وكفي بها شهادة على حرصه رضي الله عنه على العلم والتحصيل وبهذا نرى النبي صلى الله عليه وسلم، يشجع أبا هريرة على العلم
كما شجع غيره من الصحابة الذين أنس منهم الفطنة والرغبة والاستعداد لذلك، كأنس بن مالك، وابن عباس، وغيرهما.

وقد دعا لأبي هريرة بالحفظ وعدم النسيان، حيث أمن على دعائه بذلك. فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: فإني بينما أنا جالس وأبو هريرة، وفلان في المسجد ذات يوم ندعوا الله ونذكره، إذ خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم، حتى جلس إلينا، فسكتنا، فقال: عودوا للذي كنتم فيه، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعائنا ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم إني أسألك ما سألك صاحباي، وأسألك علماً لا ينسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آمين" فقلنا: يا رسول الله، ونحن نسأل الله علماً لا ينسى، فقال: "سبقكما بها الدوسي".(1)
وكان هذا يمثل اهتماماً منه صلى الله عليه وسلم بأداء ما كان يحمله من العلم والهدي إلى من كانوا أكثر استعداداً للتلقي
والحفظ من شباب الصحابة رضي الله عنهم، كل حسب استعداده وما هو ميسر له.
4- أسئلته للنبي صلى الله عليه وسلم: إذا كانت الأسئلة كما قيل: مفاتيح العلم، فإن أبا هريرة كان من المكثرين لها الجريئين عليها
إذ كان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عما يرى أنه محتاج للسؤال، طلباً للعلم،
___________________
(1) الحاكم: المستدرك 3/508.


واستزادة للمعرفة من نبعها الصافي، ومصدرها الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك سؤاله عن أسعد الناس بشفاعته صلى الله عليه وسلم، يوم القيامة، بقوله: يا نبي الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: "لقد ظننت أن لا يسألني عن الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصة من قبل نفسه".(1)
وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان أبو هريرة جريئاً على النبي صلى الله عليه وسلم، يسأله عن أشياء لا نسأله عنها.
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رجل لابن عمر: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عمر: أعيذك بالله أن تكون في شك مما يجئ به، ولكنه اجترأ وجبنا. (2)

5 روايته عن كثير من الصحابة رضي الله عنهم: ثبتت الرواية لأبي هريرة رضي الله عنه عن كثير من الصحابة رضي الله عنهم، كأبي بكر، وعمر، والفضل ابن العباس، وأبي بن كعب، وأسامة بن زيد، وعائشة، وسهل بن سعد الساعدي، ونضرة بن أبي نضرة وغيرهم.
إلى جانب ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، وكان يروي أحياناً عمن هو أقل منه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى عن سهل سعد الساعدي رضي الله عنه أن قال: قال رســول الله
_______________
(1) أحمد: المسند17/35-36، والبخاري بفتح الباري 1/193، واللفظ لأحمد.
(2) الحاكم: المستدرك 3/510، وحذيفة: هو ابن اليمان رضي الله عنه وقوله: جبنا، أي هبنا سؤال النبي صلى الله عليه وسلم.

صلى الله عليه وسلم: "لا يشهرن أحدكم على أخيه السيف لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من حفر النار".
قال أبو هريرة: سمعته من سهل بن سعد الساعدي سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1)
وقد أسهم ما رواه عن الصحابة رضي الله عنهم في زيادة عدد ما روي عنه من روايات، الأمر الذي جهله أو تجاهله من استكثر على أبي هريرة ما روى من روايات.
6 تأخر وفاته وحاجةالناس إلى علمه، وكثرة الرواة عنه: كان أبو هريرة رضي الله عنه من القلائل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين امتد بهم العمر إلى ما بعد سنة خمسين من الهجرة، واحتاج الناس إلى علمهم والرجوع إليهم فيما أشكل عليهم من أمور، ولما كان من أكثر الصحابة حفظاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجمعاً له، واستعداداً لبذله، كان حرياً أن يقبل عليه طلاب العلم وعشاق المعرفة، وحماة الدين من صحابة وتابعين رضي الله عنهم، حيث روى عنه نحو ثمانية وعشرين من كبار الصحابة وصغارهم، كزيد بن ثابت، وأبي أيوب الأنصاري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعائشة، وغيرهم رضي الله عنهم، كما روى عنه وتتلمذ عليه مئات من التابعين، رضي الله عنهم.
_________________
(1) الحاكم: المستدرك 3/512-513.