جاء في تفسير فتح القدير للشوكاني:أما ما جاء عن الامام الطبري
وأما تأويـل قوله: { فَمَا فَوْقَهَا }: فما هو أعظم منها عندي لـما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جريج أن البعوضة أضعف خـلق الله، فإذا كانت أضعف خـلق الله فهي نهاية فـي القلة والضعف، وإذ كانت كذلك فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء لا يكون إلا أقوى منه، فقد يجب أن يكون الـمعنى علـى ما قالاه فما فوقها فـي العظم والكبر، إذ كانت البعوضة نهاية فـي الضعف والقلة.وقوله : { فَمَا فَوْقَهَا } قال الكسائي ، وأبو عبيدة ، وغيرهما : فما فوقها والله أعلم : ما دونها : أي : أنها فوقها في الصغر كجناحها . قال الكسائي ، وهذا كقولك في الكلام أتراه قصيراً ، فيقول القائل ، أو فوق ذلك أي : أقصر مما ترى . ويمكن أن يراد ، فما زاد عليها في الكبر
واعجبني ما قرأت في تفسير القشيري في هذا الباب فهو ردا عظيما وصفعا قويا على وجوه من يتناقل هذه الشبهه:قوله جلّ ذكره : { إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحِى أن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } .
الاستحياء من الله تعالى بمعنى التَرْك ، فإِذا وصف نفسه بأنه يستحي من شيء فمعناه أنه لا يفعل ذلك وإذا قيل لا يستحي فمعناه لا يبالي بفعل ذلك .
والخَلْقُ في التحقيق - بالإضافة إلى وجود الحق - أقلُّ من ذرةٍ من الهباء في الهواء ، لأن هذا استهلاك محدود في محدود ، فسِيَّان - في قدرته - العرش والبعوضة ، فلا خَلْقٌ العرش أشق وأعسر ، ولا خَلْق البعوضة أخف عليه وأيسر ، فإِنه سبحانه مُتَقَدِّسٌ عن لحوق العُسْر واليُسْر .
فإذا كان الأمر بذلك الوصف ، فلا يستحي أن يضرب بالبعوضة مثلاً كما لا يستحي أن يضرب بالعرش - فما دونه - مثلاً .
وقيل إن جهة ضرب المثل بالبعوضة أنها إذا جاعت فَرَّتْ وطارت ، وإذا شبعت تشققت فَتَلِفَتْ - كذلك { إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّءاهُ اسْتَغْنَى } [ العلق : 6 ] .
وقيل ما فوقها يعني الذباب ، وجهة الإشارة فيه إلى وقاحته ، حتى أنه ليعود عند البلاغ في الذب ، ولو كان ذلك في الأسد لم ينجُ منه أحد من الخَلْق ، ولكنه لمَّا خَلَق القوة في الأسد خلق فيه تنافراً من الناس ، ولما خلق الوقاحة في الذباب خلق فيه الضعف ، تنبيهاً منه سبحانه على كمال حكمته ، ونفاذ قدرته .
تعالى الله عما يصفون




رد مع اقتباس
المفضلات