فإن قيل: فالبشارة الثانية وقعت على نبوته؛ أي: لما صبر الأب على ما أمر به وأسلم الولد لأمر الله جازاه الله على ذلك بأن أعطاه النبوة.
قيل: البشارة وقعت على المجموع على ذاته ووجوده وأن يكون نبيا، ولهذا نصب نبيا على الحال المقدر؛ أي: مقدرا نبوته، فلا يمكن إخراج البشارة أن تقع على الأصل ثم تخص بالحال التابعة الجارية مجرى الفضلة؛ هذا محال من الكلام، بل إذا وقعت البشارة على نبوته فوقوعها على وجوده أولى وأحرى.
وأيضا فلا ريب أن الذبيح كان بمكة، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها كما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار تذكيرا لشأن إسماعيل وأمه وإقامة لذكر الله، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق وأمه، ولهذا اتصل مكان الذبح وزمانه بالبيت الحرام الذي اشترك في بنائه إبراهيم وإسماعيل، وكان النحر بمكة من تمام حج البيت الذي كان على يد إبراهيم وابنه إسماعيل زمانا ومكانا، ولو كان الذبح بالشام كما يزعم أهل الكتاب ومن تلقى عنهم لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة.
وأيضا فإن الله سبحانه سمى الذبيح حليماً؛ لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه، ولما ذكر إسحاق سماه عليما؛ ف    : {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون} إلى أن قال: {قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم} وهذا إسحاق بلا ريب لأنه من امرأته، وهي المبشرة به، وأما إسماعيل فمن السرية.
وأيضا فإنهما بشرا به على الكبر واليأس من الولد، وهذا بخلاف إسماعيل فإنه ولد قبل ذلك.
وأيضا فإن الله سبحانه أجرى العادة البشرية أن بكر الأولاد أحب إلى الوالدين ممن بعده، وإبراهيم عليه السلام لما سأل ربه الولد ووهبه له تعلقت شعبة من قلبه بمحبته، والله تعالى قد اتخذه خليلا والخلة منصب يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة وأن لا يشارك بينه وبين غيره فيها، فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد جاءت غيرة الخلة تنتزعها من قلب الخليل، فأمره بذبح المحبوب، فلما أقدم على ذبحه وكانت محبة الله أعظم عنده من محبة الولد خلصت الخلة حينئذ من شوائب المشاركة فلم يبق في الذبح مصلحة إذ كانت المصلحة إنما هي في العزم وتوطين النفس عليه، فقد حصل المقصود فنسخ الأمر وفدي الذبيح وصدق الخليل الرؤيا وحصل مراد الرب.
ومعلوم أن هذا الامتحان والاختبار إنما حصل عند أول مولود ولم يكن ليحصل في المولود الآخر دون الأول، بل لم يحصل عند المولود الآخر من مزاحمة الخلة ما يقتضي الأمر بذبحه، وهذا في غاية الظهور.
وأيضا فإن سارة امرأة الخليل غارت من هاجر وابنها أشد الغيرة فإنها كانت جارية، فلما ولدت إسماعيل وأحبه أبوه اشتدت غيرة سارة، فأمر الله سبحانه أن يبعد عنها هاجر وابنها ويسكنها في أرض مكة لتبرد عن سارة حرارة الغيرة، وهذا من رحمته تعالى ورأفته، فكيف يأمره سبحانه بعد هذا أن يذبح ابنها ويدع ابن الجارية بحاله؟! هذا مع رحمة الله لها وإبعاد الضرر عنها وجبره لها، فكيف يأمر بعد هذا بذبح ابنها دون ابن الجارية؟! بل حكمته البالغة اقتضت أن يأمر بذبح ولد السرية فحينئذ يرق قلب السيدة عليها وعلى ولدها وتتبدل قسوة الغيرة رحمة ويظهر لها بركة هذه الجارية وولدها وأن الله لا يضيع بيتا هذه وابنها منهم، وليري عباده جبره بعد الكسر ولطفه بعد الشدة وأن عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم إلى ذبح الولد آلت إلى ما آلت إليه من جعل آثارهما ومواطئ أقدامهما مناسك لعباده المؤمنين، ومتعبدات لهم إلى يوم القيامة، وهذه سنته تعالى فيمن يريد رفعه من خلقه أن يمن عليه بعد استضعافه وذله وانكساره،     : {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم).

· وقال في (إغاثة اللهفان 2/354):
(وتوسطت طائفة ثالثة وقالوا: قد زيد فيها وغير ألفاظ يسيرة، ولكن أكثرها باق على ما أنزل عليه، والتبديل في يسير منها جدا، وممن اختار هذا القول شيخنا في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) قال: وهذا كما في التوراة عندهم أن الله سبحانه وتعالى قال لإبراهيم عليه السلام: اذبح ولدك بكرك ووحيدك إسحاق، فإسحاق زيادة منهم في لفظ التوراة.
قلت: وهي باطلة قطعا من عشرة أوجه:
أحدها: أن بكره ووحيده هو إسماعيل باتفاق الملل الثلاث، فالجمع بين كونه مأمورا بذبح بكره وتعيينه بإسحاق جمع بين النقيضين.
الثاني: أن الله سبحانه وتعالى أمر إبراهيم أن ينقل هاجر وابنها إسماعيل عن سارة ويسكنها في برية مكة لئلا تغير سارة، فأمر بإبعاد السرية وولدها عنها حفظا لقلبها ودفعا لأذى الغيرة عنها، فكيف يأمر الله سبحانه وتعالى بعد هذا بذبح ابن سارة وإبقاء ابن السرية؟! فهذا مما لا تقتضيه الحكمة.
الثالث: أن قصة الذبح كانت بمكة قطعا، ولهذا جعل الله تعالى ذبح الهدايا والقرابين بمكة تذكيرا للأمة بما كان من قصة أبيهم إبراهيم مع ولده.
الرابع: أن الله سبحانه بشر سارة أم إسحاق بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فبشرها بهما جميعا، فكيف يأمر بعد ذلك بذبح إسحاق وقد بشر أبويه بولد ولده؟!
الخامس: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر قصة الذبيح وتسليمه نفسه لله تعالى وإقدام إبراهيم على ذبحه وفرغ من قصته قال بعدها: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين}، فشكر الله تعالى له استسلامه لأمره وبذل ولده له، وجعل من إثابته على ذلك أن آتاه إسحاق، فنجى إسماعيل من الذبح وزاده عليه إسحاق.
السادس: أن إبراهيم صلوات الله تعالى وسلامه عليه سأل ربه الولد فأجاب الله دعاءه وبشره، فلما بلغ معه السعي أمره بذبحه     : {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم} فهذا دليل على أن هذا الولد إنما بشر به بعد دعائه وسؤاله ربه أن يهب له ولدا، وهذا المبشر به هو المأمور بذبحه قطعا بنص القرآن، وأما إسحاق فإنما بشر به من غير دعوة منه، بل على كبر السن وكون مثله لا يولد له، وإنما كانت البشارة به لامرأته سارة، ولهذا تعجبت من حصول الولد منها ومنه؛     : {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله} فتأمل سياق هذه البشارة وتلك تجدهما بشارتين متفاوتتين؛ مخرج إحداهما غير مخرج الأخرى، والبشارة الأولى كانت له والثانية كانت لها، والبشارة الأولى هي التي أمر بذبح من بشر فيها دون الثانية.
السابع: أن إبراهيم عليه السلام لم يقدم بإسحاق إلى مكة البتة، ولم يفرق بينه وبين أمه، وكيف يأمره الله تعالى أن يذهب بابن امرأته فيذبحه بموضع ضرتها في بلدها ويدع ابن ضرتها؟!
الثامن: أن الله تعالى لما اتخذ إبراهيم خليلا؛ والخلة تتضمن أن يكون قلبه كله متعلقا بربه ليس في شعبة لغيره، فلما سأله الولد وهبه إسماعيل فتعلق به شعبة من قلبه، فأراد خليله سبحانه أن تكون تلك الشعبة له ليست لغيره من الخلق، فامتحنه بذبح ولده، فلما أقدم على الامتثال خلصت له تلك الخلة وتمحضت لله وحده، فنسخ الأمر بالذبح لحصول المقصود وهو العزم وتوطين النفس على الامتثال.
ومن المعلوم أن هذا إنما يكون في أول الأولاد لا في آخرها، فلما حصل هذا المقصود من الولد الأول لم يحتج في الولد الآخر إلى مثله، فإنه لو زاحمت محبة الولد الآخر الخلة لأمر بذبحه كما أمر بذبح الأول، فلو كان المأمور بذبحه هو الولد الآخر لكان قد أقره في الأول على مزاحمة الخلة به مدة طويلة ثم أمره بما يزيل المزاحم بعد ذلك، وهذا خلاف مقتضى الحكمة فتأمله.
التاسع: أن إبراهيم عليه السلام إنما رزق إسحاق عليه السلام على الكبر، وإسماعيل عليه السلام رزقه في عنفوانه وقوته، والعادة أن القلب أعلق بأول الأولاد وهو إليه أميل وله أحب بخلاف من يرزقه على الكبر، ومحل الولد بعد الكبر كمحل الشهوة للمرأة.
العاشر: أن النبي كان يفتخر بقوله: "أنا ابن الذبيحين" يعني: أباه عبد الله وجده إسماعيل.
والمقصود أن هذه اللفظة مما زادوها في التوراة).

· وقال السبكي في (الفتاوى ص102):
(تكلم الناس في أن الذبيح إسماعيل أو إسحاق عليهما السلام، ورجح جماعة أنه (إسماعيل)، واحتجوا له بأدلة؛ منها: وصفه بالحلم، وذكر البشارة بإسحاق بعده والبشارة بيعقوب من وراء إسحاق، وغير ذلك.
وهي أمور ظاهرة لا قطعية؛ وتأملت القرآن فوجدت فيه ما يقتضي القطع أو يقرب منه ولم أر من سبقني إلى استنباطه؛ وهو:
أن البشارة مرتين؛ مرة في قوله: {إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك} فهذه الآية قاطعة في أن هذا المبشر به هو الذبيح.
وقوله تعالى: {وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب} صرح في هذه الآية أن المبشر به فيها إسحاق ولم تكن بسؤال من إبراهيم عليه السلام؛ بل قالت امرأته: إنها عجوز وإنه شيخ، وكان ذلك في الشام لما جاءت الملائكة إليه بسبب قوم لوط عليه السلام وهو في أواخر أمره، وأما البشارة الأولى فكانت لما انتقل من العراق إلى الشام حين كان سنه لا يستغرب فيه الولد؛ ولذلك سأله، فعلمنا بذلك أنهما بشارتان في وقتين بغلامين؛ إحداهما: بغير سؤال وهي بإسحاق صريحاً، والثانية: كانت بسؤال وهي بغيره، فقطعنا بأنه إسماعيل وهو الذبيح. والله أعلم
ولا يرد هذا قوله: {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} ووجه الإيراد ذكر هبة إسحاق بعد الإنجاء، لأنا نقول: لما ذكر لوطا وإسحاق عليهما السلام هو المبشر به في قصة لوط ناسب ذكره ولم يكن في الآية ما يدل على التعقيب، والبشارة الأولى لم يكن للوط فيها ذكر. والله أعلم).

· وقال السبكي الابن في (الإبهاج 2/237):
(الصحيح عن جمهور العلماء أن الذبيح هو (إسماعيل) عليه السلام؛ واحتجوا له بأمور كلها ظاهرة غير قطعية، واستنبط والدي رضي الله عنه من القرآن دليلا على ذلك يقارب القطع أو يقتضي القطع بذلك لم يسبقه إليه أحد؛ وهو:
أن البشارة التي وقعت لإبراهيم عليه السلام بالولد من الله تعالى كانت مرتين: مرة في قوله: {إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك} فهذه الآية قاطعة في أن هذا المبشر به هو الذبيح.
وقوله تعالى: {وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب} فقد صرح في هذه الآية أن المبشر به فيها إسحاق، ولم يكن سؤال من إبراهيم عليه السلام، بل قالت امرأته أنها عجوز وأنه شيخ، وكان ذلك في الشام لما جاءت الملائكة إليه بسبب قوم لوط وهو في أواخر أمره، وأما البشارة الأولى لما انتقل من العراق إلى الشام حين كان سنه لا يستغرب فيه الولد، ولذلك سأله؛ فعلمنا بذلك أنهما بشارتان في وقتين بغلامين: أحدهما: بغير سؤال وهو إسحاق صريحاً، والثانية: قبل ذلك بسؤال؛ وهو غيره، فقطعنا بأنه إسماعيل وهو الذبيح.
ولا يرد على هذا قوله: {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} ووجه الإيراد ذكر هبة إسحاق بعد الإنجاء، لأنا نقول: لما ذكر لوطا وإسحاق هو المباشر به في قضية لوط ناسب ذكره ولم يذكره، ولم يكن في الآية ما يدل على التعقيب، والبشارة الأولى لم يكن للوط فيها ذكر. والله أعلم).

· قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري 12/378):
(وهذه الآثار _ أي بقايا قرنا الكبش _ من أقوى الحجج لمن قال إن الذبيح إسماعيل.
وقد نقل ابن أبي حاتم وغيره عن العباس، وابن مسعود، وعن علي، وابن عباس في إحدى الروايتين عنهما، وعن الأحنف، وعن ابن ميسرة، وزيد بن أسلم، ومسروق، وسعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه، وعطاء، والشعبي، وكعب الأحبار، أن الذبيح (إسحاق).
وعن ابن عباس في أشهر الروايتين عنه، وعن علي في احدي الروايتين، وعن أبي هريرة، ومعاوية، وابن عمر، وأبي الطفيل، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والشعبي في إحدى الروايتين عنهما، ومجاهد، والحسن، ومحمد بن كعب، وأبي جعفر الباقر، وأبي صالح، والربيع بن أنس، وأبي عمرو بن العلاء، وعمر بن عبد العزيز، وابن إسحاق؛ أن الذبيح (إسماعيل).
ويؤيده ما تقدم، وحديث: "أنا بن الذبيحين" رويناه في الخلعيات من حديث معاوية، ونقله عبد الله بن أحمد عن أبيه، وابن أبي حاتم عن أبيه، وأطنب ابن القيم في (الهدي) في الاستدلال لتقويته، وقرأت بخط الشيخ تقي الدين السبكي أنه استنبط من القرآن دليلا وهو قوله في الصافات: {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين} إلى قوله: {إني أرى في المنام أني أذبحك}، وقوله في هود: {وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق} إلى قوله: {وهذا بعلي شيخا}؛ قال: ووجه الأخذ منهما أن سياقهما يدل على أنهما قصتان مختلفتان في وقتين، الأولى عن طلب من إبراهيم، وهو لما هاجر من بلاد قومه في ابتداء أمره فسأل من ربه الولد فبشره بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك، والقصة الثانية بعد ذلك بدهر طويل لما شاخ واستبعد من مثله أن يجيء له الولد، وجاءته الملائكة عندما أمروا بإهلاك قوم لوط فبشروه بإسحاق، فتعين أن يكون الأول إسماعيل. ويؤيده أن في التوراة أن إسماعيل بكره، وأنه ولد قبل إسحاق.
قلت: وهو استدلال جيد، وقد كنت أستحسنه واحتج به إلى أن مر بي قوله في سورة إبراهيم: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق} فإنه يعكر على قوله: إنه رزق إسماعيل في ابتداء أمره وقوته، لأن هاجر والدة إسماعيل صارت لسارة من قبل الجبار الذي وهبها لها وإنها وهبتها لإبراهيم لما يئست من الولد فولدت هاجر إسماعيل فغارت سارة منها كما تقدمت الإشارة إليه في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء وولدت بعد ذلك إسحاق واستمرت غيرة سارة إلى أن كان من إخراجها وولدها إلى مكة ما كان وقد ذكره بن إسحاق في المبتدأ مفصلا، وأخرجه الطبري في (تاريخه) من طريقه، وأخرج الطبري من طريق السدي قال: انطلق إبراهيم من بلاد قومه قبل الشام فلقي سارة وهي بنت ملك حران فآمنت به فتزوجها، فلما قدم مصر وهبها الجبار هاجر ووهبتها له سارة، وكانت سارة منعت الولد وكان إبراهيم قد دعا الله أن يهب له ولدا من الصالحين فأخرت الدعوة حتى كبر، فلما علمت سارة أن إبراهيم وقع على هاجر حزنت على ما فاتها من الولد.
ثم ذكر قصة مجيء الملائكة بسبب إهلاك قوم لوط وتبشيرهم إبراهيم بإسحاق فلذلك قال إبراهيم: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق}، ويقال: لم يكن بينهما إلا ثلاث سنين، وقيل: كان بينهما أربع عشرة سنة، وما تقدم من كون قصة الذبيح كانت بمكة حجة قوية في أن الذبيح إسماعيل لأن سارة وإسحاق لم يكونا بمكة. والله أعلم).

· قال القرافي في (الذخيرة 4/160):
(قال مالك: الذبيح (إسحاق)، وقال ابن حبيب وأهل العراق وأكثر العلماء: (إسماعيل) لقوله عليه السلام: "أنا ابن الذبيحين" يعني عليه السلام أباه إسماعيل وأباه عبد الله، لأن جده عبد المطلب نذر إذا بلغ ولده عشرة أن ينحر منهم واحدا فلما أكملوا عشرة أتى بهم البيت وضرب عليهم بالقداح ليذبح من خرج قدحه وكتب اسم كل واحد على قدح فخرج قدح عبد الله ففداه بعشرة من الإبل ثم ضرب عليه وعلى الإبل فخرج قدحه ففداه بعشرين إلى أن تمت مائة فخرج القدح على الجزور فنحرها وسن الدية مائة.
ولأن الذبح كان بمنى، وإسحاق كان بالشام.
ولقوله تعالى بعد قصة الذبيح: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} فدل على أن صاحب القصة غير المبشر به.
ولقوله: {ومن وراء إسحاق يعقوب} قال أئمة اللغة: والوراء ولد الولد؛ ومن المحال أن يبشره بأنه يعقب ثم يأمره بذبحه فيعتقد الخليل عليه السلام الذبح).

· وقال الفاكهي في (أخبار مكة 5/126):
(وقد قال الناس في الذبيح ما قالوا، فقالت العرب: هو (إسماعيل)، وقالت طائفة من المسلمين وأهل الكتاب جميعاً: أنه (إسحاق)، فإن أقوال العرب في ذلك أثبت.
فإن الله تعالى عبر عن قصة إسماعيل بقوله: {فبشرناه بغلام حليم} إلى قوله: {إنه من عبادنا المؤمنين}، وأخبر عن قصة إسحاق بقوله: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين}، وإن ذكر قصة إسحاق بعد القصة التي قبلها دليل على أن إسحاق غير الذبيح، وأن ذلك يتأيد بكون سارة بشرت بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، ويعقوب هو ابن إسحاق والبشارة بيعقوب تقتضي حياة أبيه لتصح البشرى فكيف يؤمر بذبح ابنه؟!).

· وقال ابن عابدين في (حاشيته 2/178):
(المختار أن الذبيح إسماعيل. قوله: والمختار أن الذبيح إسماعيل؛ وفي أول الحلية أنه ظهر القولين أهـ .
قلت: وبه قال أحمد؛ ورجحه غالب المحدثين. وقال أبو حاتم: إنه الصحيح. والبيضاوي: إنه الأظهر.
وفي (الهدي): أنه الصواب عند علماء الصحابة والتابعين فمن بعدهم، والقول بأنه إسحاق مردود بأكثر من عشرين وجهاً، نعم ذهب إليه جماعة من الصحابة والتابعين ونسبه القرطبي إلى الأكثرين، واختاره الطبري، وجزم به في (الشفاءة وتمامه في شرح الجامع الصغير) للعلقمي عند حديث الذبيح إسحاق.
قال في (البحر): والحنفية مائلون إلى الأول، ورجحه الإمام أبو الليث السمرقندي في (البستان) بأنه أشبه بالكتاب والسنة.
فأما الكتاب؛ فقوله: {وفديناه بذبح عظيم} ثم قال بعد قصة الذبح: {وبشرناه بإسحاق}.
وأما الخبر؛ فما روي عنه عليه الصلاة والسلام: "أنا ابن الذبيحين" يعني أباه عبد الله وإسماعيل، واتفقت الأمة أنه كان من ولد إسماعيل.
وقال أهل التوراة: مكتوب في التوراة أنه كان إسحاق، فإن صح ذلك فيها آمنا به. أهـ
ونقل (ح) عن الخفاجي في (شرح الشفاء): أن الأحسن الاستدلال بقوله تعالى: {ومن وراء إسحاق يعقوب} فإنه مع إخبار الله تعالى أباه بإتيان يعقوب من صلب إسحاق لا يتم ابتلاؤه بذبحه؛ لعدم فائدته حينئذ. أهـ
أي: لأنه أمر بذبحه صغيراً؛ فلا يمكن أن يكون الأمر بعد خروج يعقوب من صلبه فافهم).
· وقال في (الحاشية 6/754):
(وينبغي أن لا يسأل الإنسان عما لا حاجة إليه؛ كأن يقول: كيف هبط جبريل؟ وعلى أي صورة رآه النبي حين رآه على صورة البشر؟ هل بقي ملكا أم لا؟ وأين الجنة والنار؟ ومتى الساعة ونزول عيسى؟ وإسماعيل أفضل أم إسحاق؟ وأيهما الذبيح؟ وفاطمة أفضل من عائشة أم لا؟ وأبوا النبي كانا على أي دين؟ وما دين أبي طالب؟ ومن المهدي؟ إلى غير ذلك مما لا تجب معرفته ولم يرد التكليف به).

· وقال الطحطاوي في (حاشيته على مراقي الفلاح ص354):
(والمختار أن الذبيح إسماعيل عليه السلام، وفي القاموس أنه الأصح).

· وقال ابن أمير الحاج في (التقرير والتحبير 3/69):
(اختلف في الذبيح؛ قال أبو الربيع الطوفي: فالمسلمون على أنه إسماعيل، وأهل الكتاب على أنه إسحاق، وعن أحمد فيه القولان. انتهى
ويعكره ما في (الكشاف)؛ فعن ابن عباس، وابن عمر، ومحمد بن كعب القرظي، وجماعة من التابعين؛ أنه إسماعيل، وعن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، والعباس، وعطاء، وعكرمة، وجماعة من التابعين؛ أنه إسحاق.
وعزى الفقيه أبو الليث الأول إلى مجاهد، وابن عمر، ومحمد بن كعب القرظي. والثاني إلى ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، وأبي هريرة، وعبد الله بن سلام. قال: وهكذا قال أهل الكتابين.
وذكر كونه (إسحاق) عن الأكثرين المحب الطبري، وكونه (إسماعيل) عنهم النووي، وصحح القرافي أنه إسحاق، وابن كثير أنه إسماعيل؛ وزاد: ومن قال إنه إسحاق فإنه تلقاه مما حرفه النقلة من بني إسرائيل. انتهى
وذكر الفاكهي: أنه أثبت. والبيضاوي: أنه الأظهر، وهو كذلك إن شاء الله تعالى، وعليه مشى المصنف في مسألة: يجوز بأثقل، والحجج من الطرفين لها موضع غير هذا).

· وقال ابن كثير في (تفسيره 2/453):
({فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} أي: بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل، فإن يعقوب ولد إسحاق كما قال في آية البقرة: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذا قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون}، ومن ها هنا استدل من استدل بهذه الآية على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحاق، لأنه وقعت البشارة به وأنه سيولد له يعقوب، فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير ولم يولد بعد يعقوب الموعود بوجوده؛ ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبح هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون هو إسماعيل، وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه ولله الحمد).
· وقال في (تفسيره 4/15):
(قال الله تعالى: {فبشرناه بغلام حليم} وهذا الغلام هو إسماعيل عليه السلام، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم عليه السلام، وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل عليه السلام ولد ولإبراهيم عليه السلام ست وثمانون، وولد إسحاق وعمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام تسع وتسعون سنة، وعندهم أن الله تبارك وتعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة بكره، فأقحموا هاهنا كذباً وبهتاناً إسحاق، ولا يجوز هذا؛ لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنما أقحموا إسحاق لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب، فحسدوهم فزادوا ذلك وحرفوا وحيدك بمعنى الذي ليس عندك غيره، فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى مكة، وهو تأويل وتحريف باطل، لا يقال وحيدك لمن ليس له غيره، وأيضا فإن أول ولد له يعزه ما ليس لمن بعده من الأولاد، فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار.
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكى ذلك على طائف من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة رضي الله عنه أيضا، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تلقي إلا عن طريق أحبار أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلماً من غير حجة، وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بغلام حليم، وذكر أنه الذبيح؛ ثم قال بعد ذلك: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين}، ولما بشر الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: {إنا بشرناك بغلام عليم}، و    : {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} أي: يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب فيكون من ذريته عقب ونسل، وقد قدمنا هناك أن لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير؛ لأن الله تعالى قد وعدهما بأنه سيعقب ويكون له نسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرا؟! وإسماعيل وصف هاهنا بالحليم لأنه مناسب لهذا المقام.
قال: فعن ابن عباس رضي الله عنهما في تسمية الذبيح روايتان؛ والأظهر عنه إسماعيل لما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
قال: وإنما عول ابن جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى: {فبشرناه بغلام حليم}، فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله تعالى: {وبشروه بغلام عليم} وأجاب البشارة بيعقوب: بأنه قد كان بلغ معه السعي؛ أي العمل، ومن الممكن أنه قد كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضا. قال: وأما القرنان اللذان كانا معلقين بالكعبة فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد كنعان. قال: وقد تقدم أن من الناس من ذهب إلى أنه ذبح إسحاق هناك.
هذا ما اعتمد عليه في تفسيره، وليس ما ذهب إليه بمذهب، ولا لازم، بل هو البعيد جداً، والذي استدل به محمد بن كعب القرظي أنه إسماعيل؛ أثبت وأصح وأقوى والله أعلم).

هذا ما أردنا جمعه في عجالة واقتضاب لكي يتضح لك أيها القارئ الكريم الصحيح الصواب في تعيين من هو الذبيح.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى آمين. وصلى الله وسلم على نبينا ورسولنا محمد.


http://majles.alukah.net/showthread.php?t=42346