وشهد عصر الإصلاح الديني، في القرن السادس عشر، كسر الاحتكار الديني الكاثوليكي وتزايد التعددية. وبشكل عام، يُلاحَظ أن البروتستانتية، بتأكيدها أن الخلاص يتم خارج الكنيسة، تؤكد على أهمية الكتاب المقدَّس الذي يضم العهد القديم، الأمر الذي يعني نظرياً تزايد التعاطف مع اليهود، أهل هذا الكتاب وحَمَلته. ومع هذا، يُلاحَظ أن البروتستانتية اللوثرية اتجهت اتجاهاً معادياً لليهود (على عكس الكالفنية). وفي محاولة تفسير ذلك، يُقال إن الكالفنية أكدت المسئولية الشخصية للمؤمن، وذهبت إلى أن ثمرة الفعل الاجتماعي (الثروة مثلاً) قد لا تكون هي سبيل الخلاص، ولكنها تشكل قرينة مهمة عليه.وهذا،على عكس اللوثرية التي أكدت أن الخلاص من خلال الإيمان،الأمر الذي كان يعني رفض المسئولية المدنية أو الخلاص من خلال الأعمال.ومن ثم،فهناك استعداد عند أتباع كالفن لتقبُّل اليهود والحكم عليهم،لا من خلال ما يؤمنون به وإنما من خلال أفعالهم وثروتهم.فهم كعناصر تجارية نشطة،يحققون الشروط اللازمة لتقبلهم،على عكس اللوثريين الذين يركزون على الدوافع.وقد لعب اليهود المتنصرون في هذه الفترة دوراً كبيراً في بلورة الأطروحات الغربية الأساسية المتصلة باليهود واليهودية،كما ساهمو في صياغة صورة اليهودي في الوجدان الغربي.ومن أهم الشخصيات يوحانيس فيفركورن الذي دخل معركة فكرية كبرى شغلت أوربا بعض الوقت مع يوحانان ريوشلين.

ويُلاحَظ أن هذه الفترة شهدت بداية العقيدة الألفية أو الاسترجاعية التي تتحدث عن رؤية الخلاص وعودة المسيح، وهي رؤية ترتبط بعودة اليهود إلى أرض الميعاد. ومن ثم، تظهر صورة اليهودي كعنصر لا جذور له يمكن نقله من مكان إلى مكان. وهذه الصورة هي الصياغة البروتستانتية لفكرة الشعب الشاهد الكاثوليكية والتي تحولت فيما بعد إلى صورة الشعب العضوي المنبوذ، ويظهر اليهود كعنصر استيطاني وكجواسيس يمكن نقلهم وتحريكهم والاستفادة منهم، وهي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة.

كما شهدت هذه الفترة ظهور الجيتوات في إيطاليا وفي بعض مدن وسط أوربا، الأمر الذي كان يعني تراجُع أعضاء الجماعات اليهودية وانكماش دورهم في المجتمع. ولكن هذه الفترة شهدت أيضاً بداية ظهور يهود الأرندا في بولندا واضطلاع اليهود فيها بدور مهم في الاقتصاد التجاري. وقد حصل اليهود على العديد من المزايا التي جعلت مستواهم المعيشـي يفوق كثيراً مسـتوى الأقنان وأعضاء الطبقة الوسطى البولندية، بل وصغار النبلاء. وفي عام 1648، اندلعت ثورة شميلنكي، وهي ثورة شعبية فلاحية شاملة ضد الحكم الإقطاعي البولندي الكاثوليكي الذي كان يمثله العنصر التجاري الوسيط اليهودي في وسط فلاحي أوكراني أرثوذكسي، فكان هذا الوضع وضعاً تاريخياً يتسم بالتلاقي الكامل بين العداء الطبقي من جهة والعزلة الاجتماعية والثقافية والدينية والعرْقية من جهة أخرى، وهو الوضع الأمثل للانفجارات العنصرية. وقد اكتسحت الثورة في طريقها الجيوب البولندية واليهودية. وفي الأدبيات الصهيونية، يُقرَن شميلنكي بهتلر، مع أن الأول زعيم ثورة شعبية فلاحية له تمثال في كييف باعتباره قائداً للثورة، والآخر زعيم نظام شمولي قام بعملية إمبريالية عنصرية.

وفي القرن السابع عشر، ظهر يهود البلاط في وسط أوربا، وفي غربها بدرجة أقل، حيث قدموا الخدمات التجارية والمالية للدول التي ينتمون إليها وحصلوا على مزايا عديدة، كما قاموا بحماية أعضاء الجماعات اليهودية. وبدأ استيطان اليهود السفارد في هولندا وفي بعض المدن في كلٍّ من فرنسا ووسط أوربا. وكان هؤلاء يتمتعون بحقوق ومزايا لا يتمتع بها كثير من أعضاء الطبقات الأخرى، كما أنهم كانوا يتحدثون باسم أعضاء الجماعة اليهودية لدى الحاكم ويقومون بدور الوسيط بينه وبين الجماعة، وبعملية المقايضة معه بحيث يحصل أعضاء الجماعة على المزيد من المزايا نظير تقديم المزيد من الخدمات، أو تثبيت ما حصلوا عليه من مواثيق نظير الاستمرار في الاضطلاع بدورهم. ويمكن القول بأنه، مع ظهور يهود البلاط ويهود الأرندا، واستيطان السفارد في أوربا، تنتهي العصور الوسطى ويبدأ العصر الحديث بكل مظاهره الجديدة.

أما وضع اليهود في العالم الإسلامي، فلا يمكن القول كما يدَّعي البعض بأنه كان عصراً ذهبياً واحداً طويلاً، وإن كان من الممكن أن نقول إن العالم الإسلامي لم تظهر فيه نظرة شاملة تضع اليهودي في مركز أحداث الخلاص باعتباره « الشيطان قاتل الرب ». كما أن العالم الإسلامي يتسم بوجود عدد هائل من الأقليات العرْقية والإثنية التي تفرض عليه قبول التعددية (وهي تعددية اعترف بها الإسلام وقننها في مفهوم أهل الذمة الذي حدد لأعضاء الأقليات مكانهم وواجباتهم وحقوقهم). كما أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يتحولوا جميعاً إلى جماعات وظيفية وسيطة بل كانوا ممثَّلين في معظم النشاطات الاقتصادية والمهيمنة، فكان منهم الأطباء والوزراء والمترجمون والتجار والحرفيون. وحتى حينما اضطلعوا أحياناً ببعض وظائف الجماعة الوظيفية الوسيطة واكتسبوا خصائصها، فإن هذا الدور لم يكن مقصوراً عليهم إذ كانت هناك جماعات إثنية ودينية أخرى تشارك في نشاطهم الوظيفي، كما كان بين هؤلاء المسلمون. كما أن عدد الجماعات اليهودية في العالم العربي ظل صغيراً للغاية بالنسبة إلى عدد السكان. ولكل هذه العناصر المركبة، نجد أن عداء اليهود في العالم الإسلامي لم يكن بالحدة نفسها التي كان عليها في العالم الغربي الوسيط،كما أنه ظل في معظم الأحيان إمكاناً كامنـاً فـي نفـس بعـض أعضاء الأغلبية وداخل بعض القطاعات.

يوهانيــس فيفركــورن (1469-1521(
Johannes Pfefferkorn
ألماني يهودي مُتنصِّـر، ومن أشـهر المهيجين ضد الجماعات اليهودية. كان يعمل جزاراً وكان في الوقت نفسه متفقهاً في الدين اليهودي. يُقال إنه قُبض عليه بتهمة السرقة وأنه، بعد الإفراج عنه، تنصَّر هو وزوجته وأولاده في كولونيا عام 1504. كتب فيفركورن عدداً من الكتيبات المعادية لليهود: مرآة اليهود (الذي هاجم فيه تهمة الدم أيضاً) و الاعتراف اليهـودي وكتاب عيد الفصح و عدو اليهود. وقد نُشرت ترجمات لاتينية لكل هذه الأعمال فور نشرها. وقد طالب فيفركورن بحرق التلمود ومنع الربا وأن يعمل اليهود في الأعمال اليدوية الوضيعة وأن يُفرَض عليهم حضور المواعظ المسيحية وإلا طُردوا من المدن الألمانية التي يقيمون فيها.

وفي عام 1510، قام بعض المهيجين ضد الجماعة اليهودية في براندنبرج باتهام أعضاء الجماعة بتدنيس خبز القربان المقدَّس، كما وجهوا إليهم تهمة الدم. فشُكلت لجنة للتحقيق في الأمر برئاسة أسقف مينز الذي طلب المشورة من بعض كبار المفكرين الدينيين من بينهم يوحانان ريوشلين. وكان موقف ريوشلين لا يتفق مع موقف فيفركورن، فكتب هذا الأخير كتيباً بعنوان مرآة اليد يهاجم فيه ريوشلين الذي كتب رداً بعنوان مرآة العين. وبذلك بدأت واحدة من أكبر المعارك الدينية في عصر النهضة في الغرب. وكانت الحركة الإنسانية الهيومانية قد حققت قدراً كبيراً من الانتشار والإحساس بالقوة، فألقت بثقلها في صف ريوشلين. ومع أن إيرازموس لم يشترك في المعركة، إلا أنه وصف فيفركورن بأنه يهودي في غاية الإجرام أصـبح مسـيحياً في غاية الإجرام. ثم كتب فيفركورن موعظة ضد كتاب ريوشلين مرآة العين وضد الاتجاه الليبرالي المسيحي ككل. وقد استمرت المعركة بعض الوقت إلى أن أصـدر الإمـبراطور أمراً للطرفين بالتزام الصمت. وفي عام 1514، أصدرت محكمة بابوية قراراً يؤيد ريوشلين، فرفضه فيفركورن ونشر كتاباً آخر بعنوان جرس الإنذار. واستمرت المعركة بعض الوقت ولكنها تركت أثراً عميقاً في الكثيرين. وليس من قبيل الصدفة أن يعلن لوثر أطروحاته عام 1517 إبان الجدل الذي دار بين ريوشلين وفيفركورن.

والحقيقة أن ظهور فيفركورن وشيوع كتاباته هو مؤشر على أن المسـألة اليهودية كانت قد بدأت تطرح نفسـها، وبحدة، على الوجدان الغربي، وذلك مع نهاية العصور الوسطى في الغرب ومع ظهور الدولة المركزية وبداية تراجع أهمية دور الجماعات اليهودية الوظيفية. ومما يجدر ذكره أن ريوشلين، الطرف الآخر في المعركة، كان يطالب هو الآخر بإصلاح اليهود، أي بإعادة تعريف دورهم بما يتناسب مع المرحلة الجديدة، وكان يرى وجوب طردهم إن لم يصلحوا حالهم. وهكذا، فإنه لا يوجد اختلاف كبير في الرؤية والمقدمات بين فيفركورن وريوشلين إذ أن الاختلاف ينصرف إلى طبيعة الحل المطروح وحسب.