الجماعات اليهودية فيالعالم العربي: الانقسامات الدينية والعرْقية
The Jewish Communities in The Arab World: Religious and Ethnic Divisions

مع منتصف القرن التاسع عشر، ومع
بداية تفكك الدولة العثمانية ودخول الدول العربية في الدائرة الاستعمارية، لم يكنأعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي يُشكِّلون وحدة دينية أو ثقافية أولغوية. ويمكن تقسيم الجماعات اليهودية على النحو التالي:

1
ـ اليهودالمستعربة الذين يتحدثون العربية وينتمون إلى التشكيل الحضاري العربي الإسلامي.ويمكن أن نصنف يهود اليمن ضمن هؤلاء رغم خصوصيتهم التي تميِّزهم عن بقية اليهودالمستعربة.

2
ـ يهود السفارد الذين يتحدثون اللادينو.

3
ـ يهودالإشكناز الذين يتحدثون اليديشية.

4
ـ يهود الغرب الذين يتحدثون لغاتبلادهم المختلفة: فرنسية وإنجليزية وألمانية.

5
ـ يهود البربر في جبالالأطلس ويتحدثون اللغات البربرية المختلفة.

6
ـ يهود كردسـتان في العـراقوإيران الذين يتحـدثون الكردية والآراميـة. وكان بعضهم يتحدث العربية، ولذا كانوايُعدُّون من اليهود المستعربة.

وقد عبَّر عدم التجانس هذا عن نفسه في شكلصراع بين الجماعات اليهودية المختلفة. وفي المغرب، كان اليهود السفارد الوافدون إلىالمغرب يشيرون إلى اليهود الأصليين على أنهم «توشافيم»، أي سكان أصليون أو محليون،وهي عبارة تحمل بعض الإيحاءات القدحية. وكان اليهود الأصليون يشيرون بدورهم إلىالوافدين باعتبارهم «مجوراشيم»، أي المنفيين أو المنبوذين! وكان يهود صنعاء فياليمن ينظرون بعين الاحتقار إلى يهود الجبال ويعتبرونهم أدنى مرتبة منهم. كما لميكن الفريقان يتزاوجون فيما بينهم. وفي مصر، كان السفارد والإشكناز ينظرون إلى يهودمصر المستعربة بشيء من التعالي. كما كان السفارد يشيرون إلى الوافدين الجدد منالإشكناز على أنهم «شاخت»، أي الأشرار، بسبب تَورُّط عدد كبير منهم في الأنشطةالمشبوهة، وخصوصاً الدعارة، وقد كانوا ينظرون إليهم بقدرٍّ كبير من التعالي. وهذهالمواقف كانت في معظم الأحوال انعكاساً لمواقف مشابهة في المجتمع وسائدة بين أعضاءالأغلبية. وقد نشب الصراع الحاد بعد ذلك بين دعاة الصهيونية وأعدائها. والواقع أنَّانقسام يهود البلاد العربية كان بارزاً في الإطار التنظيمي حيث لم يكن يتسم بأيةمركزية أو وحدة إلا إذا قامت الدولة بفرضه كما حدث في مصر.

وكان أعضاءالجماعات اليهودية المستعربة مندمجين حضارياً في المحيط الثقافي العربي الإسلاميلكل جماعة. فكان يهود المغرب مغاربةً أو بربراً لهم نفس فلكلور المغاربة أو البربرونفس المستوى الثقافي والحضاري، فكانوا يزورون أولياء اليهود، بل هناك حالات كثيرةكان فيها المسلمون واليهود يتبركون بوليّ واحد ويقومون بزيارته. وقد طلبت حكومةفيشي الموالية للنازي من الحكومة المغربية تسليم أعضاء الجماعات اليهودية للنازيلإبادتهم كما حدث مع أعداد كبيرة من يهود فرنسا. ولكن العاهل المغربي محمد الخامستصدَّى لهم، وهو ما أدَّى إلى نجاة الجماعة اليهودية من خطر الإبادة. والشيء نفسهينطبق على يهود ليبيا والجزائر ومصر وغيرها من البلاد العربية، فكان يهود مصريزورون مقام سيدي أبو حصيرة الذي كان يزوره معهم المصريون من المسلمين والمسيحيين.وكان يهود متماته في جبال الأطلس بتونس يعيشون في الكهوف مثل المسلمين. ولكن كانهناك بالطبع العناصر اليهودية غير العربية التي كانت مرتبطة أساساً بالتشكيلالحضاري الغربي ثم الاستعماري. وكان السفارد ضمن هذه العناصر. وكذلك، بطبيعة الحال،الإشكناز الذين استوطنوا في العالم العربي مع تَزايُد النفوذ الغربي ومع تَعثُّرالتحديث في روسيا ابتداءً من عام 1882.

وقد ترك وصول يهود الغرب (الإشكنازوالسفارد) آثاراً متنوعة من منطقة إلى أخرى. ففي المغرب، اندمج يهود المدن الساحليةمع السفارد، واصطبغوا بالصبغة السفاردية. أما في المدن الداخلية، فقد احتفظ اليهودبصبغتهم العربية أو البربرية، بحيث كانوا 36.8% من السفارد و30.5% من العرب و6.95%من البربر (في نهاية القرن التاسع عشر). أما في الجزائر، فقد حدث العكس إذ تماستيعاب السفارد ضمن السكان الأصليين، وأصبح الجميع يهوداً مستعربة. ثم انضم إليهمفي القرن السابع عشر الميلادي نخبة سفاردية من ليجورن (وقد سميت «جورينيم») قامتبدور الجماعة الوسيطة. وفي تونس، انقسمت الجماعة اليهودية إلى التوانسة وهم اليهودالمستعربة، والجرانا أو الغرانا وهم السفارد من غرناطة، والجورينيم من ليجورنأيضاً.

ومن الناحية الدينية، ينقسم اليهود إلى:

1
ـ يهود حاخاميينيؤمنون بالتوراة والتلمود، وهؤلاء كانوا هم الأغلبية. ومعظم هؤلاء كان يتبع النهجالسفاردي، وكان بعضهم يتبع النهج الإشكنازي، وكان لكل فريق معابده المستقلة.

2
ـ يهود قرّائين، وكانوا يوجدون أساساً في مصر حيث بلغ عددهم عام 1947 نحو 3.486 (مقابل 62.153 يهودي حاخامي).

3
ـ يهود سامريين.

4
ـ يهودلادينيين وعلمانيين.

ويبدو أن التيارات اليهودية الدينية الجديدة (وهيأساساً تيارات إشكنازية)، مثلها مثل اليهودية الإصلاحية والمحافظة وغيرها، لم تجدطريقها إلى العالم العربي.

وكان اليهود يختلفون في درجة تَمسُّكهم بتعاليمدينهم حسب معدلات العلمنة الموجودة في مجتمعهم. فكان مدى تَمسُّك يهود مصرباليهودية يختلف عن مدى تمسك يهود اليمن الذين كانوا معزولين عن العالم ومشهورينبتمسكهم بتعاليم دينهم كما يتضح في طريقة قصهم شعر رأسهم وتركهم السوالف وإطلاقهماللحى. وقد نشبت صراعات دينية بين أعضاء هذه الفرق، وخصوصاً بين الحاخاميينوالقرّائين والسامريين، بحيث كان لكل فرقة دينية معبدها وحاخامها وتنظيماتها.

لقد ضمنت دساتير العراق ومصر والمغرب وغيرها من الدول العربية لليهودالمساواة في الحقوق الدينية والسياسية والاقتصادية. وكان لكل جماعة يهودية مدارسهاوصحفها، العربية والإنجليزية والفرنسية، ومحاكمها (إلى أن أُلغيت المحاكم الشرعيةفي بعض الدول #########. وكان تنظيم الجماعة اليهودية (الذي كان يترأسه شخص يُقال لهالناسي أو الحاخام الأكبر) يشبه منصب بطريرك الأقباط في مصر يساعده مجلس أو لجانمعيَّنة أو منتخبة تشرف على كل الشئون الاجتماعية للجماعـة التي لا تندرج تحـتنفـوذ أو سـلطان الدولة. وفي معظم الأحيان، كانت كل جماعة يهودية سفاردية أوإشكنازية أو مستعربة... إلخ تحتفظ باستقلالها عن الجماعات الأخرى، ولكن كان يتمالتنسيق بين هذه الجماعات أحياناً بحيث تعترف كلها بسلطة مركزية واحدة كما حدث فيمصر.

ويُلاحَظ أن ظاهرة الجيتو الغربية ليس لها نظير في العالم العربي إلافي المغرب حيث كان اليهود يعيشون في حي خاص بهم يُسمَّى «الملاح»، والكلمة مشتقة منكلمة «ملح» ولا يُعرَف السبب هذه التسمية على وجه التحديد، وإن كان يُقال إنه سُميكذلك لأنه بعد تنفيذ حكم الإعدام في أعداء السلطان كان رأس المعدوم يُفصَل عن جسدهثم يتم تمليحه حتى لا يصاب بالتلف عند عرضه على الجمهـور، كما وردت تفسـيرات أخـرىلا تقل طرافة عن هذا التفسير. أما حارة اليهود، فلم تكن جيتو بأي معنى، وإنما كانتمجرد مكان يتركز فيه أعضاء الجماعة نفسها كما يحدث في الولايات المتحدة على سبيلالمثال.

الجماعات اليهودية في العالم العربي: تحولهاإلى عنصر استيطاني
The Jewish Communities in the Arab World: Their Trans- formation into a Colonial Settler Element
بعد أن نجحت الدول الغربية فيالقضاء على تجربة محمد علي في النهضة القومية في مصر والعالم العربي، وفي إصلاحالدولة العثمانية ككل، تعاظم النفوذ الغربي في العالم العربي وتراجعت الدولةالعثمانية التي أخذت تتنازل للقوى الغربية بالتدريج. وقد أخذ هذا شكل قوانينالامتيازات وحماية الأجانب. وانتهى الأمر إلى القضاء على الدولة العثمانية واقتساممعظم أجزاء العالم العربي بين الدول الغربية، فأصبحت العراق ومصر والسودان وفلسطينوعدن وبعض دول الخليج تابعة للإنجليز، وتونس والجزائر والمغرب وسوريا ولبنانلفرنسا، وليبيا لإيطاليا، وأجزاء من المغرب لإسبانيا. وقد تَكرَّس هذا الوضعبانتهاء الحرب العالمية الأولى. وحاول الاستعمار الغربي في العالم العربي الإسلاميأن يوسع رقعة نفوذه بين السكان عن طريق فرض الحماية على أعضاء الأقليات وإعطائهمحقوقاً ومزايا لم تكن متاحة لأعضاء الأغلبية بحيث تتحول الأقلية إلى جيب سكانيترتبط مصالحه وتطلعاته بالقوى الاستعمارية الحامية وتتحول هي إلى جماعة وظيفيةوسيطة بين القوة الاستعمارية والسكان المحليين، وكانت هذه العملية تسمى عملية «حماية» الأقليات، وهذا هو النمط الذي يسم علاقة إسرائيل بالعالم الغربي ويسم موقفالحضارة الغربية من اليهود عبر تاريخها. ويبدو أن عملية حماية الأقليات أول شكل منأشكال الاستعمار الاستيطاني عن طريق تحويل أقلية محلية مندمجة إلى عنصر غريب يدينبالولاء لقوة غربية غريبة! ولعبت المؤسسات اليهودية الغربية، وخصوصاً الأليانس ذاتالاتجاه الصهيوني، دوراً أساسياً في ذلك. فأسست الأليانس سلسلة من المدارس في كلأنحاء العالم العربي والإسلامي دخلها أبناء اليهود من الجماعات كافة سواء المحليةأو الوافدة. ولم يتعلَّموا في هذه البلاد لغة بلادهم (######### وإنما تعلَّمواالفرنسية أساساً ولغات أوربية أخرى، وهو ما أدَّى إلى صبغ معظم أعضاء الجماعةاليهودية بصبغة غربية فرنسية فاقعة وإلى عزلهم عن بني أوطانهم وتهميشهم من الناحيةالثقافية والاجتماعية والاقتصادية. ويُلاحَظ الانجذاب الشديد ليهود البلاد العربيةإلى فرنسا والثقافة الفرنسية، بما في ذلك يهود مصر التي كانت مستعمرة إنجليزية،ويهود ليبيا وكانت مستعمرة إيطالية. ولهذا، اتجه أغلبهم بعد الهجرة من البلادالعربية إلى فرنسا أو إلى القسـم الفرنسـي في كنـدا، أو إلى أمريكا الجنوبيـة ذاتالثقافـة اللاتينية.

ومما عمق هذا الاتجاه نحو التهميش الاقتصادي والثقافي،وجود عناصر يهودية وافدة من الغرب كان يفوق عددها أحياناً عدد اليهود المحليين.فعدد يهود مصر، على سبيل المثال، في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، كان بين ستةآلاف وسبعة آلاف. وفي عام 1897، بلغ عددهم خمسة وعشرين ألفاً نصفهم من الأجانبالوافدين. وفي عام 1917، بلغ عددهم 60 ألفاً 58% منهم من الأجانب. ومع حلول عام 1947، أي عشية إنشاء الدولة الصهيونية، كانت نسبة المصريين بين أعضاء الجماعةاليهودية لا تتجاوز 20%. وفي دمشق وحلب، كان نصف اليهود «سنيوريس فرانكوس»، وهيعبارة أسبانية تعني «الأسياد الفرنجة»، وهو ما كان يعني أنهم وافدون يتمتعونبالامتيازات.

وكان العنصر الوافد يشكل، بطبيعة الحال، عامل جذب قوياًللعناصر المحلية إذ كان لدى الوافدين من الكفاءات ما يؤهلهم للتعامل مع القوةالاستعمارية المهيمنة ومع الاقتصاد الحديث الآخذ في التشكل. ولذا، نجد أن العنصرالمحلي سرعان ما اكتسب الصبغة الغربية حتى أصبح من الصعب، في كثير من الأحوال،تمييز اليهود المستعربة المحلية عن اليهود الوافدين. ولقد كان يهود العراق استثناءمن هذه القاعدة، إذ لم تنضم أعداد كبيرة منهم إلى يهود العالم الغربي واحتفظوابهويتهم العربية. وكانت هناك شريحة اكتسبت الثقافة الغربية في مدارس الأليانسواعتمدت عليها سلطات الاحتلال البريطانية للخدمة في إدارتها الجديدة في أعقاب الحربالعالمية الأولى. ويبدو أن أعضاء الجماعة اليهودية لا يختلفون كثيراً في سلوكهم هذاعن بعض أعضاء النخبة الحاكمة في البلاد العربية ولا عن بعض أعضاء طبقات المجتمعالهامشية الأخرى الذين يتركون ثقافتهم الوطنية وهويتهم ويكتسبون ثقافة الغازيويتعلمون لغته. وهم في الواقع يهدفون إلى أن يحققوا حراكاً اجتماعياً، وينتهي بهمالأمر إلى التوحد الكامل مع هذا الغازي ثم الرحيل معه حينما تحين الساعة (كما حدثلبعض أعضاء الطبقات الحاكمة في العالم العربي).

وتجب إضافة أن أعضاءالأقليات أكثر تعرضاً لهذه العملية من أعضاء الأغلبية بسبب هامشيتهم فيما يتعلقبالرموز الأساسية للمجتمع. ومن المفارقات التي تستحق التسجيل أن عملية إعتاق يهودالعالم العربي وتحديثهم تمت خارج نطاق المجتمع العربي نفسه وبمعدلات مختلفة عنمعدلات التحديث فيه، كما أنها تمت من خلال القوى الغازية. ولذلك، فبينما أدَّىالإعتاق والتحديث في الغرب إلى اندماج اليهود في مجتمعاتهم أدَّت العملية السياسيةوالاجتماعية نفسها إلى نتيجة عكسية تماماً في المجتمع العربي.

وقرر كثير منالمواطنين اليهود الاستفادة من قوانين الامتيازات، فتجنسوا بإحدى الجنسيات الأوربيةحيث كانت بعض الدول الغربية تشجع هذا الاتجاه لخلق رأس جسر لها. وفي الجزائربالذات، أعطيت الجنسية الفرنسية لكل يهود الجزائر في محاولة لزيادة الكثافة البشريةالفرنسية داخل الجزائر، وكان هذا جزءاً من المخطط الاستعماري الاستيطاني. ومعاندلاع الثورة الجزائرية، كانت أغلبية يهود الجزائر العظمى مواطنين فرنسيين. وقدكان العدد أقل في تونس والمغرب نظراً لأن الحكومة الفرنسية لم تشجع هذا الاتجاههناك.

وبعد احتلال بريطانيا للعراق في أعقاب الحرب العالمية الأولى، سعىأعضاء الجماعة اليهودية في العراق للحصول على الجنسية البريطانية، فقدموا طلباتبهذا المعنى إلى المندوب السامي البريطاني عام 1921 ولكن بريطانيا لم تستجب لطلبهم.

ومن العناصر الأخرى التي سـاهمت في تعمـيق الاتجـاه نحو التغريب، تركيبأعضاء الجماعات اليهودية الوظيفي والاقتصادي، وخصوصاً بين الوافدين. فقد تركزوا فيمهن تجارية معينة (تجارة دولية) ومالية (الربا والسمسرة وأعمال البورصة) وحرفية (صناعة الخمور)، وهي مهن حولتهم إلى جماعات وظيفية وسيطة مرتبطة أساساً بالقطاعالاقتصادي الغربي وبالقوة المهيمنة. ولم يكن من قبيل الصدفة أن معظم قرّاراتالتعريب أو التأميم كانت دائماً تضر بمصالح أعضاء الجماعة اليهودية والجماعات شبهالأوربية الأخرى، مثل اليونانيين والإيطاليين والمالطيين، من الوافدين أو الذين تمتهميشهم ثقافياً واقتصادياً.

لكل هذا، نجد أن مصير أعضاء الجماعات اليهوديةارتبط بمصير الاستعمار في المنطقة، فتحسنت أحوالهم المادية وازدادت هامشيتهمالبنيوية مع تَزايُد الهيمنة الاستعمارية والتغلغل الأجنبي. وأثناء فترة النضال ضدالفرنسيين في الجزائر، أيَّد 90% من يهود الجزائر بقـاء الجزائر فرنسـية، ووقفـواإلى جانب منظمة الجيـش السري، وأخيراً رحلوا مع المستوطنين الفرنسين، رغم أن هؤلاءالمستوطنين كانوا معروفين بكرههم العميق لليهود وعدائهم لهم، كما أنهم عارضوا منحهمالجنسية الفرنسية في بادئ الأمر. أما في تونس والمغرب، فتقول بعض المراجع الصهيونيةإن أعضاء الجماعات اليهودية قد وقفوا موقف الحياد من حركة التحرر الوطني، وهي عبارةغير مفهومة وتفترض هامشية اليهود وعدم انتمائهم.

وقد ازدادت عملية التهميشهذه مع تَزايُد نشاط الحركة الصهيونية التي حاولت أن تعرِّف اليهود لا باعتبارهمعرباً أو حتى غربيين وإنما باعتبارهم يهوداً يدينون بالولاء للشعب اليهودي ثمللدولة الصهيونية.وفي العشرينيات، قامت الوكالة اليهودية بتكوين شبكة جاسوسية فيالعالم العربي استخدمت المؤسسات والمنظمات اليهودية الشرعية (مثل نوادي المكابي)واجهات تخفي نشاطها المعادي وغير الشرعي. وفي الثلاثينيات، أسست الوكالة اليهوديةجهاز مخابرات يتبعه قسم عربي يترأسه موشيه شاريت. وقد قام الموساد عام 1937 بتأسيسمركز لتدريب بعض اليهود العرب على أعمال الجاسوسية ضد بلادهم أطلقت عليه اسم «الأولاد العرب». وبعد قيام الدولة، تم تجنيد بعض العناصر العربية اليهودية للقيامبأعمال تخريبية تخدم مصالحها، كما حدث في حادثة لافون حينما جنَّد بعض اليهودالمصريين للإساءة إلى العلاقات بين حكومة مصر الثورية الجديدة عام 1952 وحكوماتالدول الغربية. ولقد أدَّى تأسيس الدولة الصهيونية التي تدَّعي أنها دولة يهوديةتُمثِّل كل يهود العالم، ومنهم يهود العالم العربي، إلى الوصول بعملية التهميش إلىذروتها.

ومع هذا، ظلت أغلبية يهود العراق بمنأى عن عملية التهميش آنفةالذكر لبعض الوقت، ولذلك فقد تمتعوا بقدر كبير من الاستقرّار والرخاء الاقتصاديواستفادوا من الازدهار الاقتصادي الذي شهدته البلاد خلال سنوات الحرب العالميةالثانية، ولم يتعرض اليهود إلا لبعض الأحداث المتفرقة التي جاءت كرد فعل إماللتطورات الجارية في فلسطين أو لتصاعد المشاعر المعادية لبريطانيا. وقد كانت أخطرهذه الأحداث الاضطرابات التي جرت عام 1941، والتي جاءت في أعقاب هزيمة قوات رشيدعالي الكيلاني أمام القوات البريطانية وسقوط نظامه. وقد راح ضحية هذه الاضطراباتالتي عُرفت باسم «فرهود» ما بين 170 و180 يهودياً (وعدد أكبر من غير اليهود). وبعدهذه الأحداث، عادت الأمور إلى نصابها. ولذلك، فقد وجدت الحركة الصهيونية صعوبةبالغة في تشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين، واضطرت في نهاية الأمر إلى اللجوء للإرهابضدهم حين دفعت بعملائها ليضعوا متفجرات في المعابد اليهودية وفي أماكن تَجمُّعأعضاء الجماعة حتى يبدو الأمر وكأن المجتمع بدأ يتحرك ضد اليهود.

ولكن هذالا يعني أن كل أعضاء الجماعات اليهودية كانوا ممالئىن للاستعمار الغربي وتحولوا إلىوسطاء له، كما كان يهدف المخطَّط الاستعماري. ذلك أن أعداداً كبيرة من يهود سورياانضمت إلى حركة التحرر الوطني ودعمت المطالب القومية. ومن المعروف أن يعقوب صنوع (أبو نظارة)، وهو كاتب مصري يهودي، هاجم الاستعمار الإنجليزي ونُفي بسبب ذلك. كماأن المصري اليهودي ليون كاسترو كان، وهو رئيـس تحرير جريـدة يومية فرنسـية، من كبارمؤيدي حزب الوفد المصري، ورافق سعد زغلول أثناء مفاوضاته في لندن (لكنه أسس بعد ذلكتنظيماً صهيونياً في مصر، ولعل تأييده للوفد كان يهدف إلى تعميق التيار الوطنيالمصري لعزل مصر عن العالم العربي وبالتالي فلسطين). ويوجد، غير هؤلاء، كثيرون منأثرياء اليهود الذين كانوا جزءاً لا يتجزأ مما يُطلق عليه مُصطلَح «الرأسماليةالوطنية» والذين ارتبطت مصالحهم ورؤيتهم وتطلعاتهم بالوطن الذي يعيشون فيه. ففي مصرمثلاً، ساهمت عائلتا قطاوي وشيكوريل في تأسيس بنك مصر عام 1920، وهو مشروع كان يهدفإلى تقليص اعتماد مصر على رأس المال الأجنبي وإلى إرساء حجر أساس لصناعة وطنيةمستقلة.

ومن المعروف كذلك أن يهود العالم العربي لعبوا دوراً ملحوظاً فيتأسيس الحركات الشيوعية في العالم العربي. وقد كانت هذه الحركات نشاطات، أياً كانتقييم المرء لها، معادية للاستعمار. فقام هنري كورييل بتأسيس الحركة الشيوعيةالمصرية (وثمة دراسات تشير إلى دور كورييل المشبوه). وقد كان هناك وجود يهودي ملحوظفي الحركة الشيوعية في العراق (الصحفي اليهودي نعيم قطان ومراد العماري وغيرهما ممنتبنوا موقفاً معادياً للصهيونية وأسسوا منظمة باسم «عصبة مكافحة الصهيونية»).والواقع أنَّ وجود اليهود في هذه النشاطات بأعداد تفوق نسبتهم العددية أمر ليسمقصوراً عليهم، ففي الكثير من الأحيان يوجد أعضاء الأقليات بنسب كبيرة في الحركاتالثورية والفوضوية. وعلى كلٍّ، فحينما قررت الحركة الشيوعية العراقية أن تلعب دوراًأكثر فاعلية في محيطها العربي، طلبت إلى أعضاء القيادة من اليهود الاستقالة، وقدفعلوا ذلك مؤثرين مصلحة الحزب على مصلحتهم الشخصية.
ولكن الصورة العامةللجماعات اليهودية في العالم العربي هي أنَّ الاستعمار الغربي قد نجح في عزلهاثقافياً عن الثقافة العربية الإسلامية وربطها بمصالحه الاقتصادية ورؤيته الثقافيةومن ثم تحوَّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى مادة بشرية استيطانية لها قابلية عاليةللهجرة. وهذا ما حدث بعد تأسيس إسرائيل إذ اختفى يهود البلاد العربيةتقريباً.