ثم يتابع الشيخ رحمه الله بعرض أدلة النصارى على عقيدة التثليت ونقضها واحدا واحدا:







الدليل الأول:

الإنجيل .. وهو المعول عليه عند المؤلف .. فقد قال في صحيفة رقم 243:
"الدليل على صحة التثليث كما قلنا مرارا الكتاب المقدس وكفى به دليلا لأنه صادر من الله وهو يعرف نفسه أكثر مما نعرفه وغاية ما نقصده من سرد الأمثلة أن ندفع الشبه التي يعترض بها على هذا الموضوع ونبرهن على أنها صادرة عن سوء فهم"

وقال في صحيفة رقم 241 :
"فهل من الصواب والحكمة أن نرفض كتاب الله لاشتماله على مسائل تفوق عقولنا ونستبدلها بآرائنا الخصوصية فاحكموا أنتم"

فلننظر في هذا الدليل الذي هو في الواقع أصل الأدلة الأخرى فهل حقيقة ورد في الإنجيل (سواء كان محرفا أو صحيحا) نص يدل على عقيدة الثالوث على الوجه الذي بيناه لك وأقره المؤلف في كتابه هذا؟ .. إن أردت الجواب فاستمع لمايقوله المؤلف .. قال في صحيفة رقم 241:
"كل مطلع خبير بالكتاب المقدس يعلم أن الثالوث مأخوذة منه بدلابة آيات كثيرة في غاية الصراحة وهي التي منها صاغ المسيحيون نصها (مع اختلاف قليل في اللفظ)"

ولكنه لم يذكر لنا من هذه الآيات شيئا حتى نعرف مقدار ذلك الإختلاف والواقع أنك ستعرف قريبا أن الأناجيل لا شيئ فيها ومع ذلك فقد ذكر في صحيفة رقم 239 نصين الأول نقله من التوراة وهو ((اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد)) وهذه العبارة مذكورة في الإصحاح السادس من سفر التثنية وهي الفقرة 4 وبعد هذه الجملة ما نصه ((فتحب الرب إلهك من كل قلبك ونفسك ومن كل قوتك ولتكن هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها اليوم على قلبك)) وهو في الإصحاح الثامن والعشرين وبعد هذه الجملة التي نقلها من إنجيل متى ما نصه ((وعلموهم جميع ما أوصيتكم به)) .. هذان النصان هما اللذان استدل بهما المؤلف على الوحدة والثالوث .. فالتوراة نصت على أن الله واحد والإنجيل نص على أنه آب وإبن وروح قدس فتكون ثلاثة وهذا تناقض لا بد من دفعه فليدفع بأن الثلاثة اتحدوا في الأزل اتحادا حقيقيا وصاروا واحدا فلا تناقض وهل من الضروري العمل بفقرة التوراة ما دام الإنجيل يخالفها؟! فلماذا لم يأخذ بفقرة الإنجيل ويقطع النظر عن فقرة التوراة كما قطع النظر عن كل ما فيها من أحكام؟!.. والجواب أن العمل بها عندهم ضروري لأن الإنجيل أخذ بها بنصها ولهذا قال المؤلف إن المسيح قد أخذ بهذه الفقرة كما في إنجيل مرقس ولم يذكر النص ونحن نذكره لك بنصه وهو ((فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون فلما رأى أنه أجابهم حسنا سأله أية وصية هي أول كل شيئ فأجابه يسوع أن أول كل الوصايا اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد...)) .. ولا ريب في أن كل قارئ منصف للتوراة والإنجيل في هذا الموضوع لا يسعه إلا أن يدهش من الذين يأخذون منهما عقيدة الثالوث فإن التوراة قد نصت صريحا على الوحدة المطلقة وكذلك إنجيل مرقس فإنه عمل بفقرة التوراة من جميع الوجوه وجعلها أول الوصايا فلم يبقى إلا ما ورد في إنجيل متى وهو ((عمدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس)) على أنه قال بعد هذه الكلمة ((وعلموهم جميع ما أوصيتكم به)) ومن أول وصاياه التوحيد .. اليس من الواجب في مثل هذه الحالة أن نفهم هذه الفقرة فهما يتناسب مع التوحيد الذي صرح به في التوراة والإنجيل تصريحا قاطعا؟ نعم الواجب هو ذلك عند كل عاقل مفكر يعرف عظمة الألوهية ويقدر تنزيه خالقه حق قدره .. ولكن من الأسف الشديد أن جمهور المسيحيين سواء كانوا كاثوليك أو بروستانت أو غيرهم يعتقدون أن ذات الإله مركبة من الأقانيم الثلاثة على الوجه الذي بيناه .. على أن الجملة الواردة في إنجيل متى لا تفيد مطلقا معنى الثالوث ولا تفيد أن الإبن حقيقة مماثلة لحقيقة الله ولا الروح القدس كذلك بل المعنى المتبادر منها أنه يقول لهم عمدوهم باسم الله وباسم رسوله وباسم الروح القدس الذي يحمل الوحي إلى الرسول وهذا المعنى حسن لا مانع منه وليس في العبارة ما ينافيه بل هو المتبادر لأن الذي يجعل التوحيد المطلق من أول وصاياه لا يصح أن يقول للناس أن الإله ثلاثة أقانيم متميزة متحدة لأن ذلك تناقض ظاهر لا يصحبه ذلك التأويل الفاسد الذي لا يقره عقل ولا نقل .. أما التعبير عن الرسول بالإبن فإنه مألوف في التوراة والإنجيل وهو كناية عن القرب من الله تعالى فالرسول ابن الله بمعنى أنه مقرب منه ومحبب لديه ومن ذلك إطلاق خليل الرحمن على سيدنا إبراهيم عليه السلام على أن التوراة والإنجيل قد توسعت في هذا فأطلقت ابن الله على غير المسيح في غير موضع ففي الإصحاح الخامس من إنجيل متى ((طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون)) وفي الإصحاح الثامن من إنجيل يوحنا ما نصه ((أنتم تعملون أعمال أبيكم فقولوا أننا لم نولد من زنا لنا اب واحد وهو الله)) وغير ذلك من العبارات الدالة على أن إطلاق ابن الله على الناس أمر شائع في أناجيلهم وقد أطلق ابن الله في التوراة أيضا على الناس فقد ورد في الإصحاح الثالث والستين من كتاب أشعيا ما نصه ((فإنك أنت أبونا وإن لم يعرفنا إبراهيم ولم يدرنا إسرائيل أنت يا رب أبونا ولينا منذ الأبد اسمك)) وهذا ذكر في الفقرة 16 .. فالإبن بمعنى الحبيب أو المقرب شائع مستعمل في التوراة والإنجيل في الفقرات التي ذكرناها لك وفي غيرها .. وقد حكى الله عنهم ذلك في القرآن الكريم في قوله سبحانه وتعالى ((وقالت اليهود والنصاى نحن أبناء الله وأحباؤه)) وبديهي أنهم لا يريدون من إطلاق البنوة على غير المسيح ذلك .. ذلك الذي يريدونه من نبوة المسيح بل لا بد أن تكون أبوة الله المذكورة في مثل هذه الفقرات لا معنى لها سوى رحمته بهؤلاء الناس ورأفته بهم فلماذا اختصوا المسيح بتلك البنوة التي هدموا بها التوحيد من أساسه وهم لا يشعرون؟ وما هو السبب الذي جعلهم يتشبثون بتلك العقيدة المعقدة التي لا أساس لها في دين من الأديان ولا في كتاب من الكتب المنزلة .. وقد اجاب المؤلف عن ذلك السؤال بشبه أوهن من بيت العنكبوت ظن أنها أدلة قاطعة وإليك بيانها:
أولا قال في صحيفة 242:
"إن المسيحيين فهموا عقيدة الثالوث ((وهي أن لذات الله القدوسة ثلاثة أقانيم في جوهر واحد الآب والإبن والروح القدس)) من مؤلفات المسيحيين الأولين الذين بقيت كتابتهم إلى عصرنا الحاضر مما يدل على أنهم فهموا الكتاب من هذه الحيثية كما فهمناه "اهـ.

وهذه العبارة تدل دلالة واضحة على أن عقيدة الثالوث لم تصرح بها أناجيلهم وإنما هم مقلدون اسلافهم في فهمها .. وإن شئت قلت أنهم مقلدون القانون الأثناسيوسي وكفى بذلك التصريح دليلا على ضعف هذه العقيدة وعدم ارتكازها على دليل صحيح فإن العقائد لا تثبت إلا بالبراهين القاطعة التي تذعن لها العقول ويجب أن يكون طالب العقيدة حرا في تفكيره لا يتقيد بآراء من الغير حتى يطمئن إلى صدق ما يعتقده ويذعن له إذعانا صحيحا أما أنه يقلد غيره في فهم عقيدة من العقائد التي ينبني عليها أساس الدين فذلك يقال لا له مؤمن حقا نعم يصح له أن يقلد ما يثبت عنده أنه من عند الله بدون بحث إذا كان صريحا في المطلوب ولم يكن فيه نقص في ذات الله تعالى وإلا وجب تأويله كما ذكرنا لك آنفا ولذلك خرج عن عقيدة الثالوث هذه كثير من مفكريهم .. قال البستاني في دائرة المعارف تحت عنوان (ثالوث) ما ملخصه أن لفظة ثالوث لا توجد في الكتاب المقدس ولا يمكن أن يؤتى بآية من العهد القديم تصرح بتعليم الثالوث ولكن قد اقتبس المؤلفون المسيحيون القدماء فقرات كثيرة تشير إلى وجود صورة جمعية في اللاهوت ولكن لم تكن هذه الفقرات كبرهان قاطع على الثالوث لأنها قابلة لتفاسير مختلفة ولكن يؤتى بها كرموز إلى الوحي الواضح الذي يعتقدون أنه مذكور في العهد الجديد .. هذه عبارة البستاني وهي مثل عبارة المؤلف تقريبا إلا أن فيها نصا صريحا على أنه لم توجد لفظة ثالوث في الكتاب المقدس عندهم ولا يمكن أن يؤتى فقرة من العهد القديم تصرح بتعليم الثالوث وأن الفقرات التي اقتبسها المؤلفون المسيحيون لا تصلح دليلا .. على أنه أراد أن يستر ذلك التصريح بستار في الجملة فقال أنهم يأتون بها كرموز إلى الوحي الواضح الصريح .. وليت شعري إذا كان الوحي واضحا وصريحا فكيف لا يكون في دليل على المطلب .. على أنه قال وقد ابتدأ الجدال في اللاهوت في العصر الرسولي وقد نشأ عن الأكثر عن تعليم الفلاسفة الهيلانيين والغنوسطيين وأول من استعمل كلمة الثالوث ترتليانوس...إلخ.
ولا ريب في أن هذه العبارة تدل صريحا على أنه لم تكن تلك العقيدة موجودة في عهد المسيح ولا أثر لها في الوحي الإلهي مطلقا وغريب أنهم يسلموا بأن المسيح لم يقل لهم إني أنا إله وابن إله ولم يبين لهم هذه العقيدة ثم يجيبوا عن هذا بأن تعاليم المسيح لم ينشرها كلها حال حياته بل أخبر تلامذته بأنه سيكملها لهم بعد وفاته .. لأن هذا إن صح في الأمور الفرعية فإنه لا يصح أن يكون في أول الوصايا فإن معنى كون التوحيد من أول الوصايا أن ما جاءهم به المسيح هو معنى توحيد الإله وإذا كان كذلك فمن الواجب المحتم أن يبين لهم حقيقة التوحيد وأظن ذلك ظاهر لا ريب فيه ومن أجل ذلك قال البستاني أن كثيرا من المسيحيين خرجوا على هذه العقيدة فالابيونيون كانوا يعتقدون أن المسيح إنسان محض والسابليون كانوا يعتقدون أن الآب والإبن والروح القدس إنما هي صور مختلفة أعلن الله بها نفسه للناس والأريوسيون كانوا يعتقدون أن الإبن ليس أزليا كالآب بل هو مخلوق منه قبل العالم ولذلك هو دون الآب وخاضع له والمكدونيون أنكروا كون الروح القدس أقنوما على أنه قال أن هذه الآراء اعتبرتها الكنيسة إلحادية .. وأما تعليم الكنيسة فقد قرره المجمع النيقاوي سنة 325 للميلاد ومجمع القسطنطينية سنة 381 وقد حكما بأن الإبن والروح القدس مساويان للآب في وحدة اللاهوت وأن الإبن قد ولد من الأزل من الآب وأن الروح القدس منبثق من الآب وجاء مجمع طيطلة المنعقد سنة 589 حكم بأن الروح القدس منبثق من الإبن أيضا على خلاف في ذلك .. ومن ذلك يتضح أن المسألة ليست مسألة كتاب مقدس أنزله الله على رسوله وإنما هي مسألة جماعة يقررون ما يشاؤون ويحكمون بما يريدون .. وهل مسائل الوحي الذي من عند الله تعالى تفصل في أمرها المجتمعات كما تفصل في الأمور السياسية إن ذلك لمن أوضح الادلة على أن هذه العقيدة الفاسدة هي من وضع البشر بلا نزاع .. على أنني لاحظت في بيان عقيدة الثالوث الذي ذكرته فيما مضى رأي مجتمعاتهم وما عليه العمل في كنائسهم ومن أجل ذلك قدمت لك الشرح كاملا لتعرف الأدلة عليه كاملة وها أنت ذا قد عرفت أن الدليل الأول هو الذي عليه المعول فاسد من اساسه لا حجة لهم فيه ولا فائدة لهم منه لأن الكتاب المقدس عندهم لا يستطيعون أن يأتوا منه بدليل أو شبه دليل على ما يزعمون ولقد صدق الأستاذ الأبوسيري حيث قال:
خبرونا اهل الكتابين من أيــ ـن أتاكم تثليثكـــــــم والبداء
ما أتى بالعقيدتين كتــــــــــاب واعتقاد لا نص فيه ادعاء
والدعاوى إن لم تقيموا عليها بينات أبناؤها أدعيـــــــــــاء






الدليل الثاني:

وهو في الحقيقة بيان لوجه دلالة العبارة الواردة في إنجيل متى وهي ((عمدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس)) وهو من فلسفة مؤلف كتاب ميزان الحق وحده لأنني لم أره لغيره في كتب المسيحيين الذين تكلموا في بيان عقيدة الثالوث وإنما جعلته دليلا على حدة كي لا يطول الكلام على القارئ فيسأم خصوصا أن هذا الدليل هو في الواقع محض خيال وإن شئت قلت أنه كلام مركب غير مفيد فهو اشبه شيئ بالأصوات المهملة ولكنني لا أستطيع إغفاله فليعذرني القارئ في تضييع الوقت سدى بنقل مثل هذا الكلام والرد عليه وإليك نص عبارته في صحيفة رقم 239 قال:
"يدل هذا القول وهو عمدوهم باسم الآب والإبن والروح القدس على حقيقة التوحيد كما يدل على تثليث الأقانيم لأنه قال باسم بصيغة المفرد لا الجمع مع أنه ذكر الأقانيم كلا على حدته ومن هذه العبارة تفهم أنه لا يمكن أن يكون الإبن والروح القدس مخلوقين بدليل أنهما مقرونين باسم الآب كشيئ واحد بخلاف عدم ملائمة الإسم نفسه لما يكون مخلوقا فإن كلمة ابن الله والروح القدس لا يصلح أن يسمى بها الشيئ المخلوق هذه حقيقة ظاهرة لمن يتأمل"اهـ.

هذه هي عبارته نقلتها لك بنصها على ما فيها من لحن وخلل لا أريد أن ابحث فيه الآن إنما الذي يدهشي بحق هو ان يعتقد شخص (يريد أن يبين للناس ما يجب عليهم اعتقاده في ذات الله تعالى بالبرهان القاطع) أن ما ذكره في هذه العبارة هو ذلك البرهان الذي يثبت به أول عقيدة دينية وأكبرها لأننا مهما حللنا عبارته هذه ومهما توسعنا في فهمها فما الذي يؤخذ منها كدليل أو شبه دليل على ما يسميه ثالوثا؟ .. أظن انه لا يمكن لعاقل ما ان يخطر على باله أن فيها شيئ من ذلك .. ومع هذا فلنلتمش معه كما يحب: إنه يريد أن يقول أن هذه العبارة تدل على الثالوث والوحدة من وجهين .. الوجه الأول أنه قال باسم الآب والإبن والروح القدس فقد قرن الثلاثة ببعضهم وسلط الإسم على الآب فقط وهذا يدل على التماثل التام والتساوي في الجوهر والقدم وفي كل شيئ فالإبن والروح القدس كالآب في القدم ولا يصح أن يكونا مخلوقين ولو كان الإبن والروح القدس مخلوقين لقال بأسماء الآب والإبن والروح القدس لأن تعدد الأسماء يفيد تغاير المسميات .. الوجه الثاني أن اسم ابن الله والروح القدس لا يصح إطلاقهما على المخلوقات إذ لا يلائمان المخلوقات فلا يصح ان يقال زيدا ابن الله ولا الروح القدس وإنما يقال ذلك للقديم فقط .. هذا شرح عبارته بإيضاح فهل يستطيع مفكر ان ينقض هذا البيان العجيب الذي جاء به مؤلف كتاب ميزان الحق؟ لا بد أن يكون الجواب سلبا لأن نقض المنقوض بطيعته محال ولكن ما الحيلة وقد سماه المؤلف حقيقة ظاهرة لمن اراد ان يتأمل فنحن لا يسعنا إلا أن نرد عليه ولو كنا كارهين.
أما الوجه الأول من كلامه فإننا نؤكد للقس أن اللغة التي يتكلم بها الآن في كتابه لا تدل على شيئ مما يقول مطلقا لأن العطف بالواو يقتضي أن المعطوف مشارك للمعطوف عليه في الحكم فقط لفظا ومعنى فإذا قلت جاء محمد وعلي وموسى كان معنى ذلك أن عليا وموسى اشتركا مع محمد في المجيئ حقيقة فكل منهما جاء ومعلوم أن العطف يقتضي المغايرة ايضا فلا بد أن يكون علي غير موسى فلنطبق هذه القاعدة على ما هنا لنعلم ان الإبن والروح القدس يشتركان مع الآب في طلب التعميد باسمهما وأن الروح القدس والابن غير الآب ولا فرق في الإشتراك بين أن يذكر الإسم مفردا أو جمعا مضافا إلى احدهم فقط أو إلى كل واحد منهم ولا دلالة في العطف على الإشتراك في الماهية أو اتحاد المعطوف بالمعطوف عليه وصيرورتهما شيئا واحدا ومن ذا الذي يفهم من قول أستعين باسم الله والملك والأمير أن الملك والأمير متحدان مع الله في ذاته ومساويان له في جوهره وأن الثلاثة شيئ واحد .. أظن أن الذي يفهم ذلك من هذه العبارة يدلل على أنه لا يتكلم إلا مع نفسه وأنه لا يخاطب احدا من العقلاء وربما اساء به الظن بعض سامعيه فأخذ به إلى طبيب يعالج له قواه العقلية على أننا إذا قطعنا النظر عن كل ما تقتضيه اللغة وقلنا أن اقتران المعطوفات يقتضي التماثل التام فإنه لا يمكننا أن نقول أن العطف لا يقتضي المغايرة فلا بد أن يكون المعطوف غير المعطوف عليه فإذا قلنا جاء زيد وعمرو وبكر فلا بد أن يكون كل واحد منهم مغايرا لصاحبه مهما قلنا بتماثلهم زإذا كان كذلك فمن أين تاتي الدلالة على اتحاد الآب والإبن والروح القدس ببعضهم.
وأما الوجه الثاني فقد عرفت الرد عليه آنفا وهو أن التوراة والإنجيل قد سميا المخلوق ابن الله وذلك المخلوق غير رسول فالرسول اولى بهذه التسمية وإذا ثبت أن الإبن يطلق على المخلوق بدون حرج فإطلاق روح القدس على المخلوق أقل حرجا منه بلا ريب لأن مرتبة الإبن لا خلاف فيها عندهم بخلاف الروح القدس فإن فيها اختلافا كبيرا لأن المجمع النيقاوي قرر أنه منبثق من الآب فقط ومجمع طيطلة قرر أنه منبثق من الآب والإبن معا ومع ذلك اختلفت الكنائس فبعضهم يقول يجب العمل بما قرره المجمع النيقاوي وبعضهم يوجب العمل ايضا بما قرره مجمع طيطلة كما ذكره البستاني في دائرة المعارف وذلك الخلاف وحده يوجب الشك فيه على الأقل فتكون مرتبته أضعف من مرتبة الإبن .. على ان المؤلف نفسه قرر أن الإنسان مماثل لله من جهة عقله وروحه ومن يقرر هذا لا يستنكف أن يطلق روح القدس على الإنسان .. وبذلك تعلم أن لا دليل من الإنجيل على الثالوث مطلقا وإنما هو من أوضاع الفلسفة الإلحادية التي تحاول أن تدخل على العقول أنه لا تناقض بين الوحدة والتعدد كما أنها تحاول أن تزخرف للعقول نظرية اتحاد المجرد بالمادي لترجع بكثير من ضعاف التفكير إلى العقائد الوثنية من حيث لا يشعرون وقد أبان الأستاذ محمد أفندي طاهر البيروتي في كتابه العقائد الوثنية في الديانة النصرانية شيئا كثيرا من ذلك فقد قارن بين ما يقول المسيحيون من اتحاد المسيح بدم مريم بما قاله الهنود الوثنيون في كرشنا وبوذا فقد نقل عنهم أنهم يقولون أن كرشنا هو المخلص والفادي والمعزي وابن الله والأقنوم الثاني من الثالوث المقدس (الاب والابن والروح القدس) وولد من العذراء ديفاكي التي اختارها الله والدة لابنه بسبب طهارتها وعفتها...إلخ وقد قارن بين النص الذي يقوله الوثنيون بين النص الذي ذكر في الإنجيل وجد أنهما متطابقان حرفا بحرف ومثل ذلك بوذا فإنهم قالوا أنه تجسد بواسطة الروح القدس على العذراء مايا وأنه ابن الله...إلأخ ومن أراد ان يعرف أكثر من ذلك فليرجع إلى هذا الكتاب المفيد.






الدليل الثالث:

وأرجو من القارئ الكريم أن لا يسخر مني في نقل هذا الدليل أيضا فإني مضطر لأن اشرح للناس كل أدلتهم حتى لا تقوم لهم حجة بأنني تركت لهم شيئا وإليك نص عبارة ميزان الحق التي ذكرها في صحيفة رقم 244 ..قال:
"ومما لا يصح إغفاله أن القرآن يتفق مع الكتاب المقدس في إسناد الفعل وضمير المتكلم في صيغة الجمع إلى الله في أن أمثلة ذلك أقل بكثير في التوراة عما في القرآن ومما ورد في التوراة هذه المواضع (تك1: 26 و 3: 22 و 11: 7) وفي القرآن ما ورد في سورة العلق وهي عند المسلمين أول ما نزل من الوحي على محمد فقد ورد في عدد 8 لفظ الرب اسما للجلالة وعدد 13 لفظ الله وكلا من اللفظين في صيغة المفرد ولكن في عدد 18 ورد ضمير الجلالة بصيغة الجمع حيث يقول سندع الزبانية وحيث إن الكتاب المقدس والقرآن يتفقان على هذا الأسلوب من التعبير عن ذات الجلالة بضمير الجمع .. فلا يخلو ذلك من قصد أما اليهود فيعللون عنه بكون الله كان يتكلم مع الملائكة إلا ان هذا التعليل لا يلائم نصوص التوراة وأما القرآن ويعلل عنه المسلمون بالتعظيم وهو تعليل سخيف لا يشفي غليل الباحث النبيه وليس لنا أن نخوض في شرح القرآن إنما أوردنا ذلك إشعارا باننا لا نخطئ إذا اعتبرنا عقيدة التثليث موافقة لإسناد ضمير الجمع إلى الله في القرآن كما مر بيانه" اهـ.

هذه عبارته بنصها وقد أوردناها كما هي على مافيها من تعقيد في العبارة وضعف في الأسلوب وخطأ بعض التراكيب كقوله (يعللون عنه) لنبين للقارئ أن هذا الرجل الذي يكاد يكون أعجميا في عبارته ويكاد يكون جاهلا جهلا تاما بأبسط قواعد اللغة العربية هو ذلك الرجل الذي ستحمله الجرأة والتعصب لعقيدته إلى الحكم على بلاغة القرآن وفصاحته فيتحقق صدق ما وصفناه به في المقدمة .. أما الذي يريده من هذه العبارة الطويلة فهو أن التوراة والإنجيل والقرآن العظيم تارة يعبر فيها عن ذات الله تعالى بالإسم المفرد كلفظ الله ولفظ رب وتارة يعبر عنها بضمير الجماعة ولكن التعبير بلفظ الجماعة في التوراة أقل من التعبير به في القرآن ثم اشار إلى ما ورد بنون العظمة في التوراة بالمواضع التي رمز لها بهذه الرموز ولنبينها بنصها لإيضاح عبارته وكلها في سفر التكوين ففي الإصحاح الأول عدد 26 ما نصه ((وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا)) فقد أعاد ضمير الجماعة وهو "نا" على الله وفي الإصحاح الثالث عدد 22 ((وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر -يريد آدم-)) فقد قال "منا" وهو ضمير الجماعة وفي الإصحاح الحادي عشر عدد 7 ((هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم)) فقال ننزل ونبلبل بنون الجماعة أما في القرآن فالأمر ظاهر وقد استدل حضرته بسورة اقرا فإن الله سبحانه وتعالى عبر عن نفسه فيها بالمفرد تارة فقد قال باسم ربك وعبر بنون الجماعة فقال فليدع ناديه سندع الزبانية .. وحيث إن القرآن والتوراة والإنجيل اتفقت في التعبير عن ذات الإله مرة باللفظ المفرد ومرة بنون الجماعة فليس لذلك معنى عند المؤلف إلا أنه يدل على أن الإله ثلاثة في واحد .. أي نعم! يا له من دليل تضرب من أجله أكباد الإبل وإن شئت قلت يا للعار فإنه لا يصح لرجل يريد أن يثبت ذلك الخيال الذي لا حقيقة له إلا في مخيلة صاحبه .. وهل يظن حضرته أن الدليل هو عبارة عن كل كلام يخطر ببال المستدل سواءا كان محتملا لمعنى يخالف ما يقول أم لا إن كان يظن ذلك فهو هازل حقا ومع ذلك فلنسر معه حيث يريد ان يعظم نفسه كقمت وقعدت ونحو ذلك ومنه ما هو موضوع للمفرد المعظم نفسه كنحن وقمنا وقعدنا إذا كان المتكلم واحدا ومثل هذا يستعمل في المتكلم الذي معه غيره فاللغة العربية قد وضعت ضمير المتكلم للمعظم نفسه .. ومن ذا الذي أحق باستعمال ضمير العظمة من الخالق سبحانه وتعالى؟ فإذا قال الله تعالى خلقنا السموات أو سندع الزبانية فإن ذلك نون العظمة من غير نزاع وهو معنى لغوي لا يحتاج أحد في فهمه إلى كبير عناء ومع ذلك فلنفترض أن ذلك الضمير للجماعة بخصوصها فإنما يدل على جماعة متعددة متباينة كما إذا قال شخص قمنا أو قعدنا وكان معه غيره فإنه لا يفهم منه لغة إلا أن المتكلم معه زيد وعمرو وهما غيره فمن أين يأتي هذا الإتحاد وذلك التركيب المزجي .. فإذا قال الإله نحن وكان معه مثله كانوا ثلاثة آلهة غير متحدين وإذا قال أنا كان المتكلم واحد منهم .. وهل الأوضاع اللغوية يمكن أن يؤخذ منها أن الثلاثة صاروا واحدا فتارة يعود الضمير عليها باعتبار كونها ثلاثة وتارة يعود عليها باعتبار كونها واحدا كلا وعجيب أن هذا البرهان أخذ به كثير من المفسرين وأعجب من هذا أن يقول مؤلف ميزان الحق أن تعليل المسلمين ذلك بالتعظيم سخيف لا يشفي غليل الباحث فليعذرني إذا قلت أنه أسخف قول سمعته ذلك القول الذي يستدل به صاحبه على أن معنى نون العظمة هو الثالوث وما كنت أتصور مخلوقا ينحط به التفكير إلى هذا الحد.







الدليل الرابع:

قال في صحيفة رقم 245:
"إن من أسماء الله الحسنى عند المسلمين كونه ودودا أي محبا وهذا يوافق ما جاء في التوراة والإنجيل وبما أنه غير متغير فهو ودود من الأزل ويلزم من ذلك أن يكون له مودود أي محبوب من الأزل قبل خلق العالم فمن عساه أن يكون ذلك المحبوب الموجود من الأزل عند الله ففي عقيدة التثليث الجواب الصريح والوحيد لهذا السؤال فنقول أن أقنوم الآب هو الودود وأقنوم الإبن هو المودود وما أحسن ما قال يسوع في هذا المعنى خطابا لأبيه أحببتني قبل إنشاء العالم وعليه لا يمكن الإعتقاد بوجود صفة المحبة في الله من الأزل ما لم نعتقد بتعدد الأقانيم ومع وحدة الجوهر وإلا كان الله متغيرا ابتداء أن (يحب) من الوقت الذي خلق له محبوبا من الملائكة أو البشر وهذا باطل لأنه قال (أنا الرب لا أتغير)"اهـ.

وهذا أيضا يصح أن يكون موضع دهشة الناظرين لأنه إذا صح قوله هذا فلا يصح وصف الأقانيم بالألوهية إلا إذا كان العالم كله موجودا معهم للأن معنى الإله الغالب ويجب على نظريته أن يكون غالبا بالفعل لا غالبا بالقوة لأن الغلبة بالقوة نقص في الإله ولا يصح على رأيه أن يكون غالبا بالقوة تارة وغالبا بالفعل تارة أخرى لأن ذالك يوجب تغير ذاته والإله لا يتغير فيلزم أن يكون المؤلف موجودا مع الإله أزلا أليس كذلك؟ .. والواقع أن هذه النظرية لفلاسفة اليونان الذين يقولون العالم قديم بمواده وعقوله ولكنهم يسمون ذلك بالقدم الزماني ويفرقون بين القدم الزماني والقدم الذاتي بأن القديم لذاته هو الذي لا يحتاج لغيره في شيئ ما ويخصون بذلك الله وحده فهو الذي تقتضي ذاته الوجود ولا يحتاج لغيره على أي حال وأما القدم الزماني فهو أن يكون الشيئ صادرا عن القديم لذاته بطريق التعليل بمعنى أن الله علة في وجوده والعلة تؤثر في معلولها ولكن لا تنفك عنه طرفة عين فلم يفصل بينهما زمان وهذا هو معنى القدم الزماني .. مثال ذلك أنهم يقولون أن أول ما صدر عن الإله جوهر مجرد عن المادة يسمونه بالعقل الأول وهو لا ينفك في الوجود عن الإله طرفة عين ولكن الإله هو الذي أثر فيه .. الوجود فهو ممكن لذاته قديم لكون الإله علة فيه ولكنهم يستدلون على نظريتهم هذه بكلام يصح أن يكون محل نظر بخلاف دكتورنا الذي يجازف في القول بدون حساب .. وحاصل ما يستدلون به هو أن الإله معناه الغالب والغالب لا بد له من معلوب ولا يصح ان يكون غالبا في المستقبل فقط لأن ذلك نقص في الإله فيجب أن لا ينفك عنه المغلوب طرفة عين وقد مثل لوجود الغالب والمغلوب معا في الخارج بحركة الإصبع الذي فيه خاتم فإنه إذا تحركت الإصبع يتحرك الخاتم تبعا له والحركتان موجودتان في الخارج معا ولكن حركة الإصبع هي المؤثرة وهي المتقدمة عقلا لا زمانا .. ويظهر أن المؤلف اطلع على هذه النظرية ولم يفهمها فقال أن الودود يقتضي مودودا في الأزل وإلا لزم التغيير في ذات الله تعالى وذلك خطأ واضح لأن الله تعالى متصف بصفات أزلية باتفاق ومع ذلك تتعلق بالممكنات التي تستوجب أزمنة مختلفة ولم يخطر على بال أحد من العقلاء أن التغير في تعلق الصفة يوجب التغير في الصفة أو في الذات وإلا لو كان هذا صحيحا لاستحال أن يوجد الله تعالى شيئا من الممكنات في المستقبل .. على أن الذي ذكره الفلاسفة إنما يريدون به تنزيه الله وقد قرروا أن كل ما عداه يستمد الوجود منه فالكل ممكن وهو وحده الواجب ولكنهم قالوا بقدم بعض الممكنات بالزمان ليكون الله غالبا بالفعل ولكن قد فاتهم أن ذلك يوجب كون الله علة في الممكنات والمعلول يصدر عن العلة بغير اختيارها ورغم إرادتها وذلك نقص في الإله .. ومن ذلك يتضح لك أن الدكتور لم يفقه ما قاله هؤلاء الفلاسفة وأراد أن ينسج على منواله فوقع في الخطأ الصريح .. على اننا إذا سلمنا له أن الودود يقتضي مودودا بالفعل فإن ذلك لا ينفعه شيئا لأنه لا يلزم من ذلك أن يكون المودود مساويا للودود في القدم الذاتي بل كل ما يلزم هو أن يكون الودود والمودود مقترنين في الوجود الخارجي بمعنى أن يكون الودود علة مؤثرة والمودود أثرا فهو قديم بالزمان كما يقول الفلاسفة فمن أين يأتي أن أقنوم الإبن مساويا لأقنوم الآب في القدم الذاتي .. وبالجملة فقول الرجل أن صفة الود أو المحبة في الله في الأزل لا توجد إلا ذاتا قلنا بتعدد الأقانيم مع وحدة الجوهر وإلا كان الله متغيرا قول هراء لأن الله يتصف بالصفات الأزلية باعترافه في كتابه وهي تتعلق بالممكنات في أزمنة متعددة ولا يلزم من تغير التعلق تغير الصفة أو الذات وعلى فرض أن الصفة تقتضي شيئا تتعلق به في الأزل فإن ذلك الشيئ يكون ممكنا في ذاته أما كونه أقنوما مساويا لله فذلك من اسخف ما سمعته ورأيته ومن الغريب أن العبارة التي نقلتها من إنجيل يوحنا وهي أن المسيح قال لأبيه ((أحببتني قبل إنشاء العالم )) تقتضي إلها ومألوها وتستلزم ربا ومربوبا وأن المسيح رسول وإني أذكر لك نصها وهو ((وليعلم العالم أنك أرسلتني وأحببتهم كما أحببتني أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا لينظروا مجدي الذي أعطيتني لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم أيها الاب البار إن العالم لم يعرفك أما أنا فعرفتك وهؤلاء عرفوا أنك أنت أرسلتني)) .. فأي عاقل عنده مثقال ذرة من التفكير يفهم من هذا الكلام أن المسيح يمثل أقنوم الإبن المتحد مع الله تعالى وأن ذلك الأقنوم مساوي لأقنوم الله في الجوهر وأي عاقل لا يفهم من هذا الكلام أكثر من أن المسيح رسول الله كما هو صريح عبارته فإنه يخاطب الله تعالى ربه بكلمة الاب التي معناها الرحمة والرأفة ولكم ما العمل وقد طغت عقيدة الثالوث على كل منطق وعلى كل بيان وعلى كل تفكير فأصبح معتنقها يلتمس المحال ليدلل به على صحتها .





الدليل الخامس:

إن الله تعالى لا يصح أن يكون واحدا محضا من جميع الوجوه لأنه وصف نفسه بكونه صمدا وكونه متكلما وكونه غنيا ودودا كما تقدم وهذه الصفات إضافات لا تتحقق إلا بوجود شيئ تتعلق به فالكافي لا يوجد إلا إذا كان معه من يكفيه والمتكلم لا يتحقق إلا إذا وجد من يتكلم معه والوديود لا يتحقق إلا إذا وجد المودود والصمد هو الذي يقصده الغير في حاجته فإذا لم يوجد الغير لا يتحقق معنى الصمد وهكذا فدل ذلك على أن الله تعالى متعدد في الأزل وهذا الدليل ذكره المؤلف في صحيفة رقم 246 بعد الدليل المتقدم ونص ما ذكره:
"فائدة الإيمان بالتثليث ليست أقل من الإيمان بالتوحيد لجملة أسباب جديرة بالنظر منها حل المعضلات الكثيرة التي يعترض بها على الوحدانية المحضة مثل كيف يكون الله هو الكافي والصمد والمتكلم والغني والودود من قبل أن يكون كائن سواه لأن هذه الصفات وما شاكلها لا يمكن التعليل عنها إلا بتعدد الأقانيم الإلهية مع توحيد الذات كما مر بيانه في كلامنا عن وصف الله بالودود "اهـ.

ليعذرني القراء إذا قلت أن مؤلف هذا الكتاب لا يفرق بين ما هو دليل له وبين ما هو دليل عليه لأنني إذا سلمت له أن هذه الصفات تستدعي وجود ما تتعلق به أزلا فإن ذلك المتعلق لا يعقل إلا إذا كان ممكنا وأن الله مؤثر فيه الإيجاد حتما لأن الصمد معناه الذي يقصده المحتاج فإذا سلمنا له وجود أقنوم الإبن فإنما نسلم بأن ذلك الأقنوم محتاج إلى الآب حتما فيكون ممكنا وإذا سلمنا بأن الكافي يستدعي وجود من يكفيه شؤنه وذلك هو الأقنوم الثاني كان محتاجا إليه أيضا فكيف يستدل بهذه الصفات على وجود أقانيم متساوية أزلا على انك قد عرفت أن الله تعالى متصف بهذه الصفات أزلا ثم تتعلق بالموجودات في المستقبل حسبما يشاء الله ولا يترتب على هذا تغير في صفات الله تعالى ولا في ذاته .. ألا ترى أنه يعلم أن فلانا سيولد في يوم كذا فتتعلق قدرته بإيجاده في ذلك اليوم ثم يموت في يوم كذا فتتعلق قدرته بإعدامهفي ذلك اليوم وقدرة الله هي هي لم تتغير وإنما الذي تغير هو تعلقها حسب علمه تعالى القديم.

(ملحوظة) تشعر عبارة المؤلف من أولها أن التثليث ينافي الوحدانية الحقة لأنه قال فائدة الإيمان بالتثليث ليست أقل من الإيمان بالتوحيد.







الدليل السادس:

إن عقيدة الثالوث تمهد السبيل لتصديق دعوى المسيح أنه كلمة الله المثبوتة في الإنجيل والقرآن لأن الكلمة أو القول هو ما يعبر عنه المتكلم عن فكره والمتكلم هنا الله وحيث أنه دعا المسيح كلمته فيكون هو المعبر الوحيد الكامل عن فكر الله فهو الواسطة الوحيدة لإعلان الله وإذا كان الواسطة الوحيدة لإعلان الله فيجب أن يعرفه حق المعرفة ولا يمكن للمخلوق أن يعرف ربه حق المعرفة ألا ترى أن سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث له ما عرفناك حق معرفتك .. أما المسيح فإنه قال ((أما أنا فأعرفه))((الآب يعرفني وأنا أعرف الآب)) وإذا ثبت أن المسيح كلمته التي يعبر بها عن فكره وأنه يعرفه ثبت أنه غير مخلوق إذ لا يعرف الله إلا الله فعقيدة الثالوث تزيل كل صعوبة في قبول دعوى المسيح بأنه كلمة الله (ذلك ملخص ما قاله في صحيفة رقم 247 ورقم 248) وقد أشفقت على القارئ من نقل عبارته المرتبكة التي يتعذر فهمها ابتداء ويمتازهذا الدليل بأنه مقصود على إثبات أقنوم الإبن أما أقنوم الروح القدس فهو من باب زيادة نغمة في الطنبور أو من باب زيادة الطين بلة ويقولون في الأمثال العامية (أن زياة الخير خير) فحيث أن معنى كلمة الله جوهر مساو لله في الأزل من جميع الوجوه وتعدد الجوهر فيه فوائد فما المانع من زيادة جوهر ثالث مثل الإله من جميع الوجوه إن ذلك ليس بغريب بل الغريب أن يقتصر على ثلاثة فقط .. ألا يضحك العقلاء من مثل ذلك الكلام هل يظن عاقل (أن معنى كلمة الله) أقنوم مساو لله تعالى في جوهره من جميع الوجوه ولا يمتاز عنه إلا بوجوده الخاص وأن ذلك الأقنوم قد اتحد معه أزلا .. وهل ذلك معنى للكلمة لغة أو عقلا أو يؤخذ منها أي وجه أو أي ناحية قريبة أو بعيدة .. إن العقلاء مجمعون على أن الكلمة أو الكلام صفة من الصفات ولم يفهم أحد مطلقا أنها ذات فيكون معنى كون المسيح كلمة الله أنه أثر لكلمة الله تعالى كما هو الشأن في كل الممكنات بلا فرق ما وتلك الكلمة هي أمره تعالى المشار إليه بقوله تعالى إنما قولنا لشيئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون فهو قوله سبحانه في القرآن لهؤلاء المخلوقات الذين افتتنوا بالمسيح لأنه ولد من غير أب أن ذلك هين علينا لأننا إذا قلنا لشيئ كن فإنه يكون فالمسيح أثر لنا كغيره من سائر المخلوقات ولا شك في أن الذي يوجد السموات والأرض وما بينهما وما فيهما لا يعجزه أن يوجد ابنا بدون أب وكم لله من مخلوقات لا عداد لها كلها عجائب قد لا تخطر لأحد على بال إلا عند رؤيتها فلا يصح بالعقلاء أن يفتتنوا بالمسيح الذي جاءهم برسالة من عند الله وأمرهم بتوحيد الله إلى هذا الحد الشائن ولقد صدق من قال:
وإذا أراد الله فتنة معشر * وأضلهم رأوا القبيح جميلا

ومن المدهش حقا أن يقول أن ذات الإله لا يمكن أن يعرفها مخلوق حق معرفتها فلا بد من وجود جوهر آخر لا يكون مخلوقا ليعرفها على ذلك الوجه لأن كل من عنده أدنى تمييز يمكنه أنيقول له وأي ضرورة لمعرفة حقيقة ذات الإله حتى يترتب عليها ذلك التعدد المنافي للألوهية وإذا كان لا بد من معرفة حقيقة الذات وأنه لا يعرفها إلا القديم المساوي لله فيصح الإكتفاء بالله في ذلك فليعرف ذاته وحده إذ لا حاجة للمخلوقات في معرفة حقيقة الذات بل هم محتاجون إلى معرفة الآثار المترتبة عليها .. أما قوله أن محمد صلى الله عليه وسلم قال ما عرفناك حق معرفتك فهو كذب على رسول الله وسيأتي الكلام عليه في القسم الثالث.






الدليل السابع:

زعم أن الشرقيين والهنود يعتقدون بالقضاء والقدر وهذه العقيدة قد أخرتهم وأضرت بهم فلو أنهم اعتقدوا أن الإله يحبهم أنه مات بالجسد من أجلهم فلم يضمر لهم سوءا لما بقي عندهم محل للشك في حسن مراد الله من جهتهم إلى آخر ما ذكر في صحيفة رقم 248 ولا بد أن يكون المؤلف قد بنى نظريته هذه على أن صلب جسد المسيح (وهو الذي حل فيه أقنوم الإبن) لا يتحقق إلا باعتقاد الثالوث حتى يصح أن يقال أن الإله قد صلب فداء للعالم وإلا فلا وجه لارتباط عقيدة القضاء والقدر بعقيدة الثالوث مطلقا لأن من يعتقد أن الله هو الفعال لا يبني عقيدته هذه على أن ذات الإله بسيطة أو مركبة من أجزاء نعم قد بناها بعضهم على أن الله واحد في أفعاله لا بمعنى أن افعاله متعددة بل بمعنى أن ليس لأحد معه فعل .. ويمكننا أن نصرح ههنا بأن المسلمين مجمعون على ان للإنسان عملا يثاب عليه ويعاقب ويمدح به ويذم وأن كل واحد منهم ذكر أو أنثى مكلف بعمل الصالحات وترك السيئات ومطالب بأداء واجبات دنيوية يعاقب على تركها أشد العقاب كالعمل لتحصيل قوت عياله والنفقة على زوجه وتحصيل ما يكون به عضوا عاملا في هذه الحياة ومكلف بأن يتقن كل ما يستطيع من عمل يرقى به في هذه الحياة الدنيا وان يزاحم غيره في الحياة ويفرض الدين على الأمة الإسلامية أن تكون من أقوى أمم العالم حتى أن الواحد منهم يجب أن يثبت أمام اثنين من أعدائه وقد كانوا كذلك أيام كانوا متمسكين بدينهم حقا فقد أخضعوا لسلطانهم الفرس والرومان وقت أن كانوا أقوى دول العالم على أنهم مكلفون بأن يستمسكوا بالوسائل المشروعة التي لا يترتب عليها ظلم لأحد في ماله أو نفسه او عرضه هذه هي قواعد الإسلام على ان عقيدة القضاء والقدر عندهم من وسائل الإقدام على العمل لأن من يؤمن بأن الله الذي كلفه بالعمل هو الذي يرجع إليه نجاح المطلوب فإنه يقدم عليه وقلبه مؤمن بالله تعالى الذي يسخر له من الوسائل ما ينجحه فإذا فشل بعد ذلك لا يجد في نفسه غضاضة من ذلك الفشل ولا تتاثر نفسه بالحزن والاسى لأنه من اول أمره يعتقد أن الله هو المرجع الحقيقي لكل الأمور .. وقد كان المسلمون في صدر الإسلام من أشد الناس إقداما على أعمال البر فكانوا لا يبالون بالموت في سبيل الإنتصار ولعقائدهم ولا يحجمون عن اقتحام المخاطر خوفا من الفشل فمن أجل ذلك كتب الله لهم النصر على أعدائهم الأقوياء واصبحوا سادة الدنيا من أولها إلى آخرها وكان رائدهم في أمورهم قوله تعالى: ((قل لن يصيبنا إلا ما كتب اللهلنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون)) فهل كانت عقيدة القضاء والقدر حجر عثرة في سبيل رقي المسلمين كما فهم المبشر كلا وإنما عاجلت القراء بهذه الكلمة ليفهم أنصار هذا المؤلف بأن المسلمين لا يرتبون على عقيدة القضاء والقدر إلا الإقدام على العمل وهم مع ذلك موقنون بأن الأعمال الصالحة لها عند الله أحسن الجزاء والأعمال السيئة لها أسوأ الجزاء وسيأتي للكلام بقية في القسم الثالث .. وبعد فلننتقل إلى ما سميناه دليلا للمؤلف فهل حقيقة يصح ان يكون دليلا ولو في الجملة كلا إنه على فرض أن الكلام في صلب الإله تعالى الله عما يقول المبطلون علوا كبيرا وأن صلبه دليل على محبته لعباده فهل يكون معنى ذلك أنهم يعملون ويجدون أو بالعكس لا شك في أن المنطق يقتضي أن تكون النظرية معكوسة لأن الذي يعتقد ان الإله صلب من اجل أن يكفر خطيئته وأن الإله القادر يحبه إلى هذا الحد فإنه لا يعمل الصالحات بعد ذلك .. وإذا كان الإله قد صلب وضحى بنفسه ليخلص عباده من الموبقات فاي ضرر على الإنسان بعد ذلك وأي خوف عليه من ارتكاب الموبقات .. ثم إن القادر الذي يقتل نفسه رحمة بي أفلا يكون من المعقول أن أتوكل عليه في أن يرسل لي كل ما أشتهيه بعد ذلك وأنا نائم في منزلي إن ذلك لا يخفى على من له ادنى إلمام بالمنطق فما بال المبشر عكس الحقائق إلى هذا الحد وما باله يخبط خبط عشواء فلا يفرق بين ما هو له وما هو عليه .. ومن ذلك كله يتضح لك جليا أن أول العقائد المسيحية وأكبر وصية يقرها التوراة والإنجيل وهي وحدانية الله تعالى قد رفضها جمهور المسيحيين وأحلوا محلها عقيدة لم يسبقهم إليها أحد من الأمم ولم تعرفها شريعة من الشرائع ولم تؤخذ من الكتب وهي أن الله ثلاثة أقانيم متماثلة من جميع الوجوه ولكن لكل واحد منها خاصة تميزه عن الآخرين وهؤلاء الثلاثة قد اتحدوا ببعضهم فصاروا إلها واحدا غير متعدد لأن كل واحد منهم صار عين الآخر وهذا الذي قالوه قد عبر عنه القرآن الكريم بعبارات مختلفة تنطبق عليه تمام الانطباق فمرة قال لقد كفر الذين قالوا لان الله هو المسيح ابن مريم ومرة قال لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة .. وإذا كنت على ذكر ما بيناه لك في معنى الثالوث عندهم فإنك تعلم أنهم يقولون أن المسيح ابن مريم هو الله لأنه هو أقنوم الإبن قد تجسد وكل أقنوم من الأقانيم مساو للآخر في الماهية الإلهية فكل واحد منهم إله تام فالمسيح بن مريم من حيث كونه أقنوما إله تام ولا ينافي ذلك كونه بشرا من حيث تجسده .. وكذلك الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة فإنهم هم الذين قالوا ان الله هو المسيح إذ لا فرق بين الفريقين .. وهذه العقيدة فاسدة فسادا واضحا لا دليل عليها مطلقا لا عقلا ولا نقلا أما العقل فهم أنفسهم يقولون أن هذه العقيدة فوق العقل وأما النقل فلم يستطيعوا أن ياتوا عليها ببرهان من الإنجيل المحرف فضلا عن الإنجيل الصحيح .. وبعد هذا فليقارن أولوا الألباب بين ما يعتقده المسيحيون في توحيد الإله سبحانه وبين ما يعتقده المسلمون الذين يقولون ان الله سبحانه منزه عن التركيب في ذاته وصفاته ومنزه عن أن يكون له شريك يماثله ومنزه عن كل نقيصة وكل ما عداه محتاج إليه في وجوده وبقائه فهم يشهدون أن لا إله إلا الله الذي لم يلد ولم يولد ولم يتصف بصفات الحوادث ويشهدون أن محمدا عبده ورسوله ميزه الله بالرسالة إلى عباده فضلا منه وكرما وهو بالنسبة لمقام الألوهية عبد خاضع مبلغ عن ربه ((قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي انما الهكم إله واحد)) ((قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ان أنا الا نذير وبشير لقوم بؤمنون)) ((قل انما اتبع ما يوحى الي من ربي)) إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على توحيد الله تعالى وتفرده بالعظمة التامة وان كل ما عداه محتاج إليه لا فرق بين عيسى وغير من سائر المخلوقات .. فهل يصح بعد ذلك لعاقل يمكنه أن يميز الحق من الباطل ويعرف الصحيح من الفاسد أن يترك دينا يدعو إلى إله واحد منزه عن كل نقص ومتصف بكل كمال وأنه ليس كمثله شيئ من خلقه ويتبع دينا يقول للناس أن إلهكم مركب من ثلاثة أقانيم معدودة مميزة عن بعضها وأن كل أقنوم إله كامل في ذاته ما دام متحدا مع الآخرين ثم إذا انفصل لا يكون إلها لأن اتحاد تلك الأقانيم أزلي وأن أحد الأقانيم اتحد بدم مريم فصار جسدا وهو المسيح فأصبح المسيح إلها وبشرا من جهتين مختلفين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ومن يضلل الله فما له من هاد.