قال لهم :
أوصيكم بتقوى الله
ولو كان صلاح الدين هنا
لوليته عليكم
ولكنه أحسن من عرفت
رغم ما جرى بيني وبينه من الجفاء
نقدم من قدم الله
ومتى تحررت القدس
فقد صنعت لأقصانا المنبر
لتضعوه هنالك
و أنتي يا عصمت الدين
شجعي ابننا الصالح على الزهد
ولا تحرمي على نفسك ما أحل الله لكي
تعلمين ما أعني
فقال قطب الدين النيسابوري :
ضاع الإسلام من بعدك
فقال نور الدين : اسكت يا قطب الدين
لقد أسأت الأدب مع الله
ومن كان يحمي الإسلام قبلي
وبعدي غير الله
وقال : اختاروا وصيا صالحا لابني
وأتابكا حتى يبلغ الحلم
فبكى الصالح
فقال نور الدين : يا حفيد زنكي لا تبكي
وتذكر دائما جدك وتذكرني
سنعيش بك
إن جاهدت الفرنجة
اجعلوا القدس نصب أعينكم
و
لا إله إلا الله
وفارق الحياة
فاغتم أهل الشام
وطمع كثير من من الأمراء بعصمة الدين
وهم بين رجلين
رجل يملك تدين لا يملك سلطة قوية وعزيمة
يبيت له الناس بليل
ورجل يملك سلطة قوية قد عرف فسقه
رفضتهم جميعا عصمة الدين
فأخذوا الصالح لحلب
وتشرذمت الأمة في الشام
وصعد الصالح المنبر
و أوغل صدور الناس على صلاح الدين
وكانوا أهل نخوة و أقارب زنكي
ولا تزال الأمة تتشرزم
وطمع فيهم الفرنجة
فراسلوا صلاح الدين
وختموا الرسائل
بتوقيع الخاتون
فأسرع للشام بقلة من الجند ليوحدها
دخلت دمشق طواعية
لكن امتنعت بعض المدن
بسبب فسق حكامها
زار الخاتون بصحبة أقاربها
فاستقبلته بحفاوة بالغة
وبالغت في الثناء عليه
وكانت تلمح ولا تصرح ليتزوجها
ويرعى الصالح
فقال صلاح الدين :
أما الصالح فلا يمسه سوء حتى يمسني قبله
فهو ابن مولانا نور الدين
و أما أنتي يا سيدتي
فلم أتوقع منكي هذا الترحاب والثناء
لقد كنتي تحرضين على نور الدين في السابق
فقالت : أيها السلطان
لقد كنت أدافع شعور معين ينتابني
فقد كنت أدافع عنك تارة و أحرض عليك تارة
لحكمة في رأسي أخبرك بها لاحقا
ولكن لم يكن كرها لك
علم الله
فهل تسامحني
فقال السلطان الناصر :
صدقيني ياسيدتي
لم يؤلمني تحريض أحد بقدر
ما تألمت من تحريضك
لكني أسامحك على كل حال
فأنتي بمثابة خالة لي
فقالت مستاءة : ليس بالضبط
أعني فلتقل زوجة أستاذك
ونظرت للأرض في حياء بالغ
ولم يلحظ صلاح الدين خفقات قلبها
التي ظهرت على وجنتيها من وراء نقابها
وخرج صلاح الدين
وقلبه يخفق
ياالله
لطالما دافعت ذلكم الشعور
أأتزوج زوجة أستاذي
لا لا لا يمكن
واستشار القاضي الفاضل
فأكد له بضرورة الزواج منها
إن لم يكن بداعي الحب فبداعي توحيد البلاد
وقال له : إن لم تطلبها سأطلبها لنفسي
فقال صلاح الدين : لكن سيذكرني الناس بسوء
سيقولون تزوج زوجة مولاه ليحصل على البلاد
ولا يزال يجادله حتى اقتنع برأي القاضي
كان الفاضل مقنعا لحد كبير
فأرسل صلاح الدين إليها يخطبها من أخيها
فرفضت مستنكرة :
قالت: يريد أن يتزوج زوجة أستاذه
و و أنا أكبر منه سنا
و لست أتزوج بداعي السياسة
لن أكرر التجربة
لن أتزوج رجلا أقل من نور الدين
فهل يساوي نفسه بنور الدين
فلو كان أمرا سلطانيا
فقط أتزوجه مكرهة
ولا أحسبه يرضى بذلك
فلما وصلته الأنباء :
قال :إنا لله وإنا إليه راجعون
لقد تم رفضي
فليكرموا بمال وعطايا
ولا يمسهم أحد بسوء
هي وأهلها
وامتنع السلطان صلاح الدين
عن زيارة الخاتون
فطمع فيها الأمراء
وتقدموا لخطبتها
رفضتهم
علم الصالح إسماعيل بما جرى
ومع كثرة الوشاة
أرسل جيشا برفقة رسل لصلاح الدين
ترغيب وترهيب
فقال صلاح الدين :
ما تطلبون
فقالوا : تنزل عن حمص
فقال ننزل عن حمص وحماة
وبعلبك
وكل ما حزناه من الشام
ونكتفي بدمشق
نكون فيها نوابا عن مولانا الصالح
فهل يرضيكم ذلك
فأسروا النجوى
وقالوا : أصابه الوهن والضعف
ثم كان فصل الخطاب
أن يترك الشام كلها
ويمتنع عن قتال الفرنجة من الشام
فقال صلاح الدين :
وقد انتابه الغضب
لقد أخذتكم العزة بالإثم
وصارت كسرتكم شرطا لكسر الفرنجة
ودارت المعركة
وكاد صلاح الدين أن يهزم
لولا أن تداركه
الجيش المصري
بقيادة فاروق شاه وتقي الدين عمر
فلما سمع الجيش المعادي بكلمة الجيش المصري
خارت معنوياتهم
فاستسلموا
فقال صلاح الدين :
دعوني أقابل ابن مولانا
فلما قابله
احتضن الصالح كما يحتضن ولده الصغير
وقال : اطلب تجب يابن مولانا
فقال الصالح : اترك لي حلب
لك ما عداها
فقال صلاح الدين : وهؤلاء الذين قاتلوني باسمك
فقال الصالح : سأعرف كيف أعاقبهم
ولا يغرنك صغر سني
أنا ابن نور الدين زنكي
وتم عقد الصلح
وعاد صلاح الدين لدمشق
فاستقبلوه بالترحاب الشديد
وهم يرددون
الناصر صلاح الدين
فبين مقبل ليده
وبين مقبل لرأسه
ويرمونه بالورود
والرياحين في صفوف طويلة
والخاتون تشهد الموقف
من نافذة قصرها
فطلبته لزيارتها
فزارها بصحبة أقاربها الرجال
فاستقبلته مطرقة الرأس
فقال صلاح الدين : ما الذي جعل الخاتون
تطلبني
ألم يتم رفض طلبي
فقالت مضطربة : أطمئن على ولدي
أيها السلطان الناصر
ومن قال أنني رفضت طلبك
أنا فقط أفكر
فقال : أما الصالح فهو بخير حال
والتزمته وطاعمته وطاعمني خبزا
و ملكته حلب
ورضي بذلك
و أما طلبي فلا تفكري فيه
فقد تزوجت بمصر
فقالت باكية :
لكنك لم تستشرني
فقال : بأي صفة
فقالت مضطربة: بصفة أني
أني
زوجة أستاذك
وأنت تعلم أن السلطان لا يرد
فهل تقبل أن أتزوجك كارهة
أو بدافع السياسة
فقال : كلا
و أنتي لا تقبلين أن أزورك بعد الأن
فيكثر الكلام عن السلطان بسوء
فقالت وكاد أن ينصرف :
سيدي لم تفهمني بعد
قصدت أن تعرفني قبل أن تتزوجني
فقال صلاح الدين :
اسمعي يا خاتون
إن كنت تخافي على الصالح
فلا تخافي
و إن كنتي
خوفوكي من عاقبة رد السلطان
فلا تخافي
و إن كنتي تريدين التفكير فلا تفكري
قد انقضى الأمر
غير أنكي يجب أن تعلمي
أن صلاح الدين
لا ينافس مولاه نور الدين
من جهة الزهد
و إنما ينافسه من جهة حسن الخلق
وحب الناس
والفضل للأسبق
لكني لا أطلب امرأة للزواج بدافع السياسة
و إنما بدافع الحب
قد اعترفت لكي
لأن داعي الحب قد انقضى
وغادر المجلس وتركها باكية
أغشي عليها من البكاء
فلما علم القاضي الفاضل :
ابتسم وقال : ستأتيك يوما
جاثية على ركبها
فلو نزل كلامك هذا على جبل لكسره
ولا يزال الناس يشكرون في صلاح الدين
أمام الخاتون
ويرغبونها
ويحذرونها من غضبه
إن لم يكن لسلطته
فلتقواه وعمق صلته بربه
فاسودت الدنيا في عين الخاتون
ودخلت على صلاح الدين
في دار الخلافة في دمشق
ولما مثلت بين يديه
قالت صارخة :
لماذا تعاملني هكذا
لم تزورني منذ فترة
و أخذت تنهره
وترفع صوتها
ألست زوجة أستاذك
ألست أم الصالح
كان ينبغي أن تكون
وصيا على ولدي الصالح
وتنهره
وصلاح الدين مبتسم
ثم قالت : سيدي إن كنت تريد أن تحفظ وصية نور الدين
فينبغي أن
أن
وصرخت : تتزوجني من أجل الصالح
فقال صلاح الدين : هل أكرهتك على ذلك
فقالت : كلا ولكن
فقال صلاح الدين بصوت غاضب يخفي بسمته:
خذوها
فقالت : ناشدتك بالله
ألا تفعل
وهمت بمغادرة المجلس باكية
فقال وهو يضحك :
خذوها لموكب العرس
فكاد يغشى عليها من الفرحة
ولما تزوجها
وجدت فيه بغيتها المنشودة
واستمالت قلبه للشام
وكان صلاح الدين يحسن الغزل لزوجاته
بالحلال فقط
ويحسن الخلق
مع كل الناس
فكانت تغار من زوجاته
فقال لها :
أنتي من دون النساء لا يحق لكي الغيرة
فتساءلت :لماذا
فقال : لأنكي بالنسبة للنساء
كالذهب بالنسبة للمعادن
فهل يغار الذهب من الفضة
ولكن سعادتهما لم تتم
إذ مات الصالح إسماعيل صغيرا
ومات توران شاه
وسرقت خزينة صلاح الدين الخاصة
فلم يستدعي الخدم
بل قال : إن من الناس من يرى المال ترابا
واستدان من التجار
ورفض أخذ المال من الخاتون
وقلل نفقات الأمراء
وزاد من نفقات العساكر والجنود
ومنع راتبه:
قال : السلطان لايموت من الجوع
وبدأ رينوه دي شاتيو
الملقب بأرناط
يتعدى حدوده
كان فارسا بل قل حمارا
فرنسيا
يقتل الحجاج المسالمين
في طريق الحجاز
فيصرخون قائلين
أغثنا يا الله
فيسخر منهم
ويقول
أين محمدكم ادعوه لينصركم
وتوجه تلقاء المدينة
لينبش قبر النبي
فطارده تقي الدين عمر
ومعه 30 فارس
وكان أرناط معه 300 فارس
وتكررت الأمور العظام من أرناط
من تعدي واغتصاب نساء
وتمثيل بقتلى
ونقض العهود
فتمعر وجه صلاح الدين من الغضب
وقال : الويل له مني إن ظفرت به
والعجيب أن الخاتون
أصابها الزهد في الدنيا
بعد أن ظفرت بصلاح الدين
وشحب وجهها
من العبادة
كانت كريمة جدا في الصدقات
وكانت مدمنة لقيام الليل
وزادت عبادتها بعد أن ظفرت بصلاح الدين
حتى صار يطالبها بتقليل العبادة
ويقول لها :
ليس لي بعد الله
إلا أنتي والقاضي الفاضل
فقالت : تحب القاضي مثلي
فقال : لم أعني ذلك
أقصد الأنس برأيكما
والإستغناء بكما عن الناس
ولا يزال يوصيها أن تهتم بصحتها
حتى وافتها المنية
على خاتمة جميلة
فبكى صلاح الدين
وقال : رحمها الله
لقد كانت أحب الخلق إلى قلبي
الزوجة الأثيرة
ولم يبق لنا رغبة في الحياة
إلا لنسترد القدس
ثم نلحق بخاتون
و أعلن النفير
لجمع الجيوش
لمعركة فاصلة مع الفرنجة
معركة حطين
وما أدراكم ما معركة حطين
أكمل لاحقا إن شاء الله
مدعوا لي منكم طبعا




رد مع اقتباس
المفضلات