكذلك "عصر المأمون" للدكتور أحمد فريد رفاعى/ مطبعة دار الكتب المصرية/ 1346هـ- 1927م/ 1/ 396- 397، وتقرير د. مصطفى الشكعة الخاص ببحث "الإمام الشافعى وتأسيس الأيدلوجية الوسطية" للدكتور نصر أبو زيد، والمنشور فى كتاب د. عبد الصبور شاهين: "قضية أبو زيد وانحسار العلمانية فى جامعة القاهرة"/ دار الاعتصام/ 45).

كذلك نرى د. أبو زيد ينسب عبد الله بن العباس رضى الله عنه إلى التابعين، إذ يقول بالحرف عن موقف بعض علماء القرآن الذين ينكرون أن يكون فى كتاب الله أية ألفاظ أعجمية: "وهذا هو اتجاه كثير من مفسرى التابعين، وعلى رأسهم عبد الله بن عباس، الذى عاصر النبى ودعا له بالفقه فى الدين وبعلم التأويل" (ص12 من الطبعة الأولى من كتاب "الإمام الشافعى وتأسيس الأيديولوجية الوسطية"). أما كيف يكون الشخص تابعيا، وفى ذات الوقت معاصرا للرسول عليه الصلاة والسلام، فأمر لا يجوز فى عقولنا نحن الدارسين المتواضعين، لكنه يجوز جدا جدا فى عقول العباقرة الذين يشبههم بعض الملاحيس بابن رشد ولا أدرى مَنْ أيضا من مفكرى أوربا فى عصر النهضة. والحمد لله أن قال الدكتور نصر إن النبى عليه السلام دعا لابن عمه بعلم "التأويل" لا بعلم "الهرمنيوطيقا" على عادة المتحذلقين الذين ينفرون من كلمة "عقيدة" أو "مذهب" وينسبون الشافعى رضى الله عنه إلى "الأيديولوجيات"، ويرمون د. شوقى ضيف بالرجعية والانغلاق والجهل بالهرمنيوطيقا والهارمونيكا والشيكابيكا الأنتيكة. دُقِّى يا مَزّيكة! إى والله: "الأيدلوجيات" بفجاجتها التى لا تتلاءم أبدا والشافعى وأمثاله، وكأنهم بعض ماركسيى عصرنا الضائعين الحقراء. وهو ما يذكرنى بالنكتة التى تقول إن امرأة فقيرة من قاع المجتمع كتب الله لها أن تتزوج رجلا من علية القوم هيأ لها عيشة مرفهة واشترى لها سيارة فخمة تركبها وتتنقل بها هنا وهناك حسبما تشاء. وذات عصرية كانت تتنزه على شاطئ النيل فرأت بائع ترمس يقف بجوار عربته، فما كان منها إلا أن أوقفت سيارتها وأشارت إلى الترمس قائلة للبائع فى اندهاشِ مَنْ يرى الترمس للمرة الأولى فى حياته: مِنْ فَدْلك أَعْتِنى بخمسة ساغ بعضا من هَزِهِ الزراير السَّفْراء التى على العربة".

ومن غرائب ما قاله نصر أبو زيد كذلك إنكاره التام الذى لا مثنوية فيه أن تكون الوسطية سمة من سمات الثقافة الإسلامية وزعمه أنها، متمثلةً فى فكر الشافعى والأشعرى والغزالى، كل فى ميدانه، إنما ترجع إلى ظروف العصر آنذاك، وأنه لو كانت الظروف قد اختلفت لتغيرت تلك الوسطية ولم يكن لها وجود (انظر ص5- 6 من كتاب "الإمام الشافعى وتأسيس الأيديولوجية الوسطية"). أى أن الوسطية ليست جوهر ثقافة الإسلام. ومعنى هذا أنه ينكر ما جاء فى القرآن والحديث من أن المسلمين أمةٌ وسطٌ، إذ قال سبحانه وتعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا" (البقرة/ 143)، وجاء فى أحاديث المصطفى عليه السلام: "يُدْعَى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب. فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير. فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. فيشهدون أنه قد بلغ. "ويكون الرسول عليكم شهيدا". فذلك قوله جل ذكره: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا". والوسط العدل"، "يجيء النبي ومعه الرجلان، ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك وأقل، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيُدْعَى قومه، فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون: لا. فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته. فتُدْعَى أمة محمد، فيقال: هل بلغ هذا؟ فيقولون: نعم. فيقول: وما علمكم بذلك؟ فيقولون: أخبرنا نبينا بذلك أن الرسل قد بلغوا، فصدقناه. قال: فذلكم قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا".

ولنفترض رغم ذلك كله أن الوسطية من صنع الشافعى والأشعرى والغزالى، فكيف تقبلتها الأمة ورضيت واستمسكت واتخذتها منهجا إلا أن يكون ذلك المنهج هو المنهج المناسب لها؟ وإلا فهل ضرب هؤلاء العلماء الثلاثة الأمة على يديها وأكرهوها على اعتناق هذه الوسطية وإيثارها على غيرها من المناهج؟ على أن نصر أبو زيد لا يكتفى بهذا الذى قاله على ما فيه من عُرٍّ واضطراب فكر، ولا يرضيه أبدا أن تكون أمة الإسلام أمة وسطا، بل يقول إنه لا بد من نزع لباس القداسة عن هذه الوسطية، وهو ما حاول فعله فى ذلك الكتاب. وليس لهذا كله من دلالة إلا أنه يريد اتخاذ التطرف سبيلا، إذ ليس لكراهية الوسطية والعمل على نزع لباس القداسة عنها إلا أن كارهها يؤثر سبيل التطرف عليها. أم ترى لكلامه معنى آخر غير هذا؟ وفى لسان الضاد يرتبط الوسط بالخير واليمن والشرف والتفوق. جاء فى "أساس البلاغة" للزمخشرى: "ومن المجاز: هو وسطٌ في قومه، وسطةٌ ووسيطٌ فيهم. وقد وَسُطَ وساطة. وقوم وسطٌ وأوساط: خيار. "وكذلك جعلناكم أُمّةً وَسَطًا". وقال زهير:
هُمُ وسطٌ يرضى الأنام بحكمهم * إذا نزلت إحدى الليالي بمُعْظِمِ
وهو من واسطة قومه، وهو أوسط قومه حسبًا. واكتريت من أعرابيّ، فقال لي: أعطني من سِطَاتِهِنّه. أراد: من خيار الدنانير". وهناك "الوسط الذهبى: Golden mean" فى الديانة الكونفوشيوسية والفلسفة الأرسططاليسية. بل إن الحياة كلها قائمة على التوازن والاعتدال، أى الوسطية. ترى ألم يسمع أبو زيد بالحكمة القائلة: "خير الأمور الوسط"؟

وما دمنا مع الشافعى رضى الله عنه فمن المناسب أن نشير إلى حملة أبو زيد على ذلك الإمام جَرّاء تأكيده أن القرآن ليس هو المعنى وحده، بل يشمل اللفظ والمعنى جميعا، وإيجابه من ثم قراءة الفاتحة فى الصلاة بالعربية حتى على الأعاجم، على عكس أبى حنيفة، الذى يجيز لهم قراءتها مترجمة إلى لغتهم حتى لو كانوا يستطيعون أداءها بالعربية، وإن قال بكراهية ترجمتها فى هذه الحالة الأخيرة فقط، وهو ما يعنى أن الصلاة رغم ذلك صحيحة. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يأخذ أبو زيد على الشافعى رضى الله عنه اشتراطه أن تُقْرَأ "الفاتحة" بذات الترتيب الذى نزلت به فلا تقدَّم آية أو تؤخَّر عن موضعها الذى هى عليه فى المصحف (انظر ص18- 20 من كتابه عن الإمام الشافعى/ ط1). والواقع أن موقف الشافعى هو الموقف الصواب لأن القرآن قد وصف نفسه مرارا بأنه عربى، ولو كان المعنى وحده هو المقصود بالقرآن لما قال ذلك، إذ المعروف أن جنسية أية لغة إنما تتعلق بالألفاظ لا بالمعانى. وعلى هذا فعندما يقول القرآن عن نفسه إنه عربى فالمقصود أن ألفاظه وتركيباته وتعبيراته عربية. ولا أدرى لماذا يناصر أبو زيد بكل قواه الصلاة بهذه الطريقة الخواجاتى. إن المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها، عربا كانوا أو غير عرب، يؤدون صلواتهم كلها تكبيرا وتحميدا وتسميعا وتسبيحا وقرآنا، لا فاتحة فقط، باللغة العربية، لغة القرآن، ولم يشكُ له أحد منهم صعوبة الأمر. بل إن حَفَظَة القرآن الذين لا يعرفون العربية من الشعوب الأعجمية ليُعَدّون بالملايين. وهذا أمر معروف، فكيف يفترض مفترض أن أحدا من المسلمين يصعب، ولا نقول: يستحيل، عليه أن يحفظ آيات "الفاتحة" السبع على قصرها وسهولتها وبساطتها البالغة؟ نعم، إن الله سبحانه وتعالى ليس عربيا، وسوف تصل إليه صلواتنا سواء أكانت بالعربية أم بلغة الإسبرانتو، إلا أن الأمر لا ينبغى أن يُنْظَر إليه على هذه الشاكلة، بل على أساس دلالة الأمور. فكيف مثلا يكون شكل الصلاة، وكل مصلٍّ فى الصف يرطن بلغته القومية؟ أترانا فى مسجد أم فى برج بابل، الذى يذكر العهد القديم أن الألسنة قد تبلبلت فيه؟ وأين معانى الوحدة التى ينبغى أن تسود بين المسلمين، وكل منهم يصلى بلغة تحتلف عن لغة الآخرين، وكأن كلا منهم قد أعطى ظهره لإخوانه وراح فى وادٍ غير الوادى؟ لقد نزل القرآن باللغة العربية ووصفه الله بالعروبة، فينبغى من ثم أن نقرأه فى صلاتنا بلغته التى نزل بها، وإلا ما كان الذى نقرؤه قرآنا، بل ترجمة للقرآن. ونحن لسنا فى معرض ترجمة للقرآن بل فى معرض قراءة له. ترى كيف يسهل على الأعجمى أن يترك دين قومه وعقائدهم وتشريعاتهم وأسلوبهم فى الأكل والشرب واللبس والمسكن والطهارة، ثم يعجز عن أن يحفظ الفاتحة، تلك السورة التى لا يأخذ حفظها منه أكثر من عدة دقائق؟ أما ضيق أبو زيد باشتراط الشافعى قراءة السورة بذات الترتيب الذى نزلت وقُيِّدَتْ به فى المصحف فلست أفهم سره. أهى معاندة والسلام؟ وكيف يا ترى يحب د. نصر أن نرتب له آيات تلك السورة؟ أم إن كل ما يريده هو أن يكون لها ترتيب مخالف للترتيب الذى أنزله الله سبحانه على نبيه بها؟ بالله عليك أيها القارئ هل تراه يصح أن يقرأ أحدهم "الفاتحة" هكذا مثلا: "صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)"؟ ألن تقول من فورك: أىّ خَبَلٍ هذا؟ ذلك أننا لسنا فى سيرك للألعاب البهلوانية، بل فى صلاة نقف فيها أمام الله فى خشوع وإخبات تامين. و"الفاتحة"، كأى نص لغوى، ليست مجرد ألفاظ وعبارات والسلام، بل ألفاظ وعبارات مرتبة على نحو معين، ولو رتبناها بطريقة أخرى لكان لها معنى مختلف قليلا أو كثيرا، وربما لم يكن لها معنى مفهوم البتة. ونحن إنما نقف أمام الله لنقول له كلاما عاقلا لا رُقًى هزليةً تبعث على الضحك. ومقام الألوهية لدى المؤمن أكبر وأجل وأعظم وأمجد من أن نصيخ فيه السمع إلى تُرّهات أبو زيد، حتى لو كان أبو زيد الهلالى سلامة. فما بالك، وهو أبو زيد نصر حامد؟ حسبنا الله ونعم الوكيل. وصدق من قال: الجنون فنون".

ومن أفانين أبو زيد العجيبة، وما أكثرها ، أنه يرتب على قول الشافعى باتساع العربية حتى لا يحيط بها سوى نبىٍّ القول بأن تفسير القرآن إذن غير ممكن لأن القرآن صورة مصغرة للعربية كما يقول (ص11- 12 من كتابه عن الإمام الشافعى). ولا أدرى من أين أتى بهذا الهراء. فأولا من قال إن القرآن صورة مصغرة للعربية؟ بل كيف يكون صورة مصغرة منها أصلا؟ هل القرآن صورة "أربعة فى خمسة" مثلا من اللغة بحجمها الطبيعى؟ إن القرآن لا يحوى من ألفاظ اللغة وعباراتها إلا جزءا محدودا جدا. وأى كتاب مهما كان حجمه لا يمكن أن يستوعب اللغة. بل إن المعاجم المبسوطة ذاتها لا تستوعب اللغة. بل إننا لو جمعنا المعاجم كلها ما غطت جميع ألفاظ اللغة وعباراتها، على الأقل لأن اللغة تتسع كل يوم بما يستجد بها من كلمات وتعبيرات لم يكن السابقون يعرفون عنها شيئا. وعلى كل حال فلو صح ما قاله أبو زيد من أن القرآن صورة مصغرة للغة لصدق هذا على كل كتاب، إذ الألفاظ والعبارات محدودة العدد فى أى كتاب بالنسبة إلى محيط اللغة الزخار. كذلك لم يحدث أن قال أحد من العلماء بعدم إمكان تفسير القرآن، فضلا عن أن عدد كتب التفسير الهائل يدل على نقيض ما يهرف به نصر أبو زيد. بل إن معظم كتب التفسير، كأى شىء آخر فى الحضارة العربية الإسلامية، قد ألفها غير عرب بحكم قلة عدد العرب فى الأمة. ثم ما رأى فضيلته فى الكون؟ لا شك أن اللغة، مهما يكن من اتساعها، لا تساوى شيئا على الإطلاق بالنسبة إلى ذلك الكون. أليس كذلك؟ ولا شك أيضا أن الكون لا يحيط به أحد من الخلق لا نبى ولا ولى، ومع هذا لم يقل أحد إن البحث فى الكون ومحاولة فهمه وتفسير أسراره واكتشاف قوانينه أمر مستحيل. كما أن الواقع قد أثبت ويثبت كل يوم أنه لا مكان هنا للاستحالة بتاتا. ولا ننس أن الشافعى هو من أوائل من فسروا القرآن من خلال ما كتبه فى الفقه، إذ استمد رضى الله عنه فقهه من القرآن مع مصادر أخرى كما هو معروف. لقد قام استنباطه للأحكام الفقهية، فى جانب منه، على فهمه وتفسيره لآيات الكتاب العزيز. إذن فكل ما قاله أبو زيد فى هذا الصدد هو كلام فارغ. والعجيب أن أبو زيد، بعد كل هذه الضجة المصمة والمماراة المزهقة للأنفاس، يعود (ص22) فيقول بصعوبة الأمر فقط لا باستحالته، وعلى غير العربى وحده لا على العربى أيضا، وهو ما يكذبه الواقع والتاريخ حسبما أشرنا قبيل قليل. وهكذا يراوغنا الدكتور أبو زيد من صفحة إلى صفحة، وكأنك يا أبا زيد ما غزوت! ثم هو فى نهاية المطاف يفشل فشلا ذريعا.

وهو يزعم أيضا (ص15 من الكتاب السابق) أن قول الشافعى بنقاء القرآن من أية ألفاظ أعجمية إنما يمثل انحيازا أيديولجيا للقرشية التى بدأت يوم السقيفة. ترى ما علاقة ما قاله الشافعى، وهو خاص بـ"اللغات الأعجمية"، بما يقوله نصر أبو زيد مما يتعلق بـ"اللهجة القرشية"؟ ألا إن هذا لَخَلْطٌ شنيع. كما نراه يربط أيضا بين ذلك وبين أموية الشافعى المزعومة، إذ كان الأمويون ينزعون منزعا عروبيا على عكس العباسيين، الذين اعتمدوا فى نجاح ثورتهم ضد الأمويين على الفرس. وقد تبين أن ما قاله د. نصر عن ميول الشافعى نحو الأمويين وتعاونه معهم وتوليه عملا لهم بنجران إنما هو سمادير لا يفهمها العقلاء، فضلا عن العلماء، فلا داعى إذن لفتح هذا الجرح القديم. ثم أترى الشافعى، لو كانت ميوله عباسية، يقول بوجود ألفاظ أعجمية فى القرآن؟ فلماذا؟ هل العباسيون أعاجم، والأمويون هم وحدهم العرب؟ ألا يرى القارئ معى كيف يتخبط الرجل فى أفكاره وآرائه؟

وبهذه المناسبة فليس فى قول الشافعى بأن الخلافة ينبغى أن تكون فى قريش ما يؤخَذ عليه رضى الله عنه لأن المعروف أن قريشا فى ذلك الوقت كانت هى زعيمة العرب بسبب البيت الحرام الذى يقصدونه من كل أرجاء البلاد ويوقرون قريشا لقيامها على حفظه والقيام عليه، فضلا عن أن النبى صلى الله عليه وسلم منهم وأنهم هم أول من تلقى القرآن. ولو كانت المسألة مسألة عصبية لكان الشافعى رضى الله عنه قد قال إن الخلافة ينبغى أن تكون فى بنى هاشم، إذ هو هاشمى. فقوله بقرشية الخلافة معناه أنه لا يرى توارثها فى بنى هاشم، وهو موقف تقدمى عظيم لو عقلنا مرامى الكلام. ولقد اتهمه نصر أبو زيد أنه كان ضالعا مع العلويين، وذلك حين أراد أن يتخلص من المأزق الذى أوقعه فيه جهله فذكر عمالته للأمويين. فقوله رغم هذا إن الخلافة قرشية لا هاشمية ولا علوية معناه أنه كان فقيها عظيما لا تتدخل العصبيات القبلية فى أحكامه الفقهية. وهذا مثل قيام الجامعة العربية فى القاهرة دون بقية العواصم العربية. وإذا كان الأمر قد شذ فانتقلت الجامعة إلى تونس أثناء مقاطعة العرب لمصر بسبب زيارة السادات لإسرائيل وعقده معها صلحا فالمعروف أنه ما إن انتهت تلك المقاطعة بعد وفاة السادات حتى عادت الجامعة إلى مستقرها فى القاهرة. وحين كان الإعلام المصرى فى المقدمة كان العرب لا يعدلون بالإعلام المصرى أى إعلام آخر، أما بعدما تفوقت قناة "الجزيرة" عليه فقد انتقل العرب، ومعهم المصريون أيضا، إلى متابعة تلك القناة. وهكذا الحال مع قرشية الخلافة، إذ انتقلت الخلافة بعد هذا إلى الأتراك حين تخلى العرب، قرشيين وغير قرشيين، عن واجبهم نحو الإسلام. وقد درج المسلمون منذ عشرات السنين على المناداة باسم صلاح الدين الكردى دون أى قرشى، بَلْهَ دون أى عربى، يتمنَّوْنَ لو عاد فخلصهم من الهوان الذى هم فيه. والآن يعلقون آمالهم بأردوغان التركى، إذ نظروا حولهم فوجدوا جميع الزعماء العرب منبطحين أذلاء، فرَجَوْا أن يكون أحسن منهم، وانتظروا حصول الخير على يديه.