العثمانيـــون
The Ottomans
انظر: «الدولة العثمانية».
المســـألة الشـــرقية ورجــــلأوربـــا المريـــض
The Eastern Question and the Sick Man of Europe
«المسألة الشرقية» ترجمة للعبارة الإنجليزية «إيسترن كويستشن Eastern Question» وهي مصطلح غربي إمبريالي يُجسِّد وجهة النظر الغربية تجاه الدولة العثمانية (التيكان يشار إليها أيضاً باعتبارها «رجل أوربا المريض»)، والمصطلح يحدد النطاق الدلاليومحيط الرؤية بشكل مدهش:
1 ـ فالدولة العثمانية عبارة عن مسألة ومشكلةتستدعي الحل، وهذا هو الإجماع الغربي.
2 ـ والدولة العثمانية رجل مريض، وهوما يعني أن هناك تركة لابد من تقسيمها وأنه يمكن توظيف هذا الرجل المريض العاجزلصالح من يملك زمام الأمور.
3 ـ يخبئ المصطلح المشروع الإمبريالي الغربي أوما نسميه «رجل أوربا النهم» الذي كان قد التهم معظم أنحاء العالم بعد أن انفتحتشهيته في أعقاب اندلاع نيران الثورة الصناعية الرأسمالية (والإنتاجية الاستهلاكية).
4 ـ يخبئ المصطلح أيضاً احتمالات الإصلاح من الداخل كما حدث مع محمد عليالذي كان بإمكانه إجراء عملية جراحية لرجل أوربا المريض لشفائه أو لتقسيمه علىورثته الحقيقيين،أي شعوب المنطقة.
5 ـ لا يبين المصطلح أن رجل أوربا النهمقد اكتشف أن مصيره (أو على الأقل امتلاء معدته التي لا قرار لها) يتوقف على مدى ضعفالرجل المريض ونهايته.
ويمكن تقسيم علاقة الرجل المريض بالرجل النهم إلىعدة مراحل، وما يهمنا هو أواخر المرحلة الأولى حينما وصلت القوات العثمانية إلىفيينا عام 1529. ثم وقعت معركة لبانتو (1571) بين الأسطول العثماني والأسطولالإسباني (تسانده الدويلات البابوية والمدن الإيطالية) وتَحطَّم الأسطول العثمانيتماماً. وقد شعرت الجماهير في أوربا بمغزى ذلك النصر وأُقيمت الاحتفالات في لندنالتي لم تكن طرفاً في الموضوع. وفقدت القوات العثمانية زخمها وقوة اندفاعها للمرةالثانية والأخيرة عام 1683 حينما حاصرت القوات العثمانية فيينا وتم صدها، ويرىالبعض أن المسألة الشرقية بدأت منذ هذا التاريخ فبعد هذا التاريخ بدأ التراجعالعثماني (والإسلامي)، وبدأ التقدم الغربي ومحاولة الاسـتيلاء على ممتلكات الدولـةالعثمانية وتقسـيم العـالم الإسلامي. وقد أخذ هذا أربعة أشكال:
1 ـ محاولاتالإمبراطورية الروسية والنمساوية توسيع نفوذها وسلطانها على حساب الدولة العثمانية.
2 ـ محاولات إنجلترا وألمانيا منع تفكك الإمبراطورية العثمانية حتى تبقىسداً أمام الأطماع الروسية التوسعية.
3 ـ ظهور القوميات المستقلة في شبهجزيرة البلقان وحولها ( العرب ـ اليونان ـ رومانيا ـ بلغاريا).
4 ـ محاولةاستغلال الدولة العثمانية والنيل من سياستها عن طريق الامتيازات الأجنبية.
ومن منظور تَطوُّر الصهيونية، ما يهمنا في المسألة الشرقية هو مصير فلسطين.ومن ثم، فإن عام 1841 تاريخ حاسم تم فيه القضاء على محمد علي وفرض السلام الأوربيعلى الشرق!
مع ظهور محمد علي، طُرحت الإمكانية الحقيقية لإعادة العافية إلىرجل أوربا المريض أو لأن يقوم أصحاب المنطقة بحكمها (ملء الفراغ الناجم عن موتالرجل المريض)، وهو الأمر الذي لم يكن ليقبله رجل أوربا النهم. وقد تبلور المشروعالصهيوني غير اليهودي تماماً، وخرج من دائرة الديباجات الدينية المشيحانية ودخلعالم المشاريع الاستعمارية إذ اكتشف الاستعماريون الإنجليز أن بالإمكان توظيفالمسألة الشرقية في حل المسألة اليهودية وتوظيف المسألة اليهودية في حل المسألةالشرقية. فقد اكتشف الإنسان الغربي أن من الممكن نقل المادة البشرية اليهودية (التيكانت تشكل المسألة اليهودية) إلى فلسطين لتصبح عنصراً منتجاً هناك، يشكل دولةوظيفية تابعة لإنجلترا تستوعب الفائض البشري وتساعد الدولة العثمانية على التماسكلتظل حاجزاً أمام الأطماع الروسية، فالحل الصهيوني للمسألة اليهودية هو نفسه الحلالغربي الاستعماري للمسألة الشرقية. وقد دارت المشاريع الصهيونية الغربية (غيراليهودية) في هذا الإطار.
ومن هذا المنظور، يمكن أن نرى أن التراجع المستمرللدولة العثمانية، واضطرارها لتقديم التنازلات القانونية الكثيرة (الامتيازاتالأجنبية)، كان يعني اتساع الثغرة التي سمحت للفائض البشري اليهودي بالتسلل. ومنالمعروف أن الدولة العثمانية كانت ترحب بهجرة اليهود إليها منذ عملية طردهم منإسبانيا. ومع تَزايُد تَدخُّل الدول الأجنبية، وتَزايُد الأطماع في فلسطين، بدأتالدولة العثمانية تحاول أن تمنع الهجرة اليهودية إلى فلسطين (مع استمرار فتحالأبواب خارجها). بل فتحت باب الهجرة أمام اليهود إلى فلسطين شريطة أن يتجنسوابالجنسية العثمانية، أي شريطة أن يتحولوا من عنصر استيطاني (قتالي) غريب إلى عنصروطني محلي (وكانت هذه هي السياسة الرسمية حتى عام 1914). وكانت الدول الكبرى تتدخللحمل الدولة العثمانية على السماح لليهود بالاستيطان في فلسطين وملكية الأراضيفيها، فاضطرت الدولة العثمانية إلى إصدار قرار عام 1867 بمنح الأجانب حق ابتياعالممتلكات في فلسطين، وهو القرار الذي استفادت منه الجمعيات التبشـيرية المسـيحيةوالجماعات الاسـتيطانية المسيحية مثل فرسان الهيكل، كما استفاد منه المستوطنونالصهاينة في مراحل لاحقة. وحينما حاولت الدولة العثمانية منع اليهود من امتلاكالعقارات في فلسطين (عام 1884)، ادَّعت الدول العظمى أن هذا خرق لنظام الامتيازات.وكان قناصل الدول الغربية يستخدمون نفوذهم لتسهيل عملية استيطان اليهود. وحين صدرتقرارات تحرِّم هجرة اليهود (غير العثمانيين) عام 1888 ثم عامي 1891 و1898، عبَّرتالدول الغربية عن استيائها وساعدت المهاجرين على التحايل على هذه القوانين.
ويمكن أيضاً أن نفهم كثيراً من تحركات الدول الغربية وموقفها من المشروعالصهيوني في ضوء علاقتها بالدولة العثمانية وتصورها لحل المشكلة اليهودية. وعلىسبيل المثال، كانت الدولة الألمانية ترى ضرورة دعم الدولة العثمانية في مواجهةالأطماع التوسعية الروسية، ولذا فإن حماس ألمانيا للمشروع الصهيوني كان فاتراًللغاية رغم التوجه الألماني القوي للمشروع الصهيوني، ورغم أن الزعماء الصهاينةالأوائل كانوا من الناحية الثقافية ألماناً (وهو على كلٍّ لا يختلف عن فتورهم تجاهالمشروع الصهيوني الألماني غير اليهودي: مشروع فرسان الهيكل). ويمكن فهم سلوكإنجلترا في الإطار نفسه، فرغم تحمُّس إنجلترا للمشروع الصهيوني باعتباره آلية مهمةللتخلص من الفائض اليهودي، إلا أن الإمبراطورية الإنجليزية قدمت شرق أفريقياللصهاينة في البداية (لا فلسطين) لأن السياسة الإنجليزية الرسمية كانت معارضةلتقسيم الدولة العثمانية. وحينما اتُخذ قرار التقسيم أثناء الحرب، اتخذ أيضاًالقرار بتأييد تنفيذ المشروع الصهيوني في فلسطين ومن ثم صدر وعد بلفور. وانتهتالمسألة الشرقية مع اندلاع الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية.
ولا تزال المسألة الشرقية مرتبطة تماماً في ذهن الإنسان الغربي بالمسألةاليهودية الصهيونية، ولا يزال رجل الغرب النهم يستخدم الدولة الصهيونية الوظيفيةلحل مشاكله الشرقية. وقد قامت الدولة الوظيفية في مرحلة تَصاعُد المد القومي العربيبضرب النظم العربية التقدمية. وفي مرحلة النظام العالمي الجديد وتصاعد المد الديني،تطرح الدولة الوظيفية نفسها باعتبارها الآلية التي يمكن عن طريقها حل المسألةالشرقية (الإسلامية) الجديدة!
الامتيازات الأجنبية
Capitulations
«الامتيازات الأجنبية» اصطلاح يشير إلى المعاملة القضائيةوالقانونية الخاصة التي تقررت للأجانب الموجودين في أقاليم الإمبراطورية العثمانيةبمقتضى مجموعة من المعاهدات، كانت من أوائلها المعاهدتان اللتان أبرمتا مع فرنسا (سنتي 1535 و1740) بقصد تيسير التجارة بين رعايا الدولتين وحماية الأجانب من الخضوعلأحكام الشريعة الإسلامية (التي تستند إليها قوانين الدولة العثمانية). ولم تكن هذهالمعاهدات تعاقدية تبادلية، فقد كانت في واقع الأمر تعبيراً عن بداية ضمور الدولةالعثمانية وتَحوُّلها بالتدريج إلى رجل أوربا المريض. وقد نشأت نتيجة معاهداتالامتيازات الأجنبية عدة مراكز أو مستعمرات تجارية تركزت فيها التجارة الدولية فيعدة مناطق من الدولة العثمانية. وقد أسس الفرنسيون معظم هذه المراكز في بدايةالأمر، ولكن لحق البريطانيون بهم في مرحلة لاحقة مع تَزايُد النفوذ البريطاني فيالدولة العثمانية. وكانت أهم هذه المراكز التجارية (سالونيكا والقسطنطينية وسميرناوصيدا وعكا والإسكندرية وحلب والقاهرة والرملة) وهي مدن تضم جماعات يهودية قامأعضاؤها بدور التجار الوسطاء والوكلاء بين البائعين والمشترين، وهو دور اضطلعت بهأعضاء الأقليات الإثنية والدينية كافة وتوارثـوه أباً عن جد، وإن كان يُلاحَظ بـروزدور أعضاء الجماعة اليهودية. وكان الوكلاء التجاريون يحصلون على إذن خاص من الدولةالعثمانية بممارسة هذه الوظيفة، وكانوا يُعفَون من الضرائب. ومن ثم اسـتفاد كثير منالتجـار من هذه الامتيازات وحظوا بحماية الدول الأجنبية. وقد ساهم هذا ولا شك فيعزلهم عن البيئة العربية الإسلامية المحيطة بهم حتى تحوَّلوا إلى جماعة وظيفية تدينبالولاء لقوة تجارية وعسكرية خارجية.
وكان من أوائل التجار اليهود الذينتمتعوا بالحماية الأجنبية التجار اليهود في حلب الذين كانوا يحملون اسم «الفرانكوس» (أي الفرنجة)، وقد كانوا تجاراً يهوداً أوربيين وفدوا إلى الشام في القرن السابععشر واستقروا فيها، وكانوا جزءاً من الشبكة التجارية اليهودية الدولية الممتدة منبولندا (يهود الأرندا) إلى وسط أوربا (يهود البلاط) وغربها (كبار التجار السفارد)والتي غطت الدولة العثمانية وبعض أجزاء من أفريقيا وامتدت إلى العالم الجديد. وقدظل الفرانكوس تحت حماية الفرنسيين إلى أن أصدر السلطان سليم الثالث خطابات تعيينلهم وأعطاهم مكانة تجار أوربيين تابعين له هو شخصياً.
ويُلاحَظ أنه ابتداءًمن القرن التاسع عشر، ومع تعَاظُم النهم الاستعماري الغربي، بدأ قناصل الدولالأجنبية يضعون أعضاء الأقليات تحت حمايتهم لأسباب عديدة ليست بالضرورة تجارية.واتسع نطاق نظام الامتيازات بين يهود العالم العربي حتى أن غالبيتهم العظمى أصبحتتتمتع بها ومن ثم كانت موضوعة تحت حماية الدول الأجنبية، كما كان كثير من اليهودالعرب يعملون قناصل للدول الغربية في بلادهم. وقد ورثت الدول العربية التي انفصلتعن الدولة العثمانية نظام الامتيازات.
ولعــب نظــام الامتيــازات دوراًأسـاسـياً في تسـهيل عمــلية الاستيــطان الصهيــوني التســللي. فيهــود فلسطينكانوا أساساً من السفارد المندمجين في محيطهمالحضاري الإسلامي، وقد حاولت عناصر منالإشكناز الاستفادة من نظام الامتيازات فقاوم السفارد هذه المحاولة في 1822 ـ 1823،وُكلِّلت جهود الإشكناز بالنجاح في عام 1840 بعد فتح قنصلية إنجلترا في الفترة 1838ـ 1839، وبعد إعادة فتح قنصلية فرنسا عام 1843 (بعد أن أُغلقت 130 عاماً). ثم بدأتعملية تغريب اليهود المحليين وتَسلُّل اليهود الأجانب. ومما ساعد على تقوية نفوذالدول الغربية على يهود فلسطين، مؤسسة الحالوقة وهي الأموال التي كان يدفعها يهودالعـالم، الذين كانت غالبيتهم السـاحقة في الغرب، لمساعدة يهود فلسطين. وكانالمستوطنون الصهاينة الإشكناز يتسللون إلى داخل فلسطين بأن يحصلوا على تأشيرة دخولكمواطنين أجانب يتمتعون بحقوق خاصة، ثم يستوطنون في فلسطين ولا يغادرونها. وقد سهللهم القناصل الأجانب هذه العملية.
ويمكن القول بأن نظام الامتيازاتالأجنبية هو المسئول عن تحويل يهود الدولة العثمانية والعالم الإسلامي ككل إلىجماعات وظيفية تابعة لدول أجنبية وتدين لها بالولاء وتتمتع بحمايتها. وحاولت الدولةالعثمانية التخلص من هذا النظام أو تقليل أضراره دون جدوى إذ أن نظام الامـتيازاتكان جزءاً لا يتـجزأ من الهجـمة الإمبريالية الغربيـة على الشرق، وساعد على إحكامقبضة الإمبريالية على دول العالم العربي وعلى تحويل بنيتها السياسية والاقتصاديةإلى بنية تابعة. وقد أُلغي نظام الامتيازات في مصـر بمقتضـى معاهـدة مونتريه عام 1937 التـي نظمـت فترة انتقالية (بقيت خلالها المحاكم المختلطة) حتى عام 1949.




رد مع اقتباس
المفضلات