لقد حوَّل ماركس الكينونة اليهودية إلى وظيفة، ومن ثم يمكننا الحديث عن "التاجر" و"اليهودي" باعتباره «الإنسان الوظيفي». والسمات الأساسية لهذا التاجر/اليهودي/الوظيفي هي أنه إنسان مجرد، يوجد خارج إطار العلاقات الأولية المُتعيِّنة، ويدخل في علاقة تعاقدية محايدة وباردة مع أعضاء المجتمع، وتم تعريفه في إطار وظيفته أو دوره الوظيفي لا في إطار إنسانيته المُتعيِّنة، أي أنه إنسان ذو بُعد واحد، مُتشيِّئ، مُتسلِّع، لا قداسة له، يدور في إطار المرجعية النهائية المادية وفي إطار نموذج الطبيعة/المادة (وهذه هي السمات الأساسية لعضو الجماعة الوظيفية). ومن ثم، فإن تهويد المجتمع يعني في واقع الأمر تحويل كل أعضاء المجتمع إلى مادة بشرية تُوظَّف وتحوسل، وتعني سيادة النظم المعرفية والاقتصادية البورجوازية إحلال المجتمع التعاقـدي الذري المُفتَّت المبني على الأنانية (جيسيلشـافت) محل المجتمع العضوي المترابط التقليدي (جماينشافت).
وقد قام ماركس بعملية التعميم الكاسحة هذه وهو واع لها تمام الوعي، ولذا فهو كان يتحدث عن «تهويد المجتمع» باعتباره مجازاً كاشفاً، وليس باعتباره حقيقة إمبريقية. فماركس لم يكن يُفكر في اليهودي وإنما في الإنسان الوظيفي، أي الإنسان الذي يتوحَّد تماماً مع وظيفته ويفقد إنسانيته وينظر للآخرين باعتبارهم وظيفة (مصدر ربح - مصدر متعة) فيفقدهم إنسانيتهم المركبة.
وماركس لا يختلف كثيراً عن كثير من المفكرين الاشتراكيين أو علماء الاجتماع الغربي. فألفونس توسينيل يُحذِّر قُراءه من أنه يستخدم كلمة «يهودي» لا بمعناها الشائع وإنما بمعنى «مصرفي» أو «مراب» أو «تاجر». ومن قبله تحدَّث شكسبير عن تاجر البندقية وهو يعني في واقع الأمر "يهودي البندقية". ويتحدثون في أدبيات علم الاجتماع الغربي عن الصينيين باعتبارهم "يهود جنوب شرق آسيا" واللبنانيين باعتبارهم "يهود أفريقيا"، وهكذا. كما يشيرون إلى "المهن والحرف اليهودية"، أي المهن والحرف التي عادةً ما يقوم بها أعضاء الجماعات اليهودية. وكل هذه الاستخدامات تبيِّن أن المعنيَّ هو «الإنسان الوظيفي» وليس «اليهودي»، ولكن يُطلَق عليه «اليهودي» من باب إطلاق الجزء على الكل.




رد مع اقتباس
المفضلات