[frame="1 10"]ولما كثر نشاط بن تومرت في مدينة مراكش خاصة في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والطعن في أمير المسلمين علي بن يوسف استدعاه علي للاطلاع على حقيقة امره، فلما حضر بين يديه استطاع ابن تومرت أن يقنعه بأنه زاهد وليس له أي مطمع دنيوي، وإنما يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتفشي المفاسد والبدع في ملك أمير المسلمين الذي هو مكلف بإزالتها، والعمل على إحياء السنة، وكان يتحدث بأسلوب مؤثر وقع في نفس أمير المسلمين فذرفت دموعه على وجنتيه.
ولم تعم فصاحة وأسلوب ابن تومرت المؤثر أمير المسلمين علي بن يوسف عن خطورة دعوته فدعا العلماء من كل صوب لمناظرته لمعرفة حقيقة هذا الرجل، فإن كان على حق اتبع وإن كان على جهل أدب.
وكانت المناظرة فرصة لاتعوض لابن تومرت، لأنها ستتيح له إبراز مالديه من علم، وإظهار علماء مراكش بمظهر العاجزين أمام سطوع حجته وفصاحته. وهي أيضاً وسيلة دعائية ممتازة لدعوته لأن ماستسفر عنه ستتناقله الألسن، وستطير أخبار هذه المناظرة ونتيجتها في الآفاق، فهي بحق بطاقة تعريف جيدة لداعية مغمور.
وسيدفع الفضول كثيرين من الحضور وأفراد الرعية إلى مقابلة الداعية الجديد للاستفسار عن حقيقة دعوته، وعن بعض القضايا التي أثيرت في المناقشة مما يتيح له فرصة ممتازة لتوضيح فكره، وهذا ما يسعى اليه لضم
أعداد جديدة الى صفوفه.
وقبل بدء المناظرة في مجلس أمير المسلمين علي الغاص بالعلماء والأعيان، قدم علماء الدولة المرابطية - الذين كانوا يجهلون علم الأصول والجدل - عنهم قاضي المرية محمد بن أسود ليمثلهم في هذه المناظرة.
وأخذ ابن تومرت يسخر كل كلمة في المناظرة لتصوير فساد الأوضاع في الدولة المرابطية، فأوضح أن الخمور تباع جهاراً نهاراً، وان الخنازير تمشي في الشوارع وان اموال اليتامى تؤكل، ويبين أن الذي يتحمل المسؤولية هم حاشية أمير المسلمين لاخفائهم تلك الأوضاع عنه.
وبعد أن كشف عن سوء الأوضاع أراد ان يثبت عجز العلماء مراكش عن مجاراته في العلم، فطرح عليهما بعض الاسئلة التي لم يستطيعوا الإجابة عليها. فلما رأى عجزهم عن الاجابة بدأ يوضح ماعجزوا عنه بأسلوب أخاذ، يسخر له كل ثقافته وفصاحته، وهكذا انتهت المناظرة لصالح ابن تومرت.
لقد تنبه الفقيه مالك بن وهيب الأندلسي إلى أن بن تومرت ليس طالب آخره وإنما هو طالب سلطان، وأشار على الأمير علي بن يوسف بقتله ليكتفي شره، لأنه إذا وقع في بلاد المصامدة ألبهم على المرابطين. ولكن وزير علي بن يوسف ينتان بن عمر، وسير بن وربيل، أقنعا أمير المسلمين علي بن يوسف بعدم الأخذ برأي مالك بن وهيب.
وألحّ مالك بن وهيب على أمير المسلمين بتخليده في السجن اذا لم يقتله، وقال له: "اجعل عليه كبلاً كي لاتسمع له طبلاً" فوافقه على ذلك .
وحال ينتان مرة ثانية دون الأخذ برأي مالك بن وهيب والذي خاطب أمير المسلمين قائلاً: "يا أمير المسلمين هذا وهن في حق الملك أن تلتفت لهذا الرجل الضعيف فخلِّ سبيله انه رجل لايملك سد جوعه" . لقد أصابت كلمات الوزير ينتان عزة نفس أمير المسلمين فاستصغر شأنه وأمر بإطلاق سراحه على شرط أن يخرج من بلاد أمير المسلمين .
وتوجه ابن تومرت إلى مقبرة ابن حيدروس، بالقرب من مراكش وبنى فيها خيمته وكان ذلك الاختيار يدل على ذكاء خارق، فهو إيماءة لأمير المسلمين بأنه رجل يريد الآخرة فيقطع بذلك دابر كل وشاية عليه من قبل المناوئين له. كما ان اختيار هذا المكان سيدفع الكثير من الفضوليين الى القدوم إليه للاستفسار عن أحوال هذا العابد الذي نبذ الحياة وزخرفها وارتضى الحياة بين الأموات فيبث أفكاره بينهم فمن اقتنع ضمه اليه.
والمقبرة من ناحية اخرى مكان مناسب وهادئ، وبعيد عن الأعين، فيتحدث هناك بما يشاء إلى تلاميذه، وفعلاً توافد عليه الطلاب حتى كثر جمعه.
إن ابن تومرت لكي يضمن لدعوته النجاح والانتشار سلك الخطوات التالية:-
1- اظهار للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقمصه لأساليب وشخصيات المصلحين، فقد انتحل ابن تومرت صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبدأ بهذا النهج منذ وقت مبكر وذلك حينما كان بمكة بعد عودته من العراق حيث استغل تجمع المسلمين فيها، فأخذ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى ناله شيء من الأذى بسبب ذلك .
ويبدو أن ابن تومرت كان يهدف من وراء اظهاره للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى تحقيق غرضين: الأول منهما هو لفت انظار الناس إليه من البلاد التي مر بها حتى يعد من المصلحين، أما الثاني فهو تكوين بعض الخلايا السرية في تلك البلاد من الأفراد الذين يعجبون بمنهجه، وذلك ليكونوا دعاة إلى أفكاره ومبادئه، وقد نجح في ذلكم حيث يذكر البيذق أنه كان كان لابن تومرت بمصر واحد وخمسون رجلاً من أهلها "وكانوا له مثل أعضائه وجسده سامعين لقوله مجيبين لأمره مؤمنين به. ولما تبين حالهم بذلك اختار لهم الاقامة هناك..." .
ان ابن تومرت لما وصل إلى بلاد المغرب انتقل من الجانب التنظيري في دعوته، الى الجانب العملي حيث جد في تكوين قاعدة لدعوته، وكانت وسيلته المعلنة في ذلك هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واقامة حلقات للتدريس ينشر من خلالها افكاره ليستقطب بعد ذلك من يتقبلها من تلاميذه.
ويبدو أن جرأة ابن تومرت في الكلام، وتظاهره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى جانب كونه يتوجه في دعوته الى التجمعات الشعبية العامة كانت من العوامل القوية لنجاح دعوته في هذه المرحلة حيث يذكر تلميذه البيذق، أنه ما أن حل ببلاد المغرب الأدنى حتى كثر حوله المؤيدون والأنصار، فاختار بعضهم ممن يتوسم فيهم القبول المطلق لدعوته ومخايل الذكاء والنجابة، وتوجه بهم إلى بلاد المغرب الأقصى.
كانت هذه الخطوة الأولى التي نهجها ابن تومرت لنشر دعوته، ومن خلال تتبعنا لهذه الخطوة ندرك أن ابن تومرت قد نهج عدد من السبل حتى يظهر دعوته للناس، ويجمع حوله المؤيدين والأنصار ومن هذه السبل مايلي:
أ- أنه تدرج في اظهار دعوته، كما البسها الصبغة الاصلاحية، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ب- أنه خاطب بها الجهال والسذج من الناس الذين لايدركون حقيقة مافيها من انحراف عن منهج أهل السنة والجماعة، حيث توجه بها إلى قوم صيام عن جميع العلوم كما يقول المراكشي .
جـ- أنه كان يبالغ في انكار المنكر على الحكام الذي يمر بديارهم كما فعل مع العزيز بن المنصور بن الناصر بن علناس بن حماد صاحب بجاية، ومع علي بن يوسف بن تاشفين زعيم دولة المرابطين وذلك لكي يكسب بهذه الجرأة مكانة عند الناس.
د- مما يلحظ على ابن تومرت أثناء هذه المرحلة من دعوته أنه بالرغم من تظاهره بالتقى والصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أنه كان لايتورع عن الكذب حتى أثناء قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث يذكر البيذق أنه كان إذا خشي بطشاً وهو يأمر بالمعروف خلط في كلامه حتى ينسب إلى الجنون وهذا النهج منهج كثير من الفرق الباطنية حيث يلجأون إلى الكذب وإلى العبارات الموهمة حتى لاتنكشف حقائقهم
يقول ابن العماد: (جرّه اقدامه وجرأته على حب الرياسة والظهور وارتكاب المحظور ودعوى الكذب والزور من أنه حسني وهو هرغي بربري وانه معصوم وهو بالاجماع مخضوم...)
يتبع [/frame]
المفضلات