وقالوا: إن مريم ولدت (المسيح)، وهو اسم تجمع اللاهوت والناسوت وقالوا: إن الذي مات هو الذي ولدته مريم، وهو الذي وقع عليه الصلب والتسمير، والصفع والربط بالحبال، واللاهوت لم يمت، ولم يألم، ولم يدفن.

قالوا: وهو إله تام بجوهر لاهوته، وإنسان تام بجوهر ناسوته، وله المشيئتان: مشيئة اللاهوت، ومشيئة الناسوت...

فأتوا بمثل ما أتى به اليعقوبية من أن مريم ولدت الإله، إلا إنهم بزعمهم نزهوا الإله عن الموت، وإذا تدبرت قولهم (وهذا قول النصارى الكاثوليك) وجدته في الحقيقة هو قول اليعقوبية مع تنازعهم وتناقضهم فيه، فاليعقوبية أطرد لكفرهم: لفظـًا، ومعنى.

وأما (النسطورية) فذهبوا إلى القول بأن المسيح شخصان وطبيعتان، لهما مشيئة واحدة، وأن طبيعة اللاهوت لما وجدت بالناسوت صار لهما إرادة واحدة، واللاهوت لا يقبل زيادة ولا نقصانا، ولا يمتزج بشيء، والناسوت يقبل الزيادة والنقصان، فكان المسيـح بذلك إلهًا وإنسانًا، فهو الإله بجوهر اللاهوت الذي لا يقبل الزيادة والنقصان، وهو إنسان بجوهر الناسوت الذي يقبل الزيادة والنقصان.

وقالوا: إن مريم ولدت المسيح بناسوته، وإن اللاهوت لم يفارقه قط.

وكل هذه الفرق استنكفت أن يكون المسيح عبد لله، وهو لم يستنكف من ذلك، ورغبت به عن عبودية الله، وهو لم يرغب عنها بل أعلى منازل العبودية عبودية الله، ومحمد وإبراهيم خيرٌ منه، وأعلى منازلهما تكميل مراتب العبودية، فالله رضيه أن يكون له عبدًا، فلم ترض المثلثة بذلك!

وقالت (الآريوسية) منهم وهم أتباع آريوس: إن المسيح عبد الله كسائر الأنبياء والرسل، وهو مربوب مخلوق مصنوع. وكان النجاشي على هذا المذهب.

وإذا ظفرت المثلثة بواحد من هؤلاء قتلته شر قتلة، وفعلوا به ما يفعل بمن سب المسيح وشتمه أعظم سب.

سابعًا: بينما يتحقق المسلم بمفهوم الولاء والبراء فكيف الحب عنده في الله والبغض في الله، ولا يتقدم بين يدي الله ورسوله بقول أو فعل، فتوحيد الله عنده أهم قضية في الوجود، وهذه الدعوة هي دعوة جميع الأنبياء والمرسلين وهي دعوة التوراة والإنجيل، : (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(آل عمران:67)، وقال -سبحانه- لمن تعجب من ولادة المسيح: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ)(آل عمران:59)، قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ)(المائدة:68).

ومن الأصول الخمسة التي اتفقت عليها الشرائع عدم التقول على الله بغير علم، -: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)(الأعراف:33)، ولذلك فلسان حال المسلم: «اللهم لك أسلمنا، وبك آمنا، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا، وبك خاصمنا، وإليك حاكمنا».

وفي المقابل تجد العلماني وكثير من الحزبيين والسياسيين يغضون الطرف عن ذلك كله، فقضية القضايا عنده مثلاً محبة الوطن والاهتمام بالتنمية، حتى وإن كفر الخلق بالله -جل وعلا-!، فهذا لا يشغله ولا يعنيه ولا يؤرقه، لا بأس عنده أن تكون لواطيًا أو سحاقيًا أو مخمورًا أو راقصًا، المهم أن تتظاهر مثله بمحبة الوطن، وهذا مثال لا على سبيل الحصر، لتفاهة وسفاهة العلمانية وغيرها من المناهج الأرضية والمنحرفة.

يدمرون أنفسهم ويدمرون البلاد والعباد، ويظنون أنهم يُحسنون صنعًا، فكن من هذه المناهج ومن أهلها على حذر؛ فلدغة العقائد الفاسدة أشد من لدغة الحيات والعقارب؛ لأنها تخرب الحاضر، وتورث نيران الجحيم.
اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين.
وَآخِرُ دَعْوَانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

بارك الله فيكم شيخنا الكريم وزوّد الأمــة أمثالكــم