بسم الله الرحمن الرحيم

لما بنى أبرهة الأشرم كنيسته في اليمن كتب إلى النجاشي ‏‏‏:‏‏‏ إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك ، ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب، فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشي ، غضب رجل من العرب، أحد بني فُقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ‏‏‏.‏‏‏ ‏‏فأحدث في الكنيسة (( أي قضى حاجته هناك )) فلما سمع أبره بذلك قول من فعل ذلك فقالوا : هو من أهل هذا البيت الذي تحج العرب إليه بمكة لما سمع قولك ‏‏‏:‏‏‏ ‏‏‏(‏‏‏ أصرف إليها حج العرب ‏‏‏)‏‏‏ غضب فجاء فقعد فيها ، أي أنها ليست لذلك بأهل

فغضب عند ذلك أبرهة وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه ، ثم أمر الحبشة فتهيأت وتجهزت ، ثم سار وخرج معه بالفيل وقبل وصوله لمكة أصاب مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم

وأرسل أبرهة رسوله حناطة الحميري إلى مكة ، وقال له ‏‏‏:‏‏‏ سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفها ، ثم قال له ‏‏‏:‏‏‏ إن الملك يقول لك ‏‏‏:‏‏‏ إني لم آت لحربكم ، إنما جئت لهدم هذا البيت ، فإن لم تعرضوا دونه بحرب ، فلا حاجة لي بدمائكم ، فإن هو لم يرد حربي فأتني به ‏‏‏.‏‏‏

فلما دخل حناطة مكة ، سأل عن سيد قريش وشريفها ، فقيل له ‏‏‏:‏‏‏ عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ؛ فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة ؛ فقال له عبدالمطلب ‏‏‏:‏‏‏ والله ما نريد حربه ، وما لنا بذلك من طاقة ، هذا بيت الله الحرام ، وبيت خليله إبراهيم عليه السلام - أو كما قال - فإنْ يمنعه منه فهو بيته وحرمه ، وإن يخل بينه وبينه ، فوالله ما عندنا دفع عنه ؛ فقال له حناطة ‏‏‏:‏‏‏ فانطلق معي إليه ، فإنه قد أمرني أن آتيه بك ‏‏‏.‏‏‏

وكان عبدالمطلب أوسم الناس وأجملهم وأعظمهم ، فلما رآه أبرهة أجله وأعظمه وأكرمه عن أن يجلسه تحته ، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه ، فنزل أبرهة عن سريره ، فجلس على بساطه ، وأجلسه معه عليه إلى جنبه ، ثم قال لترجمانه ‏‏‏:‏‏‏ قل له ‏‏‏:‏‏‏ حاجتك ‏‏‏؟‏‏‏ فقال له ذلك الترجمان ؛فقال ‏‏‏:‏‏‏ حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي ؛ فلما قال له ذلك ، قال أبرهة لترجمانه ‏‏‏:‏‏‏ قل له ‏‏‏:‏‏‏ قد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني ، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك ، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه ، لا تكلمني فيه ‏‏‏!‏‏‏ قال له عبدالمطلب ‏‏‏:‏‏‏ إني أنا رب الإبل ، وإن للبيت ربا سيمنعه ؛ قال ‏‏‏:‏‏‏ ما كان ليمتنع مني ؛ قال ‏‏‏:‏‏‏ أنت وذاك ‏‏‏.‏‏‏

فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة ، وهيأ فيله وعبىَّ جيشه ، وكان اسم الفيل محمودا ؛ وأبرهة مجمع لهدم البيت ، ثم الانصراف إلى اليمن ‏‏‏.‏‏‏

فبرك الفيل ، وضربوا الفيل ليقوم فأبى ‏‏‏.‏‏‏ فضربوا في رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى ، فأدخلوا محاجن لهم في مراقِّه فبزغوه بها ليقوم فأبى ، ‏‏ فوجهوه راجعا إلى اليمن ، فقام يهرول ، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ، ووجهوه إلى مكة فبرك ‏‏‏.‏‏‏

فأرسل الله تعالى عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان ، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها ‏‏‏:‏‏‏ حجر في منقاره ، وحجران في رجليه ، أمثال الحمص والعدس ،لا تصيب منهم أحدا إلا هلك ، وليس كلهم أصابت ‏‏‏.‏‏‏وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا ..

وقد ذكر الله القصة في كتابه في سورة الفيل " ‏‏‏ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ‏‏‏.‏‏‏ ألم يجعل كيدهم في تضليل ‏‏‏.‏‏‏ و أرسل عليهم طيرا أبابيل ‏‏‏.‏‏‏ ترميهم بحجارة من سجيل ‏‏‏.‏‏‏ فجعلهم كعصف مأكول "

وبداية من هذه القصة والتي يسمون العام التي وقعت فيها بعام الفيل ومن سيد قريش وأشرفها نبدأ بحثنا هذا ونسأل الله أن يوفقنا ويهدينا إلى ما فيه الخير ..