الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم
يجعل الإسلام السلام كأساس للعلاقة بين الأفراد، والجماعات، والدول، والحرب استثناء من ذلك، فهي ممنوعة إلاَّ لضرورة، كما منع الإسلام حرب التوسُّع والسيادة، لقول الله تعالى {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }(القصص:83) ومنع حرب الانتقام والعدوان {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }(المائدة:2).
وقد ذهب جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والإمام الثوري، إلى أنه لا يجوز قتال الكفار إلاَّ إذا كانوا هم البادئين بالقتال، أمَّا مجرد الكفر فليس سبباً لقتال، فإنْ هاجم الأعداء المسلمين أو قاتلوهم فيجب على المسلمين قتالهم لقول الله تعالى {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ }(الحج:39).
ولا يكون الكفر سبباً في الجهاد إلاَّ بأمرين:
[1] إعلان الحرب على المسلمين.
[2] وجود الظلم.
وعند تفصيل هذين الشرطين فإنَّه يمكن حصر مسوغات حرب الكفار في الآتي:
[أ] حالة الدفاع عن النفس:{وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ }(البقرة:190).
[ب] حالة الدفاع عن المظلومين: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً }(النساء:75).
[ج] حالة الدفاع عن حرية العقيدة: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }(الأنفال:39).
[د] إنَّ الحرب ليست إلاَّ علاجاً لحالة لم تنفع معها الحكمة والموعظة الحسنة.
[هـ] إذا وقعت الحرب تصبح كالضرورة تقدر بقدرها دون بغي أو عدوان.
[و] ينبغي الإسراع إلى وقف الحرب إذا كفَّ العدو يده عن قتال المسلمين أو جنح أحد الجانبين إلى السلم {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }(الأنفال:61)،{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }(الأنفال:1).
[ز] يعامل أسرى الحرب بالبر والإحسان إلى أنْ يطلق سراحهم، إمَّا بالمنِّ وإمَّا بالفداء {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ }(محمد:1).
وحتى لو كان كف الأعداء عن قتال المسلمين نوعاً من الخدعة؛ فيجب التمسُّك به{وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ }(الأنفال:62).
ويمنع الإسلام أنْ يحاسب المسلمون الكفار على كفرهم في الدنيا؛ بل جعل ذلك من حق الله تعالى، فهو الذي يحاسب الناس {وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ }(الأنعام:107). (مجلة الجامعة - العدد العاشر- جمادي الأولى 1426ه - يونيو 2005م )
إنَّ مؤرخي الغرب ومفكريهم يدّعون أنَّ الحركة الإسلامية تعد العدة للجهاد من غير حدود، وفي كل مكان، وهذا الفهم غير صحيح، لأنَّ أكثر الأمم التي أسلمت لم يحدث فيها قتال إلاَّ إذا اضطهد بلد مسلم أو انتهكت أعراض المسلمين فيه، كما حدث في أفغانستان، والبوسنة والهرسك، وكوسوفو، والشيشان، وفلسطين(جمعة أمين : قضية الارهاب ص 102).
وحتى في حالة الخصومة بين الإسلام وأعدائه؛ فإنَّه يحافظ على أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك، وعدالة المعاملة حتى يأتي اليوم الذي يقتنع فيه الخصوم بفضل الإسلام وسماحته{عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{7} لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}(الممتحنة:7- 8).
إنَّ القوى المتربصة بالإسلام تصوره على أنَّه دين دموي ليس له من هم سوى القتال، وغرضها من ذلك:
[1] تنفير الناس من الإسلام كنظام حكم.
[2] شغل الحركة الإسلامية بعضها ببعض لتتصارع فيما بينها حتى يصل الأمر إلى حد القتال والتكفير.
[3] إعطاء المؤسسات المعادية للإسلام مسوغاً للنيل من العمل الإسلامي كله.
[4] تيئيس الناس من الإسلام ومن دعاته والوصول إلى أنَّه لا فائدة من أي عمل إسلامي ما دامت نتيجته ضرب الإسلام من الخارج أو تآكله من الداخل(المصدر السابق ص 110-111 ).




رد مع اقتباس
المفضلات