--------------------------------
1 سورة الأحزاب، الآية 33.
ص -112- ذلك النجم؛ فهذا لا يصل إلى الشرك الأكبر، ويكون من الشرك الأصغر؛ لأنه يحرم المطر إلى النجم، ولو على سبيل المجاز؛ سدًا للذريعة.
وقد روى البخاري ومسلم عن بن خالد - رضي الله عنه؛ قال: "صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلمصلاة الصبح بالجديبة على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف؛ أقبل على
الناس، فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال أصبح عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب".
فقوله صلى الله عليه وسلم : "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر"، وفسر المؤمن بأنه الذي ينسب المطر إلى فضل الله ورحمته، وفسر الكافر بأنه الذي ينسب المطر إلى الكوكب، وهذا فيه دلي على أنه لا تجوز نسبة أفعال الله إلى غيره، وأن ذلك كفر، فإن اعتقد أن للكواكب تأثيرًا في إنزال المطر؛ فقد كفر أكبر؛ لأنه إشراك في الربوبية، والمشرك كافر، وإن لم يعتقد أن للكواكب تأثيرًا في إنزال المطر، وإنما نسبه إليها مجازًا؛ فهذا محرم، وهو من الشرك الأصغر؛ لأنه نسب نعمة الله إلى غيره.
قال القرطبي - رحمه الله -: "وكانت العرب إذا نجم من المشرق، وسقط آخر من المغرب، فحدث عند ذلك مطر أو ريح؛ فمنهم من ينسبه إلى الطالع ومنهم من ينسبه إلى الغارب نسبة إيجاد واختراع، ويطلقون ذلك القول المذكور في الحديث؛ فنهى الشارع عن إطلاق ذلك؛ لئلا"يعتقد أحد اعتقادهم ولا يتشبه بهم في نطقهم ..." انتهى.
وقد روى مسلم في "صحيحه" في سبب نزول قوله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ....} الآيات (الواقعة: 75 - 82) عن ابن عباس - رضي الله
ص -113- عنهما-: "قال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآيات {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ...} إلى قوله: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}".
فإنزال المطر من الله، وبحوله وقوته، لا دخل لمخلوق فيه؛ كما     : {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ}1، فمن نسب إنزال المطر إلى الكواكب، أو إلى الظواهر الطبيعية؛ كالانخفاض الجوي أو المناخ؛ فقد كذب وافترى، وهذا شرك أكبر، وإن كان يعتقد أن
المنزل هو الله، ولكن نسبه إلى هذه الأشياء من باب المجاز؛ فهذا حرام وكفر أصغر؛ لأنه نسب النعمة إلى غير الله؛ كالذي يقول مطرنا بنوء كذا وكذا. ما أكثر التساهل في هذا الأمر على ألسنة بعض الصحفيين أو الإعلاميين؛ فيجب على المسلم أن ينتبه لهذا، والله الموفق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
9- نسبة النعم إلى غير الله:
سبق الكلام عن حكم نسبة المطر إلى الأنواء والاستسقاء بها، والكلام الآن في حكم نسبة النعم عموما إلى غير الله.
إن الاعتراف بفضل الله وإنعامه والقيام بشكره من صميم العقيدة؛ لأن من نسب النعمة إلى غير موليها، وهو الله - سبحانه؛ فقد كفرها، وأشرك بالله بنسبتها إلى غيره.
    : {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ}2.
قال بعض المفسرين: "يعرفون أن النعم من عند الله، وأن الله هو المنعم عليهم بذلك، ولكنهم ينكرون ذلك؛ فيزعمون أنهم ورثوها عن آبائهم


--------------------------------
1 سورة الواقعة، الآيتان 68 ـ 69.
2 سورة النحل، الآية 83.

ص -114- بعضهم: لولا فلان؛ لم يكن كذا وكذا، وبعضهم يقول: هذا بشفاعة آلهتنا".
وهكذا كل ينسب النعمة إلى من يعظمه من الآباء والآلهة والأشخاص، متناسين مصدرها الصحيح، والمنعم بها على
الحقيقة، وهو الله - سبحانه - .
كما أن بعضهم ينسب نعمة السير في البحر والسلامة من خطره إلى الريح وحذق الملاح، فيقول: كانت الريح طيبة والملاح حاذقا.
ومثله اليوم ما يجري على ألسنة الكثير من نسبة حصول النعم واندفاع النقم إلى مجهود الحكومات والأفراد أو تقدم العلم التجريبي؛ فيقولون مثلاً: تقدم الطب تغلب على الأمراض أو قضى عليها، والمجهودات الفلانية تقضي على الفقر والجهل... وما أشبه ذلك من الألفاظ التي يجب على المسلم أن يبتعد عنها ويتحفظ منها غاية التحفظ، وأن ينسب النعم إلى الله وحده، ويشكره عليها، وما يجري على يد بعض المخلوقين أفراداًأو جماعات من المجهودات إنما هي أسباب قد تثمر وقد لا تثمر، وهم يشكرون على قدر ما بذلوه، ولكن؛ لا يجوز نسبة حصول النتائج إلا إلى الله - سبحانه -.
وقد ذكر الله في كتابه الكريم عن أقوام أنكروا نعمة الله عليهم، ونسبوا ما حصلوا عليه من المال والنعمة إلى غير الله؛ إما إلى كونهم يستحقونها، أو إلى خبرتهم ومعرفتهم ومهارتهم:
    : عن الإنسان:{وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ}1؛ فقوله:{هَذَا لِي}؛ أي: حصلت على هذا بعلمي، وأنا محقوق به، لا أنه تفضل من الله ونعمه، ليس بحول العبد ولا بقوته.


--------------------------------
1
صورة فصلت، الآية 50.

ص -115- و    : عن قارون الذي آتاه الله الكنوز العظيمة فبغى قومه، وقد وعظه الناصحون وأمروه بالاعتراف بنعمة الله والقيام بشكرها، فكابر عند ذلك وقال:{إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}1؛ أي: حصلت على هذه الكنوز بسبب حذقي ومعرفتي بوجوه المكاسب، لا أنها تفضل من الله - تعالى؛ فكانت عاقبته من أسوأ العواقب وعقوبته من أشد العقوبات؛ حيث خسف الله به وبداره الأرض لما جحد نعمة الله ونسبها إلى غيره، وأنه حصل عليها بحوله وقوته.
وما أحرى هؤلاء الذين اغتروا ف زماننا بما توصلوا إليه من مخترعات وقدرات أقدرهم عليه امتحانا لهم، فلم يشكروا نعمة الله، وصاروا يتشدقون ويتفاخرون بحولهم وقوتهم وبغوا في الأرض بغير الحق، وتطاولوا على عباد الله؛ ما أحراهم بالعقوبة!
فقد اغترت قبلهم عاد بقوتها؛ كما قال الله تعالى عنهم: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَفَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ}2.
وهاكم قصة قصها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جماعة ممَّن كان قبلنا، ابتلاهم الله فأنعم عليهم؛ فمنهم من جحد نعمة الله ونسب ما حصل عليه من المال إلى وراثته عن آبائه؛ فسخط الله عليه، ومنهم من اعترف بفضل الله وشكر نعمة الله؛ فرضي الله عنه.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص أقرع أعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا: