.
و(صراط الذين انعمت عليهم) ولم يقل تنعم عليهم فلماذا ذكر الفعل الماضي؟
اختار الفعل الماضي على المضارع اولاً: ليتعين زمانه ليبين صراط الذين تحققت عليهم النعمة (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا)
(النساء آية 69)
صراط الذين انعمت عليهم يدخل في هؤلاء. واذا قال تنعم عليهم لاغفل كل من انعم عليهم سابقا من رسل الله والصالحين ولو قال تنعم عليهم لم يدل في النص على انه سبحانه انعم على احد ولاحتمل ان يكون صراط الاولين غير الآخرين ولا يفيد التواصل بين زمر المؤمنين من آدم عليه السلام إلى ان تقوم الساعة.
مثال: اذا قلنا أعطني ما اعطيت امثالي فمعناه أعطني مثل ما اعطيت سابقا، ولو قلنا اعطني ما تعطي امثالي فهي لا تدل على أنه اعطى احدا قبلي.
ولو قال تنعم عليهم لكان صراط هؤلاء اقل شأنا من صراط الذين انعم عليهم فصراط الذين انعم عليهم من اولي العزم من الرسل والانبياء والصديقين اما الذين تنعم عليهم لا تشمل هؤلاء. فالاتيان بالفعل الماضي يدل على انه بمرور الزمن يكثر عدد الذين انعم الله عليهم فمن ينعم عليهم الآن يلتحق بالسابقين من الذين انعم الله عليهم فيشمل كل من سبق وانعم الله عليهم فهم زمرة كبيرة من اولي العزم والرسل واتباعهم والصديقين وغيرهم وهكذا تتسع دائرة المنعم عليهم اما الذين تنعم عليهم تختص بوقت دون وقت ويكون عدد المنعم عليهم قليل لذا كان قوله سبحانه انعمت عليهم اوسع واشمل واعم من الذين تنعم عليهم.
لماذا قال صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين؟
اي لماذا عبر عن الذين انعم عليهم باستخدام الفعل (انعمت) والمغضوب عليهم والضآلين بالاسم؟
الاسم يدل على الشمول ويشمل سائر الازمنة من المغضوب عليهم والدلالة على الثبوت. أما الفعل فيدل على التجدد والحدوث فوصفه انهم مغضوب عليهم وضالون دليل على الثبوت والدوام.
اذن فلماذا لم يقل المنعم عليهم للدلالة على الثبوت؟
لو قال صراط المنعم عليهم بالاسم لم يتبين المعنى اي من الذي أنعم انما بين المنعم (بكسر العين) في قوله أنعمت عليهم لان معرفة المنعم مهمة فالنعم تقدر بمقدار المنعم (بكسر العين) لذا اراد سبحانه وتعالى ان يبين المنعم ليبين قدرة النعمة وعظيمها ومن عادة القرآن ان ينسب الخير إلى الله تعالى وكذلك النعم والتفضل وينزه نسبة السوء اليه سبحانه (وانا لا ندري اشر اريد بمن في الارض ام اراد بهم ربهم رشدا)
(الجن آية 10)
والله سبحانه لا ينسب السوء لنفسه فقد يقول (ان الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم اعمالهم فهم يعمهون)
(النمل آية 4)
لكن لا يقول زينا لهم سوء اعمالهم
(زين لهم سوء أعمالهم)
(التوبة آية 37)
(زين للناس حب الشهوات )
(آل عمران آية 14)
(وزين لفرعون سوء عمله).
(غافر آية 37)
(أفمن زين له سوء عمله)
(فاطر آية 8)
(واذ زين لهم الشيطان اعمالهم)
(الانفال آية 48)
اما النعمة فينسبها الله تعالى الى نفسه لان النعمة كلها خير
(ربي بما انعمت علي)
(القصص آية 17)
(ان هو الا عبد انعمنا عليه)
(الزخرف آية 59)
(واذا انعمنا على الانسان أعرض ونئا بجانبه واذا مسه الشر كان يؤوسا)
(الاسراء آية 83)
ولم ينسب سبحانه النعمة لغيره الا في آية واحدة
(واذ تقول للذي انعم الله عليه وانعمت عليه امسك عليك زوجك)
(الاحزاب آية 37)
فهي نعمة خاصة بعد نعمة الله تعالى عليه.
لماذا قال المغضوب عليهم ولم يقل أغضبت عليهم؟
جاء باسم المفعول واسنده للمجهول ولذا ليعم الغضب عليهم من الله والملائكة وكل الناس حتى اصدقاؤهم يتبرأ بعضهم من بعض حتى جلودهم تتبرأ منهم ولذا جاءت المغضوب عليهم لتشمل غضب الله وغضب الغاضبين.
غير المغضوب عليهم ولا الضآلين: لم كرر لا؟ وقال غير المغضوب عليهم والضالين؟ اذا حذفت (لا) يمكن ان يفهم ان المباينة والابتعاد هو فقط للذين جمعوا الغضب والضلالة فقط اما من لم يجمعها (غير المغضوب عليهم ولا الضآلين) فلا يدخل في الاستثناء. فاذا قلنا مثلا لا تشرب الحليب واللبن الرائب (اي لا تجمعهما) اما اذا قلنا لا تشرب الحليب ولا تشرب اللبن الرائب كان النهي عن كليهما ان اجتمعا او انفردا.
فلماذا قدم اذن المغضوب عليهم على الضآلين؟ المغضوب عليهم الذين عرفوا ربهم ثم انحرفوا عن الحق وهم اشد بعدا لان ليس من علم كمن جهل لذا بدأ بالمغضوب عليهم وفي الحديث الصحيح ان المغضوب عليهم هم اليهود واما النصارى فهم الضالون. واليهود اسبق من النصارى ولذا بدأ بهم واقتضى التقديم.
وصفة المغضوب عليهم هي اول معصية ظهرت في الوجود وهي صفة ابليس عندما امر بالسجود لآدم عليه السلام وهو يعرف الحق ومع ذلك عصى الله تعالى وهي اول معصية ظهرت على الارض ايضا عندما قتل ابن آدم اخاه فهي اذن اول معصية في الملأ الأعلى وعلى الأرض (ومن يقتل مؤمنا متعمدا.فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه)
(النساء آية 93) ولذا بدأ بها.
أما جعل المغضوب عليهم بجانب المنعم عليهم فلان المغضوب عليهم مناقض للمنعم عليهم والغضب مناقض للنعم.
خاتمة سورة الفاتحة هي مناسبة لكل ما ورد في السورة من اولها الى آخرها فمن لم يحمد الله تعالى فهو مغضوب عليه وضال ومن لم يؤمن بيوم الدين وان الله سبحانه وتعالى مالك يوم الدين وملكه ومن لم يخص الله تعالى بالعبادة والاستعانة ومن لم يهتد الى الصراط المستقيم فهم جميعا مغضوب عليهم وضالون.
ولقد تضمنت السورة الايمان والعمل الصالح، الايمان بالله (الحمد لله رب العالمين) واليوم الآخر (مالك يوم الدين) والملائكة والرسل والكتب (اهدنا الصراط المستقيم) لما تقتضيه من ارسال الرسل والكتب. وقد جمعت هذه السورة توحيد الربوبية (رب العالمين) وتوحيد الالوهية (اياك نعبد واياك نستعين) ولذا فهي حقاً أم الكتاب.
.




(صراط الذين انعمت عليهم) ولم يقل تنعم عليهم فلماذا ذكر الفعل الماضي؟
المفضلات