السلام عليكم
اللائكية في ميزان العقل والنقل (5)(4) ترجمة خاصة: Socialism and Religion, Lenin
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
العلمانية الشيوعية في تونس:
في ندوة صحفية عقدها حزب العمال الشيوعي التونسي يوم الأربعاء 23 مارس 2011م بمناسبة الاعتراف به، ألحّ حمة الهمامي "على ضرورة فصل الدين عن الدولة"، واعتبر " أن علاقة الدولة بالدين لا ترتبط بالهوية التونسية التي تمتد على أكثر من ثلاثة آلاف سنة، ولكن العلاقة ومسألة الدين والدولة مربوطة أساسا بالحريات وحقوق الإنسان. هذا النقاش قد يتحوّل إلى الشجرة التي تحجب الغابة. عربي ومسلم من أجل ماذا؟ تساءل الهمامي مؤكدا على قيمة الفكر والديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة وحرية الإبداع"(1).
ورغم الدعوة إلى العلمانية إلا أن حزب العمال الشيوعي يسعى جاهدا إلى الظهور بمظهر المحايد للدين بل بمظهر المدافع عنه.
يقول حمة الهمامي (في كتاب: في اللائكية): "ولابدّ من الإشارة إلى أن القوى السياسية الظلامية وغيرها من القوى الرجعية روّجت وتروج وابلا من الأكاذيب والافتراءات بشأن اللائكية (أو العلمانية). فهي تزعم أن اللائكية تعني الإلحاد وقمع المؤمنين ومنعهم من ممارسة شعائرهم الدينية في كنف الحرية والطمأنينة. وفي الحقيقة لو عكسوا لأصابوا. فليس ثمة من ضامن لحرية المعتقد أكثر من الدولة اللائكية. إن اللائكية، وليكن ذلك واضحا للجميع، لا تعني الإلحاد، بل فقط تحويل الدولة إلى مؤسسة مدنية تضمن مساواة أبناء الوطن الواحد في الحقوق والواجبات مهما كان جنسهم أو معتقدهم أو مذهبهم. فيمارس المواطن معتقده بكل حرية ودون أن تتدخل الإدارة لتفرض عليه هذا المعتقد أو ذاك أو لتميّز بين هذا المواطن أو ذاك بسب معتقده أو لتمنع الناس من التفكير الحرّ بدعوى أن ذلك مناف لتعاليم الدين، الخ. بعبارة أوضح يعتبر المعتقد في ظل الدولة اللائكية مسألة شخصية يحسمها الفرد بينه وبين نفسه دون أن ينجرّ عن ذلك مساس بحقوقه أو بذاته"(2).
ويقول مبيّنا موقف الاشتراكية من الحرية الدينية (في مطارحات حول قضيّة المرأة: مسألة الحجاب/الخمار والعلمانية): "إن الذين يَعْرِفون التراث الاشتراكي يدركون أن مَن وضعوه وطوّروه لم يدافعوا، خلافا لما تدعيه بعض الأطراف "اليسارية"، عن الأساليب الإدارية القمعية في التعامل مع القضايا العقدية. فـ كارل ماركس وفريدريك أنجلس مؤسّسا الاشتراكية العلمية ناهضا بشدة التطرف اللاديني أو الإلحادي لما فيه من ضرر بقضية العمال والكادحين. إن ماركس الذي دعا الاشتراكيين إلى النضال من أجل تحرير العمال من الأوهام الدينية التي تستغلها البورجوازية لتحملهم على قبول واقعهم المزري والتخلي عن السعادة في دنياهم في انتظار "سعادة الآخرة" التي يُقال لهم إنها ستعوّض لهم بؤسهم الدنيوي، دافع بحزم عن حرية الضمير مؤكدا أنه "ينبغي أن يكون في وسع كل امرئ أن يُلـَبـّيَ حاجاته الدينية والجسدية (الطقوس– من عندنا) على السّواء دون أن يحشر البوليس أنفه في الموضوع" (كارل ماركس- نقد برنامج غوته). وهذا هو معنى أن يكون الدين "قضيّة خاصة بالنسبة إلى الدولة"، لا تتدخل فيه و لا تفرض شكلا من أشكال العقائد أو القناعات على مواطنيها. أما أنجلس الذي كتب الكثير حول الدين وحول الحركات الدينية عبر التاريخ، فإنه سَخـَرَ أيّما سخرية وهو بصدد الرد على الفوضوية والفوضويين الذين يمثلون الترجمة المكثفة للنفسية البرجوازية الصغيرة التي تخفي عجزها بالبريق الراديكالي، سخر من أولئك الذين يزعمون أنهم قادرون على إلغاء الدين من حياة الناس وفرض الإلحاد بمجرد قرار فوقي، مبينا أنه بإمكان المرء أن يُسطـّر ما يريد على الورق دون أن يجد ذلك طريقه إلى التنفيذ، وأن القرارات التعسّفية هي أحسن وسيلة لتقوية القناعات الغيبية. وفي نفس الإطار انتقد أنجلس بشدة قوانين بيسمارك التي سنـّها في إطار ما سُمّي "النضال الثقافي" للتضييق على الحزب الكاثوليكي الألماني بواسطة القمع البوليسي للكاثوليكية والتي لم تجد طريقها إلى التنفيذ بل عُلّقت ثم أُلغيت لطابعها الفوقي التعسّفي، علما وأنها لم تفعل شيئا سوى توطيد الإكليريكيّة الكاثوليكية وإنزال الضرر بقضية الثقافة الفعلية أي الثقافة التقدّميّة التي ترتقي بوعي الشعب (أنجلس، نصوص حول الدين. ص 142 – المنشورات الاجتماعية، فرنسا 1972). لقد اعتبر أنجلس هذا التمشـّي الإداري خطيرا لأنه "يبرز إلى السّطح الانقسامات الدّينيّة بدلا من الانقسامات السّياسيّة و يصرف انتباه فئات من الطبقة العاملة وعناصر ديمقراطية أخرى بعيدا عن المهامّ الجوهريّة للصراع الطبقي والثوري نحو عداء الإكليريكيّة السطحي جدّا و الكاذب بشكل بورجوازيّ جدّا" (لينين، نصوص حول الموقف من الدّين، ص 100-101، دار الطليعة، بيروت،1978). وبناء على هذا الموقف المادّي الجدلي، ناضل أنجلس كما ناضل الاشتراكيون-الديمقراطيون الألمان في أواخر القرن التاسع عشر من أجل إلغاء كلّ التدابير الزجريّة البوليسيّة ضدّ أيّ دين من الأديان في نفس الوقت الذي كانوا يشرحون فيه للعمّال الجذور التاريخيّة و الاجتماعيّة لهذه الأديان و ينبّهونهم إلى دور الكنيسة في محاولة إخضاعهم للاستغلال و إلهائهم عن النضال ضدّه. وكان أوغـست بيبل الزعيم الاشتراكي الألماني سخـر من التطرف اللاديني ونفى أن تكون له صلة بالاشتراكية العلمية واصفا النزعة المتطرفة في معاداة الأكليروس (anti-cléricalisme) بأنها "اشتراكية البورجوازية الصغيرة" باعتبارها تعزل الدين عن قاعدته الاجتماعية وتحاربه بصورة تبشيريّة تجريدية موضحا أن الخطاب المتطرف ضد الدين لا يعني بالضرورة أنه الخطاب القادر على تخليص الجماهير الكادحة من الأوهام الدينية، بل إنه خطاب بورجوازي راديكالي يترجم عن فكرة سطحيّة تزعم أنّ الفكر و الثقافة يفعلان فعلهما بواسطة نفسيهما و ليس من خلال الصراع الطبقي الملموس. وقد انتقد لينين في كتاباته السياسية انتقادا لاذعا دور الكنيسة في مساندة الاستبداد القيصري وبث الأوهام الدينية الرجعية في صفوف العمال والفلاحين حتى يقبلوا بواقعهم المزري ويتخلوا عن النضال من أجل تغييره كي يكدّس الملاكون العقاريون وأصحاب المصانع الثروات على حسابهم و دعا إلى مقاومة تلك الأوهام، ولكنه كان في الآن نفسه حازما بخصوص الأسلوب الذي ينبغي اتـّباعه في هذه المقاومة: لا حربَ سياسيّة على الدّين بل حربًا على الاستغلال الرأسمالي الذي تكمن فيه الجذور الاجتماعيّة للأوهام الدّينيّة، ولا قمعَ بوليسيًّا للأديان و القناعات بل الحريّة لها جميعًا، ولا صراعَ مع العقائد المختلفة إلا بالأسلحة الفكريّة المحظة، ولا تقسيمَ للعمّال والشعوب على أساس العقيدة بل توحيدها ضدّ الاستغلال و الاضطهاد. ولم يتردّد لينين في الدّعوة إلى قبول العمّال المتديّنين في صفوف الحزب طالما أنهم يتبنـّون برنامجه السياسي ويدافعون عنه مشدّدا على عدم توجيه أي إساءة إلى قناعاتهم الدّينيّة. لقد كان الهمّ الأوّل للينين توحيد نضال العمّال ضدّ الاستغلال الرأسمالي باعتباره العامل الذي من شأنه أن يرتقي بوعيهم و يحرّرهم من تأثيرات الكنيسة الرجعيّة. (لينين، نصوص حول الموقف من الدين، دار الطليعة بيروت، الطبعة الثانية 1978). إن هؤلاء المفكرين الاشتراكيين العظام لم يكن برنامجهم السياسي "محاربة الدين" و"نشر الإلحاد"، بل إن هدفهم لم يكن خوض معركة مجردة ومقطوعة عن الواقع ضد الدين..."(3).
حقيقة الشيوعية في تونس:
يصرّ الشيوعيون في تونس على أن اللائكية لا تعني الإلحاد أو محاربة الدين، وقد يكون في هذا الكلام بعض الصواب إذا كان اللائكي غير ملحد، ولكن السؤال الذي يحاول الشيوعيون تجنبه هو: ما موقف الشيوعية من الدين؟ وإذا كانت اللائكية لا تعني الإلحاد بالضرورة، فهل تعنيه الشيوعية بالضرورة أم لا؟
يقول لينين (في الاشتراكية والدين): "يجب أن يعلن الدين كمسألة شخصية. من خلال هذه الكلمات فإن الاشتراكي عادة ما يعبّر عن موقفه تجاه الدين، ولكن لنتجنب سوء الفهم يلزمنا أن نحدّد معنى هذه الكلمات بكل دقة؛ إننا نطالب بأن يكون الدين مسألة شخصية إذا تعلّق الأمر بالدولة، وأما إذا تعلّق الأمر بالحزب فلا يمكننا البتة اعتبار الدين مسألة شخصية. فيجب أن لا تهمّ الدولة بالدين، ويجب أن لا يكون للهيئات الدينية أي صلة بالسلطة الحكومية. كما يجب أن يكون كل شخص حرا في ممارسة أي دين يرغب فيه، وأن يكون حرا أيضا في عدم ممارسة أي دين بمعنى أن يكون ملحدا [غير مؤمن بدين]، وهذا كقاعدة عامة [أي الإلحاد] حال كل اشتراكي... وأما إذا تعلّق الأمر بحزب البروليتاريا الاشتراكية فإن الدين ليس مسألة شخصية. إنّ حزبنا هو جمعية من الطبقة الواعية ومن الطلائع المقاتلة من أجل تحرّر الطبقة العاملة، ومثل هذه الجمعية لا تستطيع، ولا ينبغي لها، أن لا تهتم بغياب الوعي الطبقي والجهل أو الظلامية المتمثلة في شكل عقائد دينية. إننا نطالب بالفصل الكامل للكنيسة عن الدولة حتى نتمكن من محاربة ضبابية الدين بأسلحة أيديولوجية محضة فقط... لقد أوجدنا هذه الجمعية – حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي- تحديدا لهذا الغرض وهو الصراع ضد كل تضليل ديني للعمال. فبالنسبة لنا، ليس الصراع الأيديولوجي مسألة شخصية، إنما هو قضية الحزب بأكمله، وقضية كل البروليتاريا"(4).
هنا، يميّز لينين بين موقفين:
الأول، هو موقف الدولة من الدين: ويقوم هذا الموقف على تبني الدولة لللائكية لعزل الدين عن المجتمع، وحصره في الجانب الخاص كمسألة شخصية؛ من أجل محاربته بأسلحة أيديولوجية.
الثاني، هو موقف الحزب من الدين: ويقوم هذا الموقف على تبني الحزب الاشتراكي الشيوعي للإلحاد كأيديولوجية، مما يعني أنّ الإلحاد ومحاربة الدين هي قضية عقدية لكل ماركسي لينيني شيوعي. "فنقد الدين – عند الماركسية – هو أساس كل نقد". يقول ستالين: "يجب أن يكون مفهوما أن الدين خرافة، وأن فكرة الله خرافة، وأن الإلحاد هو مذهبنا"(5).
وعليه، فإن الإسلام عند الشيوعيين في تونس، خرافة ووهم ومنظومة رجعية ظلامية؛ لأنّ مذهبهم هو الإلحاد وإنكار وجود الله. يقول لينين: "ليس صحيحا أن الله هو الذي ينظم الأكوان... وإنما الصحيح هو أن الله فكرة خرافية اختلقها الإنسان ليبرر عجزه... ولهذا فان كل شخص يدافع عن فكرة الله إنما هو شخص جاهل عاجز"(6).
وهنا، قد يخطر ببال القارئ سؤال سأله لينين نفسه. قال: "إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا نعلن في برامجنا بأننا ملحدون؟ ولماذا لا نمنع المسيحيين أو غيرهم من المؤمنين بإله من الانضمام إلى حزبنا؟"(7).
يشرح لنا لينين السبب وراء عدم التنصيص على الإلحاد في برنامج الحزب، مؤكدا على أن برنامج الحزب وما تبناه من فكر يقوم على المنهج العلمي والنظرة المادية للعالم؛ فإذا وقع شرح برنامج الحزب للعمال، فسيقع آليا شرح الجذور الحقيقية لضبابية الدين من ناحية تاريخية واقتصادية. ويؤكد لينين أيضا على أنّ الدعوة إلى الاشتراكية تقتضي ضرورة الدعوة إلى الإلحاد، إلا أنّ الحزب الاشتراكي لا يطرح قضية الدين كقضية فكرية ولا يبحثها وفق نزعة تجريدية مثالية؛ لأنه لا يمكن في مثل هذا الواقع القضاء على الدين. ومن هنا، فإن العمل الموحد مع هذه الطبقة المقهورة من أجل خلق الجنة على الأرض، أهم بكثير من توحد موقف البروليتاريا حول الجنة في السماء(8).
وعليه، فالدعوة إلى الشيوعية دعوة ضمنية إلى الإلحاد، إلا أنّ هذه الدعوة لا تأخذ شكل الصراع الفكري البارز في مجتمع متديّن لكي لا ينصرف العمال عن النضال الثوري. فالمسألة إذن بالنسبة للشيوعيين مسألة تكتيكية بحتة.
تنبيه:
لاحظ أنّ جل الحركات السياسية كحركة النهضة وحزب العمال الشيوعي، وأغلب الأشخاص كصلاح الدين الجورشي وعبد الفتاح مورو، يؤكدون دوما على تجنب الصراع الأيديولوجي في الفترة الحالية، والتركيز على قضايا المجتمع، بمعنى عدم الخوض في الإسلام أو اللائكية أو الشيوعية من ناحية فكرية عقدية والاقتصار على معالجة بعض مشاكل المجتمع التونسي، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية. والواقع، أن تغييب الصراع الفكري العقدي عن المجتمع هو غاية الشيوعية، وهو نوع من أنواع العلمنة المنتجة لتغييب الدين ككل.
ونحن نقول: إن الصراع الفكري العقدي هو أساس كل صراع، فلا تتحقّق النهضة ولا التغيير الحقيقي إلا به. قال الله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}. فلا يجتمع الكفر والإيمان في قلب رجل، ولا يجتمعان أيضا في قلب مجتمع؛ فلا بدّ من إحقاق الحقّ وإبطال الباطل عبر صراع فكري عقدي، تنتصر فيه فكرة واحدة يؤسس عليها المجتمع. وأمّا ما يسمى بـ"التعددية الثقافية" في المجتمع، فهو من خيال الغرب الذي اختلقه وتخلى عنه بعد أن تبيّن له عدم واقعيته. لذلك رأينا الغرب يعلن موت التعددية الثقافية عبر ساسته كميركل وكاميرون وساركوزي، وعبر فلاسفته كيورغن هابرماس و باسكال بروكنر؛ لأنّ المجتمع في حقيقته لا يقوم إلا على ثقافة واحدة. ولكن هل تتسامح الثقافة الرائدة مع بقية الثقافات أو لا؟ وكيف تتسامح؟ فتلك مسألة أخرى.
اللائكية: أوّل مراحل الإلحاد:
قلنا: إنّ الدعوة إلى الشيوعية دعوة ضمنية إلى الإلحاد، والحزب الشيوعي يدعو بالضرورة إلى الإلحاد، ولكن السؤال الآن: كيف يتحقّق الإلحاد في المجتمع؟
والجواب هو: أنّ الإلحاد عند الشيوعيين يتحقّق من خلال اللائكية التي تعدّ عندهم أوّل مراحل الإلحاد. وإليك البيان:
قال حمة الهمامي (في مطارحات حول قضيّة المرأة: مسألة الحجاب/الخمار والعلمانية): "إن القمع لم يكن في يوم من الأيام وسيلة لتحرير الإنسان من الأوهام الدينية أو من الخرافات والأساطير التي تتخذ طابعا عقديا. لأن القناعات سواء كانت دينية أو إيديولوجية لا تتغير إلا بالنقاش والإقناع، بل لا تتغير إلا إذا توفرت الأرضية الاجتماعية والثقافية المناسبة التي تجعل المعنيات أو المعنيين يقتنعون بأن القناعات الجديدة تمكنهم من تحقيق ذواتهم"(9).
وقال: "إن هؤلاء المفكرين الاشتراكيين العظام لم يكن برنامجهم السياسي "محاربة الدين" و"نشر الإلحاد"، بل إن هدفهم لم يكن خوض معركة مجردة ومقطوعة عن الواقع ضد الدين. إن ذلك مناف لنظرتهم أصلا، التي تركز أولا وقبل كل شيء على تغيير الشروط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية للعمال والكادحين، لخلق الشروط الإنسانية لحياة لا يحتاج فيها الفقير والضعيف لأوهام دينية كي يهرب من واقعه المزري"(10).
وقال: "وخلاصة القول إن معارضة الحجاب/الخمار ينبغي أن تكون جزءا من بديل ديمقراطي تقدمي وطني شامل، يهدف إلى وضع حدّ للاستبداد في بلادنا، ويسدّ الباب أمام أي استبداد آخر مهما كان لونه، ويفتح آفاقا للشعب التونسي بأسره وللنساء خصوصا ويخلصهن من كافة أشكال الاستلاب الفكري والاقتصادي والسياسي ويجعل منهم سيّدات مصيرهن وأجسادهن وذواتهن المعنوية، ومن المؤكد أنه يوم يتحقق كل هذا للنساء التونسيات فإنهن سيتخلّيْن طواعية عن الخمار، ولكن أيضا عن كل أشكال اللباس التي تشيّؤهنّ، وستنظرن إلى ذلك على أنه مجرد ذكريات تنتمي إلى عصور الوحشية"(11).
فحمة الهمامي لا يدافع عن الدين؛ إذ يصرّح بأن الدين أوهام وخرافات، إنما يدافع عن أطروحة الماركسية التي تقول باندثار الدين وغلبة الإلحاد إذا تهيأت ظروفه. فلم يفعل الهمامي شيئا سوى تفسير عبارة لينين: "إننا نطالب بالفصل الكامل للكنيسة عن الدولة حتى نتمكن من محاربة ضبابية الدين بأسلحة أيديولوجية محضة فقط...". فهو يعتبر الخمار رمز تخلف ورجعية، ولكن لا يقول بقمع لابسته وقهرها، إنما بعلمنة المجتمع التي ستفرز التخلي عن قيم الدين آليا.
وأما قول الهمامي: "إن ماركس... دافع بحزم عن حرية الضمير مؤكدا أنه "ينبغي أن يكون في وسع كل امرئ أن يُلـَبـّيَ حاجاته الدينية والجسدية (الطقوس– من عندنا) على السّواء دون أن يحشر البوليس أنفه في الموضوع" (كارل ماركس- نقد برنامج غوته)". فهو من باب تجميل مظهر الشيوعية الملحدة أمام الشعب التونسي المسلم. وهي حيلة لا تنطلي على هذا الشعب الذي قرأ نصّ ماركس كاملا وليس جزءا منه كما ساقه الهمامي. فالنص الكامل لماركس هو: "حرية الاعتقاد: إذا كان يراد بهذا أيام النضال من أجل الثقافة هذه، تذكير الليبراليين بشعاراتهم القديمة، فلم يكن بالإمكان تحقيق هذه الرغبة إلا على النحو التالي: "ينبغي أن يكون في وسع كل امرئ أن يلبي حاجاته الدينية والجسدية على السواء دون أن يحشر البوليس أنفه في الموضوع". ولكنه كان على الحزب أن ينتهز هذه الفرصة ويعرب عن اقتناعه بأن "حرية الاعتـقاد" البرجوازية لا تعني بالفعل سوى التساهل بجميع الأنواع الممكنة من "حرية المعتـقد الديني" وأن يعلن أنه بالعكس يسعى جاهدا إلى تحرير الضمائر من الأوهام والخرافات الدينية. ولكن بعضهم عندنا يمتنع عن تجاوز المستوى البرجوازي"(12)
.
"إن الدين حسب تعبير كارل ماركس هو "التحقيق الوهمي للكائن الإنساني لأن الكائن الإنساني لا يملك واقعا حقيقيا". وهذا ما يفترض من وجهة ثانية تشبث الجماهير المسحوقة به لأن التعويض الوهمي الذي يوفره لها هو ما يخفف عنها وطأة الاضطهاد، فالمساواة الحقيقية في المجتمع مثلا يستعاض عنها بمساواة وهمية معنوية كالأخوة في الدين أو المساواة الحقوقية، وهذه المساواة لا تميز جوهر العلاقات القائمة لكنها ترفع معنويات المؤمنين بها إذ تلغي بجرة قلم الفوارق الطبقية وتصالح الإنسان مع واقعه ومع مضطهِديه. ويصبح الاغتراب الاجتماعي بذلك منتجا آليا لاغتراب آخر في مستوى الوعي ولأن الدين تعويض وهمي وسعادة وهمية للشعب فإن إلغاء شتى صنوف الاستغلال وتحقيق سعادة الإنسان الفعلية على وجه الأرض هو الشرط الضروري لإلغاء الدين... يقول كارل ماركس : "إن إلغاء الدين من حيث هو سعادة وهمية للشعب هو ما يتطلبه صنع سعادته الفعلية. إن تطلب تخلى الشعب عن الوهم حول وضعه هو تطلب التخلي عن وضع بحاجة إلى وهم"..."(13).
فاللائكية إذن ليست إلا مرحلة من المراحل التي تقود إلى هيمنة الأيديولوجية الشيوعية الملحدة. وفي هذه المرحلة، تحقّق الشيوعية السعادة الحقيقة للإنسان، فيتخلى آليا عن سعادته الوهمية أي الدين.
يتبع إن شاء الله تعالى...
________________________
(1) تغطية جريدة "الصحافة" للندوة الصحفية التي عقدها حزب العمال يوم الأربعاء 23 مارس 2011 بمناسبة الاعتراف به.
أنظر: [COLOR=window####] http://www.albadil.org/spip.php?article3750[/COLOR]
(2) [COLOR=window####] http://www.albadil.org/spip.php?article2337[/COLOR]
(3) [COLOR=window####] http://www.albadil.org/spip.php?article1602[/COLOR]
[COLOR=window####] http://www.marxists.org/archive/lenin/works/1905/dec/03.htm[/COLOR]
(7) ترجمة خاصة: Socialism and Religion, Lenin
(5) عن العمل وحقوق العامل في الإسلام، باقر شريف القرشي، ص95
(6) المصدر السابق.
[COLOR=window####] http://www.marxists.org/archive/lenin/works/1905/dec/03.htm[/COLOR]
(8) ينظر المصدر السابق.
(9) [COLOR=window####] http://www.albadil.org/spip.php?article1602[/COLOR]
(10) المصدر السابق.
(11) المصدر السابق.
(12) كارل ماركس: نقد برنامج غوته
[COLOR=window####] http://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1875-cg/04.htm[/COLOR]
(13) حول الدين، لمحمد علي الماوي، مركز الدراسات والأبحاث العلمانية في العالم العربي.
[COLOR=window####] http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?t=2&aid=247638[/COLOR]




رد مع اقتباس
المفضلات