الدور الغربي في المأساة الليبيَّة![]()
د. ياسر سعد
لا يمكن اعتبار الدور الغربي بأنه متواطئ مع القذافي في جرائم الحرب التي يرتكبها بحق شعبه فحسب، بل هو مشارك وبفعالية فيما يتعرَّض له الليبيون من محن وابتلاءات، ولا يتوقف الأمر عند المواقف الهزليَّة والسلبيَّة والتي وقفتها كثير من الدول الغربية في جرائم الحرب التي يقترفها القذافي، بل ويتعداه إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، المواقف الغربيَّة والتي كان أسوأها على الإطلاق في بداية الأحداث موقف رئيس الوزراء الإيطالي سلفيو برلسكوني، والذي قال بأنه لا يريد إزعاج القذافي بشأن حركة الاحتجاجات، أما المواقف الأخيرة والتي جاءت بعد تواتر الأنباء عن استخدام الأسلحة الثقيلة ضد المواطنين وحتى ما بعد خطاب القذافي، والذي أعلن فيه الحرب التدميريَّة على ليبيا وأهلها، فإنها في مجملها مواقف باهتة تدعو الحكومة الليبية للحوار ولا ندري مع من أو كيف وقد أعلن الشعب الثورة عليها، أو تعلن أنها تدرس القيام بخطوات مناسبة في أوقات مناسبة، وكأن الهدف منها إعطاء القذافي الوقت لعلَّه ينجح في سحق انتفاضة الغضب الشعبيَّة.
النفاق الغربي وازدواجية معاييره أصبحت من المسلمات السياسيَّة، فالولايات المتحدة والتي فتكت وتفتك بالعراقيين والأفغان شنت هي وحلفاؤها حملات محمومة على السودان بذريعة قيام قواته بحملات إبادة وجرائم حرب في دارفور دون أن نرى في وسائل الإعلام صورة واحدة لتلك الجرائم، فيما الصور الساكنة والمتحركة تتوافد من ليبيا -كما حصل في غزة- توثّق الجرائم والمجازر لنشهد ردود فعل باردة وهادئة ولا تتناسب مع محرقة القذافي الإجراميَّة، ولعلَّ خطاب القذافي والذي تحدث فيه عن الدولة الإسلامية والنفط وتقسيم البلاد يتناغم مع الأطروحات الغربيَّة والتي تسوِّق للإرهاب في معرض التبرير للسياسات الاستعمارية الجديدة والحديث عن أسلمة أوروبا وعن هويتها.
فبحسب علمي لم يخرج صوت من الفاتيكان، والذي كثيرًا ما حذَّر "البابا" فيه من الخطر الإسلامي، يندِّد بجرائم القذافي المروعة، كما أن الحديث عن تقسيم البلاد يتناغم مع التوجه الغربي والصهيوني لإعادة رسم المنطقة وتفتيتها كما يحصل في السودان والعراق، وكأن القذافي يقدم نفسه أداة طيِّعة في هذا المشروع.
حديث القذافي عن الإرهاب المزعوم يعيدنا إلى أواخر عام 2008 حين كشفت وزارة الخارجية الأمريكيَّة النقاب عن قيام طرابلس الغرب بدفع 1.5 مليار دولار لصندوق ضحايا "الإرهاب"، وليوضح ديفيد وولش مساعد وزيرة الخارجيَّة أن دفع التعويضات "يزيلُ تلك العقبة الأخيرة أمام علاقة طبيعية بين الولايات المتحدة وليبيا"، فيما وصف بيان للخارجية الأمريكيَّة ليبيا بأنها شريك مهم في تنسيق الجهود المشتركة ضدّ "الإرهاب", قائلا إنها "تعد نموذجًا للدول التي ترغب في تجنب العزلة والاندماج في المجتمع الدولي".
لقد كان التصرف الأمريكي في قضية لوكربي مشينًا ومهينًا لقيم العدالة وحقوق الإنسان، فالقبول الدولي للقذافي بعد اعترافه بتفجير الطائرة مقابل تعويضات مالية ضخمة من أموال الشعب المسحوق هو تصرُّف منافق ويعيد للواجهة مسألة تعريف الإرهاب خصوصًا مع اعتبار القذافي لاحقًا شريكًا في الحرب الأمريكية على "الإرهاب"، فتاريخ القذافي الإرهابي المفترض بحق الأمريكيين يمكن محوه والتجاوز عنه بدفع المليارات بغضّ النظر عما إذا استمرَّ الفعل الإرهابي يتوغل ويتغول بحق الشعب الليبي، وبمجرد ما وافق القذافي على تفكيك ترسانته العسكرية، أصبح الرجل قبلة لزيارات القادة الغربيين وأصبحت خصاله مادة مفضلة لغزلهم ومديحهم، فجاك سترو وزير خارجيَّة بريطانيا وصف القذافي بالقائد الليبي الشجاع، وسارع توني بلير رئيس وزراء بريطانيا حينها لزيارة طرابلس في ربيع 2004 ليلتقي بالدكتاتور الليبي واصفًا إياه بأنه أظهر "شجاعة شخصيَّة"، وقال بلير: إن محادثاته مع القذافي، كانت "إيجابية وبنَّاءة"، معلنًا أن "لدينا الآن تعاونًا قويًّا جدًّا في مجالات الدفاع ومكافحة الإرهاب"، ولينتهي المطاف بالسياسي الأوربي والبريطاني العام الماضي مستشارًا للقذافي، ولا أدري إن كان لبلير كمستشار أي دور في ما يجري الآن في ليبيا.
أما الرئيس الفرنسي ###ولا ساركوزي وفي سياق دفاعه عن زيارة القذافي المثيرة للجدل لباريس، قد تجاوز حدود المنطق والأدب الدبلوماسي وحتى الإنساني بقوله لصحيفة "لونوفيل أوبزرفاتور": إن القذافي لا ينظر إليه كديكتاتور في العالم العربي، وأضاف ساركوزي للصحيفة أن "الرئيس الليبي هو أقدم حاكم عربي في المنطقة، وهذا أمر له حسابه في العالم العربي" ولست أدري بأي صفة أو صيغة يتكلم ساركوزي وبطريقة فظَّة باسم العالم العربي, ومن أخبره بأن في حسابات العالم العربي أقدميَّة للحاكم؟ وفي معرض تبريره لدعم نظام بن علي خلال زيارته لتونس 2008، قال ساركوزي: "إذا أقيم غدًا نظام حُـكم على غِـرار طالبان في إحدى دول شمال إفريقيا، فمَـن يصدِّق أن أوروبا أو فرنسا يُـمكن أن تشعرا بالأمان".
إن نموذج القذافي يعتبر بالنسبة للمصالح الغربية الأمثل والأجدى، فمن مصلحة الغرب أن يتعامل مع دكتاتور يمكن القيام معه بصفقات وعقود ضخمة تسليحًا وتفكيكًا، وتدميرًا وتعميرًا دون مساءلة ولا محاسبة، والاستفادة من خبرات نظامه الشمولي الأمنية والقمعيَّة في مكافحة "الإرهاب" وحراسة أوروبا من الهجرة غير الشرعية والإبقاء على بلادنا متخلفة، لتبقى ما بقيت الدكتاتورية أسواقًا استهلاكيَّة جاذبة للمشاريع الخارجيَّة وطاردة للعقول والخبرات الوطنيَّة والتي يستقطبها الغرب مستفيدًا من طاقاتها وإبداعاتها.





رد مع اقتباس
المفضلات