البابالرابع: العالم العربي منذ القرن التاسع عشر
الجماعات اليهودية في العالم العربي منذ منتصفالقرن التاسععشر : تعداد
The Jewish Communities in the Arab World since the Mid-Nineteenth Century: Numbers
يُلاحَظ أنه، مع بداية العصور الوسطى فيالغرب، كان يهود العالم الإسلامي يشكلون أكثر من نصف تعداد يهود العالم. إلا أنعددهـم أخذ في التناقـص حتى أصبحوا يشكلون أقلية لا تتجاوز 10%. وهذا يرجع إلىالأسباب التالية:
1 ـ تحوَّل كثير من اليهـود عن اليهـودية الحاخامية إلىاليهودية القرّائية، وهي شكل من أشكال اليهودية التوحيدية تأثر بالإسلام. ويبدو أنأعداداً كبيرة من القرّائين اعتنقوا الإسلام، وهو ما أثر في وجود اليهود العددي.ولا تُوجَد دراسات إحصائية عن هذا الأمر، ولكن من الصعب تفسير اختفاء اليهودالقرّائين وتَناقُص عددهم دون اعتبار اعتناق الإسلام كسبب أساسي.
2 ـتَراجُع العالم الإسلامي ككل، وهو ما أدَّى إلى نزوح كثير من اليهود عنه.
3 ـ يُعَدُّ الريف مصدراً دائماً للزيادة السكانية. ولما كان يهود البلاد الإسلاميةمن سكان المدن، فلم تكن هناك مصادر لزيادة أعدادهم، ولهذا أخذت أعدادهم في التناقص.
وفيما يلي عدد يهود العالم العربي قبل أن تحدث التغييرات العددية الكبرىبعد عام 1950:
البلـــد / عـدد الســكان اليهود عام 1950
مصر / 75.000
العراق / 120.000 (110آلاف حسب باتاي)
لبنان / 6.700 (6 آلاف حسب باتاي)
سوريا / 6.000 (13 ألفًاحسبباتاي)
البحرين / 400
حضرموت / 2.000
اليمن / 8.000 (غيرمؤكد ، 50 ألفاً حسب باتاي)
عدن / 1.200
ليبيا / 14.000 (38 ألفاًحسب باتاي)
تونس / 100.000
الجزائر / 120.000 (130 ألفاً حسبباتاي)
المغرب / 225.000 (العدد الكلي حسب باتاي)
مراكش الإسبانية / 14.700 (عام 1940)
طنجة / 7.000
ويُلاحَظ أن نسبة السكاناليهود إلى التعداد العام في كل بلد كانت ضئيلة جداً.أمـا في عامي 1958 و1969، فقـدكانت الأعـداد كالتالي:
البلـــد / عام 1958 / عام 1969
مصر / 40.000 / 1.000
العراق / 6.000 / 2.500
لبنان / 6.000 / 3.000
سوريا / 5.000 / 4000
اليمن / 3.500 / ــــــ
ليبيا / 3.750 / 100
تونس / 85.000 / 10.000
الجزائر / 140.000 / 1.500
المغرب / 200.000 / 50.000
وبناءً على هذا الإحصاء، كانعدد الجماعات اليهودية في العالم العربي عام 1950 يتراوح بين 650 ألف و800 ألف.وهنا ينبغي أن نتوقف قليلاً عند المُصطلَح الذي نستخدمه: هل ينطبق مُصطلَح «يهودالبلاد العربية» على اليهود العرب وغير العرب المقيمين في البلاد العربية حتى لوحملوا جنسيات أجنبية، أم يجب أن نقصر استخدام المُصطلَح على اليهود حاملي الجنسياتالعربية المختلفة، والذين ينتمون إلى التشكيل الحضاري العربي الإسلامي، أي إلىاليهود المستعربة؟ الواقع أننا حين نتحدث عن مسيحيي البلاد العربية نتحدث عن عربيؤمنون بالمسيحية، ولا يرد لنا على بال أن نضع ضمن هذه المجموعة أعضاء الإرسالياتالمسيحية الغربية لمجرد أنهم يقيمون في البلاد العربية. ومن المستحسن أن نميِّز بين «يهود البلاد العربية» من جهة و«اليهود العرب» أو «العرب اليهود» من جهة أخرى.والعدد 800 ألف يشير إلى يهود البلاد العربية، أما العرب اليهود فعددهم أقل من ذلكبكثير، إذ يجب أن نستبعد من هذا الرقم الأغلبية الساحقة من يهود الجزائر ومصر الذينكانوا يحملون جنسيات أجنبية، وإذا طرحنا عددهم يكون الباقي هو 600 ألف تقريباً. أمابالنسبة إلى الباقين، فيمكننا أن نستبعد من هذا العدد نسبة 25 ـ 30% من عدد أعضـاءالجمـاعات اليهودية باعتبارهم أجانب، فنسبة اليهود الأجانب إلى اليهود المستعربةكانت كبيرة جداً في طنجة والمغرب الإسبانية وتونس، بل كانت تقترب من نسبتهم فيالجزائر ومصر، ولكنها كانت أقل في المغرب. وهذه البلاد تضم 346.500، أي أكثر من 50%من العدد الباقي. وتقل نسبة اليهود الأجانب بقدر أكبر في العراق، حيث كان يوجد 120ألفاً، وتكاد تنعدم في اليمن وعدن وهي بلاد تضم بضعة آلاف وحسب.
ويُلاحَظتَركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في المدن بسبب اشتغالهم بالمهن وتركزهم في قطاعاتاقتصادية بعينها. فيهود العراق الذين بلغ عددهم 118.000عام 1947 تَركَّز منهم فيبغداد 77.542. كما كانت تُوجَد نسبة مرتفعة منهم في البصرة والموصل، أي أن معظميهود العراق كانوا من سكان المدن، مع العلم بأن هذا يستبعد يهود كردستان البالغعددهم 18 ألفاً. والوضع نفسه ينطبق على مصر، ففي إحصاء 1937 بلغ عدد يهود مصر 63.550 كانت تعيش أغلبيتهم (59 ألفاً) في القاهرة والإسكندرية، منهم 34.103 فيالأولى و24.290 في الثانية. وبقيتهم موزعة على مدن صغيرة مثل المنصورة وطنطاودمنهور. وفي عام 1947، كان 96% من يهود مصر في القاهرة والإسكندرية. أما فيالمغرب، فيعيش 80% من اليهود في مراكز حضرية مثل الدار البيضاء والباقون موزعون علىمدن أخرى مثل مراكش وفاس.
وقد أخذت الجماعات اليهودية في العالم العربي فيالاختفاء بعد عام 1950 حتى لم يبق سوى بضع مئات في بلد مثل مصر والعراق وعدة آلاففي المغرب، وذلك للأسباب التالية:
1 ـ ظهور الاقتصـاد الوطني الذي ضـيَّقالخنـاق على العناصر الأجنبية، وكانت نسبة كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية لاتحمل جنسية عربية، وخصوصاً أن الاقتصاد الوطني الجديد تلعب الدولة فيه دوراًكبيراً.
2 ـ ظهور طبقة تجارية ومالية وطنية بدأت تلعب دوراً اقتصادياًنشيطاً وشكلت منافسة قوية وخطيرة للعناصر التي كانت مهيمنة من قبل، كما أن ظهورالدول القومية لعب دوراً مماثلاً.
3 ـ ظهور الدولة الصهيونية بما خلقته منمشاكل خاصة بولاء يهود البلاد العربية،وهجرة أعداد كبيرة منهم إلى العالم الغربيوإسرائيل.
ويصل عدد يهود البلاد العربية حسب إحصاء عام 1986 إلى 26.900، أما عام 1992 فيصل عددهم إلى 13.200على النحو التالي:
البلـــد / عام 1986 / عام 1992
المغرب / 17.000 / 7.500
سوريا / 4.000 / 1.200
تونس / 3.700 / 2.000
اليمن / 1.200 / 1.600
الجزائر / 300 / 300
لبنان / 250 / 200
مصر / 250 / 200
العراق / 200 / 200
المجموع / 26.900 / 13.200
وكما نرى، بلغ العدد الإجمالي عام 1986 نحو 27 ألفاً إن أضفنابضعة أفراد في ليبيا والسودان وغيرهما من البلاد. وقد انخفض هذا العدد إلى النصفتقريباً في غضون ستة أعوام. وكل هذا يعني أنه لن يوجد في القرن القادم يهود في أيٍمن أنحاء العالم العربي. لكن هذه ليست ظاهرة مقصورة عليه حيث يتوقع الدارسون لأسبابمختلفة أن يختفي أعضاء الجماعات اليهودية من أوربا الشرقية وإنجلترا وأمريكااللاتينية وأن تختفي البقية الباقية في الهنـد، وهــي ظاهـرة يُطلَق عليها مُصطلَح «موت الشعب اليهودي».
الجماعـــات اليهـــودية فــيالعـــالم العـــربي: نمــــط الهجــــرة
The Jewish Communities in the Arab World: Pattern of Migration
تدخل هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العالمالعربي في إطار هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العالم في العصر الحديث، وهي هجرةمن البلاد الأقل تقدماً من الناحية الاقتصادية إلى البلاد الأكثر تقدماً، ومنالبلاد التي تلعب فيها الدولة دوراً اقتصادياً كبيراً إلى بلاد المشروع الحر حيثيمكنهم تحقيق قدر أكبر من الحراك الاجتماعي. وقد لاحظنا أن الهجرة اليهودية فيالعصر الحديث تشكل جزءاً لا يتجزأ من حركة الاستيطان الغربي (وخصوصاً الأنجلوساكسوني). ولكن يُلاحَظ أن يهود البلاد العربية كانوا يضمون بينهم أعداداً كبيرة منالسفارد المتأثرين بالثقافة اللاتينية. كما أن الأليانس، حينما قامت بعملية صبغلأعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي بصبغة تغريبية، صبغتهم أيضاً بصبغةفرنسية لاتينية. ويُلاحَظ أن معظم العناصر الثرية وأعضاء النخبة بين يهود البلادالعربية هاجروا إلى فرنسا أو الولايات المتحدة أو أمريكا اللاتينية. وهم برفضهمالهجرة إلى إسرائيل يتبعون النمط المذكور نفسه إذ أن مثل هذه الهجرة لا تحقق حراكاًلهذه الشريحة من أعضاء الجماعة بينما يمكن تحقيق هذا الحراك في البلاد الغربيةالمتقدمة. ولذا، نجد أن حركة هجرة يهود البلاد العربية تتجه أساساً إلى فرنساوأحياناً أمريكا اللاتينية. ولكن العدد الأكبر اتجه إلى إسرائيل، أي أنها هجرة إلىبلد استيطاني لتحقيق قسط أكبر من الحراك الاجتماعي، هجرة من بلاد أقل تقدماً إلىبلد أكثر تقدماً، ومن بلاد بدأ يظهر فيها اقتصاد قومي أو اشتراكي إلى بلاد فيهامجال أكبر للمشروع الحــر.
وقد هاجر يهود الجزائر كلهم إلى فرنسا، كما هاجرإليها كثير من يهود تونس ومعظم يهود مصر، وكذلك الجزء الأكبر من يهود المغرب. ويبينباتاي أن عدد يهود المغرب كان عام 1947 نحو 280 ألفاً. فإذا أخذنا في الاعتبارالزيادة الطبيعية ونسبتها 1.8%، يمكن القول بأن بين الـ 250 ألف يهودي مغربي ممنهاجروا خلال الفترة 1947 ـ 1969 نحو 117 ألفاً ذهبوا إلى إسرائيل.
ويرىالبعض أن أكبر دليل على انتماء يهود البلاد العربية لبلادهم هو الدور الصغير الذيلعبوه في الهجرة الاستيطانية إلى فلسطين. والواقع أنَّنا لا نجد بين العدد 460ألفاً الذين دخلوا فلسطين بين عامي 1919 و1948 سوى 42 ألفاً قدموا من البلادالعربية والإسلامية، أي 9% من الهجرة العامة والتي شكَّل الإشكناز النسبة الكبرىمنها. ولكننا إذا أخذنا بالعدد الذي يقدر يهود العالم بنحو 16 ـ17 مليوناً ويهودالبلاد العربية بنحو 800 ألف، فإننا نجد أنهم كانوا يشكلون 5 ـ 6% من مجموع يهودالعالم، وبالتالي تكون نسبة 9% من حاصل الهجرة اليهودية نسبة عالية للغاية مقارنةبالهجرة من أوربا.
هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربيوتركيا وإيران
البلد / 1948-1951 / 1952-1954 / 1955-1957 / 1958-1960 / اجمالي48-1960
المغرب / 30.750 / 15.903 / 70.053 / 9.236 / 125.942
الجزائر / 1.523 / 396 / 2.483 / 529 / 4.931
تونس / 13.139 / 5.902 / 15.267 / 2.149 / 36.475
ليبيا / 30.482 / 1.609 / 198 / 94 / 32.383
مصر / 16.508 / 3.203 / 14.562 / 1.051 / 35.328
اليمن / 45.199 / 698 / 10 / 55 / 45.962
عدن / 3.155 / 151 / 7 / 95 / 3.408
سوريا ولبنان / 2.898 / 461 / ـــــ / ـــــ / 3.359
تركيا / 34.213 / 861 / 2.650 / 1.316 / 39.040
العراق / 121.512 / 1.382 / 361 / 233 / 123.488
إيران / 24.804 / 5.750 / 2.035 / 7.230 / 40.061
الإجمالي / 324.183 / 36.316 / 107.626 / 22.230 / 490.359
ولكن الأرقام هنا مضللة لأنها تتعامل ليس مع العرب اليهود (أياليهود المحليين) وحسب وإنما تتعامل أيضاً مع يهود البلاد العربية ككل (أي اليهودالوافدين من الغرب). ولو أن أرقام الهجرة فرَّقت بين اليهود المحليين من حامليالجنسيات العربية واليهود من حاملي الجنسيات الغربية، لوصلنا إلى نتائج مغايرةقليلاً. وعلى كلٍّ، فإن هذه المناقشة أصبحت مجرد مناقشة أكاديمية إذ أنَّ تأسيسالدولة الصهيونية خلق حركية ضخمة ابتلعت كل يهـود العـالم العربي، المحليين منهــموالوافـدين، وأدَّت إلى اختــفائهم تماماً، باستــثناء المغـرب التي هاجـر معظــمأعضاء الجماعة اليهودية بها إلى الكيان الصهيوني وبقيت فيه أقلية يهودية آخذة فيالتناقص.
ومن المفارقات التي لها أعمق الدلالة أن يهود البلاد العربيةكانوا يُشكّلون أقلية صغيرة جداً لا أهمية لها بالنسبة ليهود العالم، وأصبحوا الآنيشكّلون أغلبية سكان إسرائيل. وأكبر المجموعات التي هاجرت هي يهود المغرب، إذ يوجدفي الدولة الصهيونية 480 ألف يهودي من المغرب أو من أصل مغربي و125 ألف يهودي منتونس والجزائر و78 ألفاً من ليبيا، أي أن هناك 682 ألف يهودي من المغرب العربي، وهميشكلون 20% من يهود المستوطَن الصهيوني. ومن أهم الشخصيات اليهودية من أصل مغربي فيالمؤسسة الحاكمة أهرون أبو حصيرة الوزير السابق ورئيس حزب تامي، والحاخام عوفيديايوسف، وديفيد ليفي أحد أقطاب حزب الليكود.أما اليهود من أصل عراقي فإن عددهم يبلغ 129.499، ومن أشهرهم شلومو هليل. ويوجد 245 ألف يهودي يمني أو من أصل يمني: (49.500من مواليد اليمن و161.100 ولدوا لآباء يمنيين و35 ألفاً كانوا في فلسطين عام 1948).ويهود اليمن هم الوحيدون الذين كانت تُوجَد منهم أعداد كبيرة نسبياً في المستوطَنالصهيوني قبل عام 1948، فلقد أراد المستوطنون الصهاينة أن يحلوا معضلة العمل العبريباستخدام يهود في الاقتصاد الصهيوني الاستيطاني، ولكنهم لم يجدوا العمالة الكافيةبين يهود أوربا، فاستوردوا يهود اليمن. ويُوجَد إلى جانب ذلك بضعة آلاف من سوريا،وانضم إليهم 130 ألف يهودي من إيران و100 ألف يهودي كردي.
وقد سمحت المغرب،كما سمح العراق، لليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل بالعودة، فعادت أعداد لا يُعتَدبها إحصائياً رغم دلالتها. وتكمن أهمية القرّار في أنه ضربة في الصميم لأسطورةالشرعية الصهيونية التي تطرح فكرة اليهودي الخالص الذي لا ينتمي إلا لوطنه اليهودي،إذ أنَّ القرّار العربي يؤكد عروبة هؤلاء اليهود وانتماءهم وانتماء كل أعضاءالأقليات العربية إلى وطنهم العربي.




رد مع اقتباس
المفضلات