الحركة الشعبوية الروسية (نارودنكي(
Narodnichestvo (Narodniki)
«الحركة الشعبوية الروسية» حركة ظهرت بين فئة المثقفين الروس فيالستينيات من القرن التاسع عشر وعُرفت باسم «نارود نيشيتفو»، وعُرف أتباعها باسم «النارودنيك» نسبة إلى «النارود» أو «الشعب العضـوي» (فولك) وسـنشير إليهم بمصطلح «الشعبويون الروس». وقد اشتد نشاط هذه الجماعة خلال السبعينيات ووصلت إلى ذروتهاحينما قام جناحها الإرهابي باغتيال ألكسندر الثاني، قيصر روسيا، عام 1881. وعبَّرتهذه الحركة عن نفسها بالدعوة إلى « العودة إلى الشعب » حيث كان الشعبويون يسعون إلىالاختلاط والاندماج مع الشعب الكادح والعمل على تثويره وخدمة الفلاحين في مطالبهمومصالحهم اليومية. وجمعت هذه الحركة بين الفكر الاشتراكي الغربي والفكر الماركسيومفاهيمه حول فائض القيمة ورفض الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج من جهة، ومن جهة أخرىالنزعة السلافية المشيحانية وإيمانها بالشعب الروسي، وخصوصاً جماهير الفلاحين،وبالفضائل الكامنة فيه. وفي حين كانت النزعة السلافية ترى أن سرَّ الحياة والحقيقةالدينية مستترة وكامنة في هذا الشعب، كان الشعبويون يؤمنون بأن الحقيقة الاجتماعيةكامنة فيه، وأن هذه الحقيقة محجوبة عن الطبقات الحـاكمة المثقـفة التي تقـومحيـاتها وثقافتها على استغلال عمل الشعب، وبالتالي فيجب على فئة الإنتليجنسيا (المثقفين) التي انفصلت عن الشعب، الذي يعيش ملتصقاً بالأرض، أن تعود إلى الشعبوإلى الأرض. كما آمن الشعبويون بطريق خاص لتطوُّر روسيا وأن بإمكانها الإفلات منمرحلة الرأسمالية البورجوازية وفظائعها والانتقال مباشرة إلى الاشتراكية الحديثة،خصوصاً أن حياة الفلاح تدور حول «الكوميون» أو القرية المشاعية التي مجَّدهاالشعبويون مثلما مجَّدها قبلهم أنصار النزعة السلافية واعتبروها نتاجاً أصيلاًللتاريخ الروسي، والنمط المثالي أو الأعلى الذي يجب أن يحتذيه المجتمع بأسره فيعمليات الإنتاج والتوزيع.

وانضم كثير من أعضاء الجماعات اليهودية منالمثقفين إلى هذه الحركة، وكانوا من دعاة الاندماج الذين يؤمنون بأن حل المسألةاليهودية يأتي من خلال تحرير الجماهير الروسية أولاً، وبالتالي أعطوا أولوية للعملالثوري داخل الإطار الروسي على العمل من أجل حل مشاكل اليهود. كذلك اعتبروا أنالجماعة اليهودية في روسيا في أغلبها طبقة بورجوازية من التجار والحرفيينالمستغلين. وأكد بانيل أكسيلرود (1850 ـ 1928) ـ وهو من أهم المثقفين الروس اليهودمن الشعبويين، إيمانه بأن المسألة اليهودية لن تُحَل إلا بتحرير الجماهير الروسية. ومن هذا المنطلق، شارك الثوريون اليهود الشباب الروسي في حركة «الذهاب إلى الشعبالروسي» والعمل الدعائي والتنويري بين جماهير الفلاحين. وكما قال أحد الثورييناليهود آنذاك: « نحن شعبويون روس، والفلاحون هم إخواننا الطبيعيون ». ولكي يكسبواثقة الفلاحين، قام الشعبويون من اليهود وغير اليهود بتعلُّم الزراعة والحرف والتعرفعلى التقاليد الشعبية للفلاحين وأسلوب حديثهم وارتدوا ملابسهم. بل ذهب بعض اليهودإلى أبعد من ذلك حيث اعتنق بعضهم المسيحية الأرثوذكسية (وذلك رغم أن فلسفة الحركةالشعبوية كانت فلسفة إلحادية ووضعية) حتى يوجدوا رابطة روحية بينهم وبين الفلاحينالمتدينين، فالمسيحية الأرثوذكسية بالنسبة للشعبويين الروس كانت جزءاً من الفلكلورأو الميراث الثقافي الشعبي الروسي. ومن أبرز الشعبويين الروس اليهود جوزيف أبتكمانالذي اعتنق المسيحية، وكذلك ليف ديتش اليهودي المتروِّس الذي ارتدى ثياب الفلاحينوعمل بينهم في القرى الروسية.

ولكن جهود الشعبويين لم تنجح في نهاية الأمر،فهم من ناحية تعرضوا للمطاردة والاعتقال والمحاكمات السياسية من قبَل السلطات. ومنناحية أخرى، لم تتجاوب معهم جماهير الفلاحين التي وجدت أفكار المثقفين القادمين منالمدن غريبة عليهم، كما كان افتقار الشعبويين إلى الدين من دواعي نفور الشعب الروسيالمتدين منهم، والذي قام أفراده أنفسهم بتسليمهم إلى أيدي السلطات.

وتُعَدُّ سيرة حياة أكسيلرود وتأرجُحه بين الحلول الشعبوية والثورية من جهةوالحل الصهيوني من جهة أخرى نمطاً متكرراً بين كثير من المثقفين الروس اليهودالثوريين. وأكسيلرود هو أحد مؤسسي الحزب الاشتراكي الروسي، وُلد في إقليم شيرنيجونوعاش طفولته في فقر شديد. وقد بدأ أكسيلرود نشاطه الثوري عام 1872 حينما كان طالباًفي كييف، وانضم للحركة الشعبوية الروسية. ولكنه اضطر تحت وطأة الاضطهاد القيصري إلىالفرار عام 1874 إلى الخارج حيث عاش لفترة في برلين درس خلالها الحركة الاشتراكيةالألمانية، ثم استقر في جنيف حيث واصل نشاطه الثوري. وكان على اتصال وثيق بمنظمة «الأرض والحرية» وقام بتحرير جريدتها. وقد تكونت هذه المنظمة السرية عام 1876 كردفعل للمطاردة الحكومية.

وعلى صعيد العمل السياسي، اختلف الشعبويون فيمابينهم، إذ اجتمعت آراء الجناح المعتدل على أهمية العمل التنويري والدعائي بينجماهير الفلاحين من أجل تقويض النظام القيصري وفرض نظام ديموقراطي. ولكنهم اختلفواحول كيفية تنفيذ ذلك المخطط، فآمن الفوضوي باكونين بأنه يكفي تحريض الشعب علىالثورة دون أن تسبق ذلك مرحلة تعليم للشعب، وأن قوة الانتفاضات الفلاحية ستنتج عنهاتحولات سياسية. أما لافروف، فكان يرى ضرورة تنوير الشعب وتعليم جماهير الفلاحينأولاً على أن تَعقُب ذلك الإصلاحات السياسية والثورة.

أما الجناحالراديكالي، فدعا إلى الإطاحة بالنظام القيصري بالقوة واستيلاء أقلية ثورية علىالسلطة تفرض سلطانها على جماهير الشعب وتقوم بتعليمه وتنويره إلى أن يصل إلى مرحلةكافية من الثقافة والتعليم تسمح له بالمشاركة في الحكم.

وبعد أن أخفقت حركةالمثقفين المتجهة صوب الشعب وتبددت أوهام الشعبويين الروس في الفلاحين، بدأت عودتهمإلى المدن. ومن هنا، بدأ التحول من النشاط السلمي إلى العنف والإرهاب. وقد عمَّقهذا التطور الخلافات بين الجناح المعتدل والجناح الراديكالي داخل الحركة وانتهىبانشقاقها عام 1879 حيث اتجه المعتدلون بقيادة أكسيلرود (الذي عارض اللجوء إلىالعنف) وبليخانوف إلى تأسيس منظمة كانت تهـدف إلى توزيع أراضـي النبلاء علىالفلاحـين. أما الجنـاح الراديكالي، فاتجه إلى تأسيس منظمة «إرادة الشعب» التي كانتتهدف إلى حل المشكلة السياسية بالقضاء على الملكية المطلقة والاستيلاء على السلطةبأقلية ثورية (عن طريق الإرهاب)، وقامت بتنفيذ سلسلة من الاغتيالات السياسية انتهتباغتيال ألكسندر الثاني في مارس 1881.
ولعب الشعبويون اليهود دوراً نشيطاًفي هذه المرحلة أيضاً، خصوصاً في المجال التنظيمي والإداري، حيث ساهموا في تأسيسالحلقات الثورية وتوزيع المنشورات والمطبوعات السرية وتنفيذ عمليات الاغتيال. وكانمن بينهم أعرون جوبيت الذي أُعدم عام 1879 بتهمة محاولة اغتيال ألكسندر الثاني،ومارك نيثانسون وأهارون زوندبليفيتش اللذان شاركا في تأسيس منظمة «الأرض والحرية»،وقد كان زوندبليفيتش عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة «إرادة الشعب». وكان من بينطلبة المعهد الحاخامي في فيلنو أولئك الذين انضموا إلى الحركة مثل أهرون ليبرمانوفلاديمير أيوخيلسون (وكان من دعاة استخدام الإرهاب كسلاح سياسي، وشارك في تنفيذعمليتين إرهابيتين). كذلك شارك جريجوري جولدنبرج الذي كان عضواً في «إرادة الشعب» في العمليات الإرهابية ومات منتحراً عام 1880 بعد اعتقاله وبعد أن اعترف على رفاقه. أما هيسي هيلفمان، فأُدينت بالاشتراك في اغتيال ألكسندر الثاني عام 1881 وتوفيت فيالسجن.

وأعقب اغتيال ألكسندر الثاني عملية قمع واسعة للحركة أسرعت بأفولهاوتمزُّقها. ومع ذلك، نجد أن كثيراً من ملامح الحركة الشعبوية الروسية وجدت طريقهاإلى المنظمات اليهودية ذات النزعة القومية أو الصهيونية والتي بدأت تتشكل في تلكالفترة، وذلك في أعقاب ما شهدته أعوام 1881 - 1883 من تزايُد الاضطهاد والهجمات ضدالجماعات اليهودية نتيجة تعثُّر التحديث في روسيا (وهو ما أصاب جميع الأقلياتأيضاً)، وقد آمنت هذه المنظمات ومن أهمها جمعيات أحباء صهيون بالنارود، أى الشعبالعضوي الكادح، ولكنه في هذه الحالة، في تصوُّرهم، هو « الشعب اليهودي » فدعت إلىضرورة الذهاب إلى هذا الشعب اليهودي، كما نادت بالعودة إلى الأرض (أي فلسطين) والعمل الزراعي والمشاعية.

ويُعتبَر الحزب الاشتراكي الثوري، الذي تأسَّسعام 1901، وريث الحركة الشعبوية وحزب «إرادة الشعب» الذي ساهم في تأسيسه حاييمجيتلويسكي. وقد حدثت تطورات في فكر أكسيلرود حيث وجد نفسه منجذباً نحو أفكار حركةأحباء صهيون ونحو ضرورة دعوة الشباب والمثقفين اليهود إلى " الذهاب إلى الشعبالعضوي " (اليهودي) والعمل بين الجماهير اليهودية. وفي أوائل عام 1882، بدأ فيتحضير منشور حمل عنوان "حول مهام الشباب اليهودي الاشتراكي" أعرب فيه عن تبدُّدأوهام الشباب الثوري اليهودي تجاه موقف الحركة الثورية الروسية بالنسبة لمشاكلالجماعة اليهودية في روسيا (وكان بعض زعماء الحركة قد أيَّدوا الهجمات ضد اليهود)،وأكد أن هذه الجماعة تشكل «أمة» وأنها تواجه كراهية قطاع واسع من الجماهير المسيحيةبغض النظر عن الانتماءات الطبقية لأعضاء الجماعة. ولكنه فسَّر هذه الكراهية في ضوءالوضع الاجتماعي والاقتصادي الخاص بالجماعة اليهودية في روسيا والذي تكَّون داخلسياق تاريخي معيَّن، حيث يشتغل قطاع واسع من أعضاء الجماعة في الأعمال الوسيطة غيرالمنتجة التي تنطوي على قدر كبير من استغلال الجماهير الروسية. وقد رأى أكسيلرودصعوبة تحـولهم إلى قطاعات منتجـة في ظل الأوضاع التي كانت قائمةً في روسيا، كذلكرأى صعوبة اندماجهم بين الجماهير الروسية الريفية أو العمالية التي اعتبرها أكثرتخلُّفاً من الناحية الثقافية بالمقارنة باليهود. ومن ثم، شجَّع فكرة الهجرة إلىالخارج سواء إلى الولايات المتحدة حيث يمكنهم التحول إلى طبقة منتجة، أو الانصهارمع السكان المحليين، أو الهجرة إلى فلسطين التي يمكن أن تكون « بفضل الميراثالتاريخي، وطن اليهود الحقيقي ودولتهم الصغيرة الخاصة بهم ». وهنا نلاحظ ميلادالصهيونية الاشتراكية (على طريقة بوروخوف) من رحم الأفكار الشعبوية والثوريةالروسية، تماماً كما وُلدت الصهيونية التنقيحية من رحم الفاشية الأوربية،والصهيونية الدبلوماسية من رحم الليبرالية الغربية، وكما وُلدت مدارس الصهيونيةكلها من رحم الإمبريالية الغربية والاستعمار الاستيطاني الغربي. وواجهت آراءأكسيلرود هذه معارضة شديدة من رفاقه ومن بينهم رفاقه اليهود، وخصوصاً ليف رايتشالذي أكد أولوية العمل الثوري الاشتراكي على أية اعتبارات إثنية أو قومية أخرى،ونجح في إقناع أكسيلرود بالعدول عن موقفه، والذي حسم أمره في نهاية الأمر لصالحالاتجاه الثوري الاندماجي وتحوَّل تماماً إلى الماركسية وأصبح من المعارضين لكل منحزب البوند والصهيونية.

وفي عام 1883، شارك أكسيلرود في تأسيس حركة تحريرالعمل التي تحوَّلت بعد ذلك إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي الروسي، وشارك فيتحرير جريدة الحزب (إيسكرا). وبعد انشقاق الحزب عام 1903، انضم أكسيلرود إلىالمناشفة وأصبح أحد زعمائهم، وعاد إلى روسيا عقب ثورة فبراير عام 1917. وبعد قيامالثورة البلشفية، اعتزل أكسيلرود العمل السياسي واستقر في برلين حيث ظل معارضاًللنظام البلشفي واتهمه بأن «ديكتاتورية البروليتاريا» التي زعم أنه أقامها ما هيإلا ديكتاتورية مفروضة على البروليتاريا. وقد أصدر عدداً من الأعمال حول الفكرالاشتراكي الديموقراطي إلى جانب مذكراته التي صدرت عام 1922 تحت عنوان حياتيوأفكاري.