[frame="1 10"]عبدالمؤمن بن علي
أولاً: اسمه ونسبه:
عبدالمؤمن بن علي بن عَلَوي، سلطان المغرب الذي يلقب بأمير المؤمنين، الكومي، النفيسي، المغربي.
ولد بأعمال تِلمِسان. وكان أبوه يصنع الفخار.
قيل: إنه قال: أعني عبدالمؤمن: إنما نحن من قيس بن غيلان بن مُضر بن نزار، ولكومية علينا حق الولادة، والمنشأ فيهم، وهم أخوالي.
وكان الخطباء إذا دَعَوا له بعد بن تومرت، قالوا: قسيمُهُ في النسب الكريم، وكان مولده سنة سبع وثمانين وأربع مائة وصفه الذهبي فقال: (وكان أبيض جميلاً، ذا جسم عَمَمٍ، تعلوه حمرة، أسود الشعر، معتدل القامة، جهوريّ الصوت، فصيحاً جَزْل المنطق، لايراه أحد إلا أحبه بديهة، وكان في كبره شيخاً وقوراً، أبيض الشعر، كثَّ اللحية، واضح بياض الاسنان، وكان عظيم الهامة، طويل القعدة، شَثْن الكفِّ، أشهل العين.
أ- لقاءه بمحمد بن تومرت :
عندما رجع ابن تومرت إلى إفريقية هو ورفيقه الشيخ عمر الهنتاني صادف عبدالمؤمن، فحدَّثه ووانسه، وقال: إلى أين تسافر؟ قال: أطلب العلم. قال: قد وجدت طلبتك. ففقهه، وصحبه، وأحبه، وأفضى إليه بأسراره لما رأى فيه من سمات النُّبل وكان بن تومرت يمدحه بهذه الأبيات:
تكاملت فيك أوصاف خُصِصت بها
فكلنا بك مسرور ومغتبـــــــطُ
السن ضاحكة والكف مانحة
والنفس واسعة والوجه منسبط
وكان بن تومرت يقول لأصحابه: صاحبكم هذا غلاّب الدول لقد كان بن تومرت يعمل على أن يكون عبدالمؤمن صورة حقيقية له ولذلك أعده الإعداد اللازم للقيادة والزعامة والرياسة وعلمه ودربه وأمر أتباعه بإطاعة عبدالمؤمن في كل مايقول وأن يقتدوا به في كل ما يفعله وكان عبدالمؤمن له من الاستعداد الفطري بحيث يستطيع أن يتقن كل مايقال له من تعليم وتدريب، فعرف كيف ينهض وينظم الدولة ويسير بها خطوات ناجحة لكي تتبوأ دولة الموحدين الزعامة والسياسة في عالم المغرب والأندلس.
ب- بيعته:
بايع أصحاب ابن تومرت المقربين عبدالمؤمن بن علي في شهر رمضان 524هـ وقد أطلق المؤرخون على هذه البيعة الخاصة، لأن موت ابن تومرت ظل في طي الخفاء أكثر من سنتين ثم بايع الموحدون عبدالمؤمن البيعة العامة قيل في 20 ربيع الأول سنة 526هـ وقيل 527هـ وذلك بجامع تينملل. وقد اختار الموحدون عبدالمؤمن لزعامتهم لما عرفوه من اختصاص بن تومرت له وتقريبه إليه وإطرائه لصفاته وتقديمه إياه في الصلاة إلى مالمسوه من فضله وعلمه ودينه وقوة عزيمته وحسن سياسته ورجاحة عقله وشجاعته. وقد ذكر الذهبي خطبة ابن تومرت قبل وفاته اشار فيها إلى توليه عبدالمؤمن من بعده: (استدعى ابن تومرت قبل موته الرجال المسمين بالجماعة وأهل الخمسين والثلاة عمر أرتاج، وعمر إينتي، وعبدالله بن سليمان، فحمد الله، ثم قال: إن الله - سبحانه، وله الحمد - منّ عليكم أيتها الطائفة بتأييده، وخصّكم بحقيقة توحيده، وقيض لكم من ألفاكُم ضُلالاً لاتهتدون، وعُمياً لاتبصرون قد فشت فيكم البدع، واستهوتكم الأباطيل، فهداكم الله به ونصركم، وجمعكم بعد الفرقة، ورفع عنكم سلطان هؤلاء المارقين، وسيُورثُكم أرضهم وديارهم، ذلك بما كسبت أيديهم، فجددوا لله خالص نياتكم، وأرُوُه من الشكر قولاً وفعلاً مما يزكي به سعيكم واحذروا الفرقة وكونوا يداً واحدة على عدوكم، فإنكم إن فعلتم ذلك هابكم الناس وأسرعوا إلى طاعتكم، وإن لم تفعلوا شملكم الذُّلُ، واحتقرتكم العامة وعليكم بمزج الرأفة بالغلظة، واللين بالعنف، وقد اخترنا لكم رجُلاً منكم، وجعلناه أميراً بعد أن بلوناه، فرأيناه ثبتاً في دينه، متبصراً في أمره، وهو هذا - وأشار إلى عبدالمؤمن - فاسمعوا له وأطيعوه ما أطاع ربه فإن بدّل ففي الموحدين بركة وخير، والأمر أمرُ الله يقلِّده من يشاء. فبايع القوم عبدالمؤمن، ودعا لهم ابن تومرت).
كما أن هناك سبباً آخر جعل زعماء الموحدين يبايعون عبدالمؤمن ألا وهو أن عبدالمؤمن، كومي وليس من المصامدة وهذا يجعل حداً لتطلع زعماء القبائل إلى هذه الخلافة، وبالتالي ستقضي على الخلافات التي كان وقعها محتملاً بين قبائل المصامدة في سبيل الزعامة.
وما أن أعلنت طبقة الجماعة، وفاة ابن تومرت وبيعتها لعبدالمؤمن بن علي حتى قامت بقية الطبقات له بالبيعة ولم يكن له من خلافة الموحدين إلا الاسم، أما الإدارة الفعلية والإشراف الكامل، فقد كانت للطبقات المختلفة حسب اختصاص كل منها ولذلك لم يستطيع بادئ الأمر، أن يستبد بأمر من الأمور ولا أن يبت في حكم من الأحكام إلا بموافقة ذوي الشأن وكان الموحدون الأولون يدركون ذلك ويحرصون عليه، فهم لم يتركوا لعبدالمؤمن العنان لأن يستبد بهم، ولا أتاحوا له الفرصة لأن ينفرد في قرارات الحكم بل نجدهم يناقشون وينتقدون اعمال عبدالمؤمن ويتجرؤون عليه وقد وصل الحال ببعضهم أن قتل أخا عبدالمؤمن، لمّا جاء لزيارة أخيه الخليفة وجلس في المكان المخصص له. فما كان منه إلا أن غضب لنفسه واعتبر ذلك إهانة له، فثار بأخي عبدالمؤمن الخليفة وقتله. ولما غضب عبدالمؤمن وأراد الاقتصاص من قاتل أخيه، وقف الموحدون في وجهه ومنعوه من ذلك. ويروي البيذق هذا الحادث ضمن أخبار سنة ستة وثلاثين وخمسمائة (536هـ) فيقول: "وفيها جاء ابراهيم إلى الخليفة أمير المؤمنين بالتوحيد وأعطاه الخليفة الخيل والعبيد والخباء. وأنزله في موضع محمد بن أبي بكر بن بيكيت. فتغابر ابراهيم أخو الخليفة مع محمد بن أبي بكر بن بيكيت. فقتله محمد بن أبي بكر ابن بيكيت. فقام له أبو حفص وأبو الحسن يوكوت بن واكاك وقالا له: ألم يقل المهدي: بأن الجماعة وصبيانهم عبيدهم كل من في الدنيا. فصمت عند ذلك الخليفة..).
لقد أسرّها عبدالمؤمن في نفسه وشرع في أخذ الخطوات التي آلت للقضاء على نظام الطبقات الذي وضعه ابن تومرت ووضع نظاماً جديداً يكرّس الولاء لشخصه وأسرته وسنرى ذلك بإذن الله ويبدو أن عبدالمؤمن لايعتقد اعتقاداً راسخاً في عصمة ابن تومرت ومهديته وإلا فكيف يتجرأ على نسف ماوضعه بن تومرت بعد أن مهد لذلك وجعل الزمن جزءً من هدفه.
لقد كان الظلم في تعاليم بن تومرت واضحاً هذا خليفة الموحدين يقتل أخاه ويمنع الأخذ بالقصاص من القاتل بحجة أن القاتل من أهل الجماعة وكل من في الأرض عبيد لهم، لاشك أن ذلك الحدث أثر في عبدالمؤمن بن علي.
ثانياً: قتال عبدالمؤمن للمرابطين وتوحيد المغرب:
في ظروف حالكة منذرة بالفتنة تولى عبدالمؤمن بن علي قيادة الموحدين وكانت مهمته عسيرة وصعبة، فقد كان عليه أن يعيد الثقة الى نفوس الموحدين وأن يعيد تنظيم صفوفهم تمهيداً للمعركة المقبلة الفاصلة، ولهذا السبب شغل طوال الشهور الأولى من خلافته في رأب الصدع، وتأليف القلوب وتعبئتها لمدافعة المرابطين، فلما تم له ذلك اعتزم مواصلة الجهاد ضد المرابطين، فكانت أولى غزواته كخليفة على حد مارواه ابن أبي زرع موجهة إلى مدينة مراكش فقد هاجمها أياماً ثم ارتحل عنها، غير أن ابن القطان وابن خلدون يتفقان على أن أول غزواته هي غزوته لتادلة في وادي درعة، وفيها خرج عبدالمؤمن من تينملل في شهر ربيع الأول سنة 526هـ في جيش ضخم قوامه ثلاثون ألف مقاتل، فسار أولاً نحو حصن تازا جورت وكانت تدافع عنه حامية مرابطية بقيادة يدر بن ولكوط وقيل يحيى بن مريم الزرجاني، فتمكن عبدالمؤمن من اقتحام الحصن وقتل واليه وقتل معه نحو عشرين ألفاً من المرابطين، وهو رقم مبالغ فيه فليس من المعقول أن يضم أحد الحصون المرابطية عدداً من المدافعين يتجاوز العشرين ألف مقاتل، وهذا الرقم من الصعب تصديقه اذا أخذنا بالاعتبار كثرة عدد القلاع والحصون المرابطية في المغرب فضلاً عن انشغالهم بالجهاد ضد النصارى في الأندلس. رحل عبدالمؤمن عن تازجورت بعد أن سبى ميمونة بنت ينتان بن عمر أرملة والي الحصن المذكور وصحبها معه إلى تينملل، حيث ظلت أسيرة لديه حتى أفتديت فيما بعد، بمن كان في تلمسان من أسرى الموحدين، ثم سار عبدالمؤمن الى درعة واستولى عليها، كما استولى في نفس العام - 526هـ على حصن هزرجة، فقد اقتحمه وأحرقه وقتل معظم حاميته، ومنها سار الى بلدة جثجال وأضرم فيها النيران وقتل أهلها، ثم سار إلى بلدة أجلاحال، وكان أهلها قد قتلوا أحد أصحاب ابن تومرت وامرأته في يوم العيد، فجمع عبدالمؤمن أهلها وقتل منهم مايزيد على ثلاثمائة رجل، وفي نفس العام استولى الموحدون على حصن جلاوة افتتحه الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتي أحد أصحاب ابن تومرت العشرة ومعه بعض وجوه الموحدين، وكان أهل الحصن قد جرحوا ابن تومرت في احدى غزواته، فدخله الموحدون عنوة وقتلوا كل من فيه، وفي هذا العام أيضاً افتتح الموحدون حصن تاسيغيموث أمنع حصون المرابطين وكان قد تولى بناءه ميمون بن ياسين، كما كانت تقوم على حراسته حامية، من هزرجة قوامها مائتي وخمسمائة راجل، فلما يئس الموحدون من فتحه لمناعته لجأوا الى الحيلة فداخلوا بعض أفراده من حامية الحصن وتواطئوا معهم على فتحه، فأقتحموه ليلاً، وقتلوا أبو بكر بن واصول اللمطي واليه المرابطي ومن معه من المرابطين، ونقلوا أبواب الحصن الحديدية الى تينملل
حيث ركبت على باب الفخارينعاد عبدالمؤمن الى تينملل، وكانت قد وقعت خلال غيبته حادثة خطيرة، ان دلت على شيء فانما تدل على أن الطموح الى الرئاسة كان مايزال يضطرم في نفوس بعض منافسي عبدالمؤمن وأن الرغبة في القيادة والتطلع إلى الزعامة كانت لاتزال تلح في نفوس أقرب المقربين إلى عبدالمؤمن وأعني بهم أصحاب ابن تومرت العشرة وتتلخص هذه الحادثة في اقدام عبدالله بن ملوية أحد أصحاب بن تومرت العشرة، على شق عصا الطاعة على عبدالمؤمن بن علي أثناء غيابه عن تينملل غازياً، واعلانه الطاعة لأمير المسلمين علي بن يوسف الذي لم يتردد في اعلان رضاه عن ابن ملوية، ووضع تحت تصرفه قوة عسكرية مرابطية لمهاجمة تينملل، فسار ابن ملوية بتلك القوة الى موضع يسمى تامد غوست قاعدة قبيلة جنفيسة بهدف استمالتها الى جانبه ثم يزحف بقواته المجتمعة الى تينملل، غير أن عبدالله بن وسيدرن أحد زعماء جنفيسة المقيمين في تينملل جمع شيوخ جنفيسة وأعلنوا تمسكهم بالعهد الذي قطعوه لابن تومرت، ونعوا إلى ابن ملوية تلك الخيانة وفي الحال قام أبو سعيد يخلف بن الحسن آتيكي أحد أهل خمسين ومعه غلامه، وسارا الى محلة ابن ملوية وقتلاه، وحملا جثته الى تينملل حيث صلبت، ولما عاد عبدالمؤمن وعلم بما حدث شكر لجنفيسة اخلاصها وقسم الغنائم عليها.
ويبدو أن عبدالله بن ملوية لم يكن متطلعاً للزعامة وإنما أراد الرجوع إلى الحق والتوبة وخصوصاً وهو أحد العشرة الذين يعرفون الكثير من كذب وباطل وظلم وجور مارسه ابن تومرت بدون مسوغ شرعي ولذلك أعلن طاعته لأمير المسلمين علي بن يوسف.
يتبع[/frame]v]: ],gm hgl,p]dk






رد مع اقتباس
المفضلات